الدراسات البحثيةالقانونية والعلوم الاداريةالمتخصصة

مقترح المغرب للحكم الذاتي في منطقة الصحراء: مقاربة قانونية وسياسية في ضوء القرار 2797 لمجلس الأمن

Morocco’s Autonomy Proposal for the Sahara Region: A Legal and Political Approach in Light of Security Council Resolution 2797

اعداد : الطياش المهدي – دكتور في العلوم القانونية والسياسية، باحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية.

المركز الديمقراطي العربي – 

  • المجلة الدولية للاجتهاد القضائي : العدد عشرون كانون الأول – ديسمبر 2025 ،المجلد 5 – مجلة دولية محكمة تصدر عن #المركز_الديمقراطي_العربي المانيا- برلين.
  • تُعنى المجلة بنشر الدراسات المحكمة في مختلف الشؤون الفقهية والقضائية وسلك القضاء، مجال القانون والفقه والقضاء خاصة الاجتهاد القضائي وإجراءات التقاضي، وطرق الإثبات، بالإضافة إلى الفروع القانونية والفقهية المرتبطة بذلك، كعلوم الشريعة والقانون، والسياسة الشرعية والقضائية والأنظمة الدستورية كما تُعنى المجلة بنشر الدراسات في مجال القانون الدولي , القانون في مختلف فروعه و مجالاته , الدراسات الدستورية والعلوم الإدارية المقارنة.
Nationales ISSN-Zentrum für Deutschland
ISSN 2748-5056
International Journal of Legal Interpretative Judgement

 

للأطلاع على البحث “pdf” من خلال الرابط المرفق :-

https://democraticac.de/wp-content/uploads/2025/12/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%87%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%AF-%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D9%88%D9%86-%D9%83%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84-%E2%80%93-%D8%AF%D9%8A%D8%B3%D9%85%D8%A8%D8%B1-2025.pdf

الملخص:

يهدف هذا المقال إلى تحليل مقترح المملكة المغربية للحكم الذاتي في منطقة الصحراء بوصفه إطارًا واقعيًا لحل نزاع إقليمي طال أمده، وذلك في ضوء القرار 2797 (2025) الصادر عن مجلس الأمن، والذي أكد جدية ومصداقية المبادرة المغربية.

ينطلق المقال من الإطار المفاهيمي والنظري لمفهوم الحكم الذاتي وأنواعه — الإداري، السياسي، والفيدرالي — مع تقديم نماذج مقارنة من تجارب دولية ناجحة، وتحليل نقاط قوتها وضعفها، لاستخلاص الدروس الممكنة لتطبيقها في السياق المغربي.

تُبرز الدراسة أن المقترح المغربي يستند إلى مبدأ تقرير المصير الداخلي في إطار احترام وحدة الدولة وسيادتها، وهو ما يتماشى مع مبادئ القانون الدولي العام. ويخلص المقال إلى أن الحكم الذاتي، كما صاغه المغرب، يمثل الحل الواقعي والسياسي الأنجع لتسوية النزاع، ويجسد نموذجًا عربيًا وإفريقيًا متقدمًا في تدبير التنوع الترابي ضمن وحدة الدولة. إن تفعيل هذا المقترح، وفق مقاربة تدريجية وتوافقية، كفيل بتحويل منطقة الصحراء من بؤرة نزاع إلى فضاء استقرار وتنمية إقليمية يخدم الأمن والسلم في شمال إفريقيا.

Abstract

This article aims to analyze the Kingdom of Morocco’s proposal for autonomy in the Sahara region as a realistic framework for resolving a long‑standing regional conflict, in light of Security Council Resolution 2797 (2025), which affirmed the seriousness and credibility of the Moroccan initiative.

It begins from the conceptual and theoretical framework of the notion of autonomy and its forms — administrative, political, and federal — by presenting comparative models from successful international experiences and analyzing their strengths and weaknesses, in order to draw lessons that may be applied in the Moroccan context.

The study shows that the Moroccan proposal is based on the principle of internal self‑determination within the framework of respect for the unity and sovereignty of the state, in a manner consistent with the principles of public international law. It concludes that autonomy, as formulated by Morocco, represents the most effective, realistic, and politically viable solution for settling the dispute and constitutes an advanced Arab and African model for managing territorial diversity within a unitary state. Implementing this proposal through a gradual and consensual approach can transform the Sahara region from a hotspot of conflict into a space of stability and regional development that serves peace and security in North Africa.

مقدمة

تُعد قضية الصحراء المغربية من أقدم النزاعات الإقليمية في القارة الإفريقية وأكثرها تعقيداً على المستوى الدولي، إذ ما زالت منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي تمثل محوراً لتجاذبات سياسية ودبلوماسية بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو، في ظل رعاية الأمم المتحدة التي تسعى منذ عقود إلى إيجاد حل سياسي دائم وعادل ومتوافق عليه. وفي خضم هذا المسار الطويل، قدم المغرب سنة 2007 مقترح الحكم الذاتي كإطار عملي لتسوية النزاع، يقوم على منح سكان الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في إدارة شؤونهم المحلية ضمن سيادة الدولة المغربية ووحدتها الترابية.

يحظى هذا المقترح منذ تقديمه بتقدير متزايد من قبل المجتمع الدولي، إذ وصفت عدة قرارات صادرة عن مجلس الأمن، ومنها القرار رقم 2797  (2025) المقترح المغربي بأنه “جدي وذو مصداقية”، معتبرا إياه أساساً واقعياً لتحقيق تسوية سياسية للنزاع. ويستمد هذا المقترح قوته من توازنه بين مبدأ تقرير المصير ومبدأ احترام وحدة الدول، وهما ركيزتان جوهريتان في القانون الدولي العام كما تؤكد دراسات متعددة.

من منظور مقارن، يمثل الحكم الذاتي أحد أنجع الحلول التي اعتمدتها الدول لمعالجة النزاعات ذات الطابع الإقليمي أو الإثني، كما تؤكد دراسات مقارنة لمناطق مثل غرينلاند، جنوب تيرول، وجزر ماديرا التي حققت استقراراً سياسياً وتنمية محلية بفضل ترتيبات مماثلة. ومن ثم، فإن دراسة مقترح المغرب في ضوء هذه التجارب المقارنة تُسهم في فهم مدى قابليته للتطبيق كخيار يوازن بين التطلعات الانفصالية وضرورات الاستقرار الإقليمي.

بناءً على ذلك، يسعى هذا المقال إلى تحليل مقترح الحكم الذاتي المغربي في أبعاده القانونية والسياسية، وبيان وجاهته كمقترح ينسجم مع مبادئ الأمم المتحدة وقراراتها، مع التركيز على القرار 2797 الذي يعزز مقاربة الحل السياسي الواقعي والتوافقي. كما يتناول المقال أيضا، مقارنةً بين المقترح المغربي ونماذج الحكم الذاتي في العالم، وصولاً إلى اقتراح تصور مستقبلي لإرساء نموذج متكامل للحكم الذاتي في الصحراء يستجيب لتطلعات المغرب ويحقق قبول جبهة البوليساريو ضمن إطار قانوني دولي مشروع.

الإشكالية:
تحليل مدى قدرة مقترح المملكة المغربية للحكم الذاتي في منطقة الصحراء، كما أعيد تأكيده في القرار 2797 (2025) لمجلس الأمن، على تشكيل إطار قانوني وسياسي واقعي لتسوية نزاع إقليمي مزمن، من خلال الموازنة بين مبدأ تقرير المصير الداخلي ومتطلبات وحدة الدولة وسيادتها، في ضوء التجارب الدولية المقارنة في أنظمة الحكم الذاتي.

الأسئلة الفرعية:

  • ما هو الإطار المفاهيمي والنظري للحكم الذاتي، وما أبرز أنماطه ووظائفه في تسوية النزاعات ذات الطابع الإقليمي أو الإثني؟ ​
  • ما هي المرتكزات القانونية والسياسية لمقترح المغرب للحكم الذاتي في الصحراء منذ 2007، وكيف يجسد مبدأ تقرير المصير الداخلي ضمن وحدة الدولة؟
  • كيف عالج القرار 2797 (2025) لمجلس الأمن مبادرة الحكم الذاتي المغربية، وما دلالات وصفها بالجدية والمصداقية على مستوى الشرعية الدولية؟
  • في أي موقع يمكن تصنيف النموذج المغربي ضمن خرائط الحكم الذاتي المقارنة (إداري، سياسي، مركّب، بعد الصراع)، وما أوجه التشابه والاختلاف مع نماذج مثل غرينلاند، جنوب تيرول، آزوريس وماديرا؟ ​
  • ما أهم نقاط القوة وحدود المقترح المغربي، وما الشروط السياسية والحقوقية والمؤسساتية اللازمة لتفعيل حكم ذاتي مستدام في الصحراء؟ ​

المنهجية:

  • المنهج الوصفي التحليلي: لوصف المفاهيم والأنماط المختلفة للحكم الذاتي، وبيان تطور مقترح المغرب للحكم الذاتي في الصحراء ومرتكزاته الدستورية والسياسية.
  • المنهج القانوني/التحليلي المعياري: لتحليل مقترح الحكم الذاتي في ضوء قواعد القانون الدولي العام، خاصة مبادئ تقرير المصير، وحدة الدولة، التسوية السلمية للنزاعات، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة وفي مقدمتها القرار 2797 .(2025)
  • المنهج المقارن: لمقارنة النموذج المغربي بتجارب دولية في الحكم الذاتي (غرينلاند، جنوب تيرول، آزوريس، ماديرا، آتشه، إلخ) واستخلاص الدروس الممكن توطينها في السياق المغربي. ​

الفرضية:

  • مقترح المغرب للحكم الذاتي في الصحراء يجسّد صيغة متقدمة لتقرير المصير الداخلي متوافقة مع مبادئ القانون الدولي العام، دون المساس بسيادة الدولة ووحدتها الترابية.

التصميم:

أولا: الإطار المفاهيمي والنظري للحكم الذاتي

ثانيا: مقترح المغرب للحكم الذاتي في الصحراء

ثالثا: تصور لمستقبل الحكم الذاتي في الصحراء

أولا: الإطار المفاهيمي والنظري للحكم الذاتي

  1. مفهوم الحكم الذاتي

يُعد الحكم الذاتي من المفاهيم السياسية والقانونية التي تزايد الاهتمام بها في العقود الأخيرة باعتباره آلية لإدارة التنوع العرقي أو الثقافي أو الجغرافي داخل الدولة الواحدة، دون المساس بمبدأ سيادتها ووحدتها الترابية. ويُعرّف الحكم الذاتي بأنه “نظام سياسي يمنح فيه جزء من إقليم الدولة سلطات وصلاحيات تشريعية وتنفيذية وإدارية واسعة في تسيير شؤونه المحلية، في إطار السيادة العامة للدولة المركزية. [1]

لقد تطور مفهوم الحكم الذاتي تحليلياً في الأدبيات السياسية والقانونية بوصفه صيغة واقعية وحلولاً مؤسساتية لإدارة المجتمع المتعدد هويّاتياً وجغرافياً. كما أظهر عدد من الدراسات أن تزايد الاهتمام بالحكم الذاتي يرتبط بسعي المجتمعات إلى تحقيق توازن مستدام بين متطلبات الوحدة الوطنية ومطالب الجماعات الفرعية بالاعتراف والتمكين السياسي. وتؤكد الأدبيات الأكاديمية أن الحكم الذاتي يقوم على منح سلطات محلية واسعة للجماعات أو الأقاليم المعنية، مع الحفاظ على الاختصاصات السيادية الأساسية – خاصة ما يتعلق بالعلاقات الخارجية والدفاع – في يد مؤسسات الدولة المركزية.​[2]

يقوم هذا المفهوم على مبدأين أساسيين:

  • المشاركة في السلطة (Power Sharing): من خلال تمكين السكان المحليين من انتخاب هيئاتهم التشريعية والتنفيذية. من خلال تمكين السكان المحليين من انتخاب هيئاتهم التشريعية والتنفيذية؛ وهو ما تعتبره بعض الأدبيات معززاً للاستقرار المجتمعي ويقلل من النزاع الداخلي، حيث يتيح للأطراف المحلية مساحة للمساهمة في صنع القرار على المستوى الإقليمي.​[3]
  • احترام السيادة الوطنية (National Sovereignty): إذ يظل الشأن الخارجي والدفاع والأمن من اختصاص الدولة المركزية. إذ يظل الشأن الخارجي والدفاع والأمن من اختصاص الدولة المركزية، وهو ما يتسق مع تعريف الحكم الذاتي في الأدبيات السياسية كاستقلالية جزئية تخضع لاعتماد الدولة الأم على صعيد السيادة والتمثيل الخارجي.[4]

ويرى عدد من الباحثين أن الحكم الذاتي هو صيغة وسط بين النظام الفيدرالي الصارم والدولة الموحدة المركزية، مما يجعله خياراً مرناً وفعالاً في إدارة النزاعات الإقليمية.[5] إن فعاليته تعتمد على مدى وضوح توزيع الصلاحيات الدستورية ومدى استيعاب النظام المركزي لمصالح الأقاليم المختلفة. ويشدد الباحثون على أن الحكم الذاتي ليس مرادفاً للانفصال، بل يمثل حلاً ديناميكياً يُحقق التعايش السلمي بين مكونات الدولة الواحدة[6]

  1. الأبعاد القانونية والسياسية للحكم الذاتي

من الناحية القانونية، يُعد الحكم الذاتي آلية معترفاً بها في القانون الدولي لحل النزاعات ذات الطابع الإقليمي أو الإثني دون اللجوء إلى الانفصال. وتشير بعض الدراسات القانونية إلى أن هذا النظام يحقق توازناً بين مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير ومبدأ احترام وحدة الدول، وهما ركنان أساسيان في ميثاق الأمم المتحدة[7]. ويُنظر إلى الحكم الذاتي في القانون الدولي كآلية تعزز السلم والاستقرار من خلال منح الجماعات الفرعية سلطات إدارية وتشريعية ضمن إطار دولة موحدة، مما يحد من النزاعات المسلحة أو دعاوى الانفصال غير القانونية. كما أكد عدد من الباحثين أن تحقيق هذا التوازن القانوني بين حق تقرير المصير من جهة وبين الحفاظ على سيادة الدولة ووحدتها الإقليمية من جهة أخرى، يمثل أحد أعقد التحديات القانونية التي تواجه النظام الدولي الحديث.[8]

سياسياً، يمثل الحكم الذاتي وسيلة لتحقيق الاستقرار والاندماج الوطني، إذ يتيح تمثيلاً محلياً حقيقياً للسكان مع ضمان استمرار السيادة للدولة الأم، كما هو الحال في عدد من التجارب الأوروبية والآسيوية الناجحة[9]. فالتجارب مثل الحكم الذاتي في كندا (كيبيك)، إسبانيا (كاتالونيا)، والهند (حكم ذاتي في بعض الولايات) تظهر كيف يمكن للنموذج أن يحقق مشاركة سياسية فعالة، تخفف من التوترات الإثنية والطائفية، وتعزز من الشراكة بين الجهات المحلية والسلطة المركزية. وتوضح دراسات السياسة العامة أن الحكم الذاتي لا يوفر فقط آلية سياسية بل يساهم في بناء الثقة وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية ضمن الأقاليم ذات الخصوصية.[10]

تؤكد هذه الدراسات أن الفاعلية السياسية للحكم الذاتي ترتبط بشكل وثيق بمدى وضوح الأطر القانونية التي تحكم توزيع السلطات، وحرية المؤسسات المحلية في اتخاذ القرارات ضمن نطاق السيادة الوطنية، كما أنها تبرز كأحد الحلول الوسطى التي توازن بين مطالب الجماعات المحلية والحفاظ على استقرار الدولة.

  1. أنماط الحكم الذاتي في العالم

يُصنّف الحكم الذاتي في الأدبيات المقارنة إلى عدة أنواع بحسب نطاق الصلاحيات الممنوحة ومستوى الارتباط بالمركز:

أالحكم الذاتي الإداري

يقتصر على منح سلطات إدارية محدودة للأقاليم دون استقلالية تشريعية. من أمثلته: إقليم هونغ كونغ (الصين) الذي يتمتع بصلاحيات تنفيذية واقتصادية واسعة مع بقاء القضايا السيادية في يد الحكومة المركزية.

هو نمط يحصر المنح في نطاق الصلاحيات الإدارية التنفيذية دون استقلالية تشريعية، حيث تقتصر السلطات المحلية على تنفيذ السياسات وتسيير الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الإقليم، مع بقاء صلاحيات التشريع والسيادة الأكبر بيد الحكومة المركزية. من أشهر الأمثلة على هذا النمط إقليم هونغ كونغ في الصين، الذي يحظى بصلاحيات تنفيذية واسعة في مجالات الاقتصاد والتشريع المحلي المحدود، لكنه مع ذلك لا يمتلك استقلالية في القضايا السيادية كالدفاع والعلاقات الخارجية. ويُفسر العلماء هذا النموذج كآلية فعالة لإدارة أقاليم تتمتع باقتصاد متميز وهوية ثقافية خاصة ضمن الدولة الأم، ما يضمن استقرار النظام المركزي مع إعطاء مساحة محدودة للحكم المحلي.[11]

بالحكم الذاتي السياسي

الحكم الذاتي السياسي يشمل منح الأقاليم سلطات تشريعية وتنفيذية منتخبة محلياً، مما يمكن السكان من التمثيل السياسي الحقيقي عبر مؤسسات برلمانية ومحلية ذات جسد تشريعي مستقل نسبياً عن السلطة المركزية. في مناطق مثل جزر الأزور وماديرا التابعة للبرتغال، وجزر الفارو التابعة للدنمارك، توجد برلمانات إقليمية تنتخبها الشعوب المحلية لتتولى مسؤولية التشريع المحلي، واتخاذ القرارات التي تؤثر في السياسات التنموية والاقتصادية، بما يحقق تخصيصاً أفضل للموارد ويراعي الخصوصيات المحلية. تشير الدراسات إلى أن هذه المناطق تتمتع بنمط من الحكم الذاتي يوازن بين استقلالية صنع القرار المحلي والحفاظ على نظام الدولة الواحدة، مما يحفز التنمية المستدامة ويعزز مشاركة السكان في الحكم.[12]

هذه الصيغة من الحكم الذاتي السياسي تعكس نموذجاً ديمقراطياً يمكن في الوقت ذاته أن يعزز الاستقرار السياسي والاجتماعي بفضل تمكين المجتمعات المحلية من المشاركة في الحكم بشكل مباشر ومنظم، مع ضمان السيادة للدولة الأم. وتؤكد هذه النماذج أهمية التوازن بين المركز والإقليم في بناء نظم حكم ذاتي ناجحة ومرنة في وجه التحديات التنموية والسياسية. [13]

جالحكم الذاتي الخاص أو المركّب

يُطبق غالباً في مناطق ذات خصوصية لغوية أو ثقافية أو تاريخية، مثل إقليم جنوب تيرول (إيطاليا) ومنطقة غرينلاند (الدنمارك). يمتاز هذا النوع من الحكم الذاتي بمنحه لهذه الأقاليم سلطات تشريعية وتنفيذية واسعة تقترب من الكاملة في مجالات محددة، وخصوصاً تلك المرتبطة بالثقافة، التعليم، والسياسة الاقتصادية المحلية. تُمنح هذه الصلاحيات الواسعة بهدف حماية الخصوصيات الثقافية واللغوية، والتاريخية لهذه المناطق، من خلال تطوير سياسات محلية تناسب خصوصيات السكان. بالرغم من هذا الاستقلال التشريعي والتنفيذي، يبقى مفهوم السيادة الرمزية للدولة الأم قائماً، إذ تحتفظ الأخيرة بالسلطات العليا مثل الدفاع والشؤون الخارجية والسياسة الوطنية العامة.[14]

دراسات أكاديمية عديدة تشير إلى أن نموذج الحكم الذاتي المركّب يوفر إطاراً قانونياً وسياسياً متقدماً لإدارة التنوع في المجتمعات الحديثة، حيث يوازن بين الحفاظ على وحدة الدولة وحقوق الأقليات في إدارة شؤونهم المحلية بحرية. على سبيل المثال، جنوب تيرول يُعد حالة نموذجية تبرز كيفية تطبيق الحكم الذاتي في إطار دولة اتحادية مع تمكين لغوي وثقافي قائم على الحماية الدستورية للأقلية الألمانية داخل إيطاليا، مما ساهم في تقليل النزاعات وتحقيق تعاون مثمر بين السلطة المحلية والمركزية[15]. أما غرينلاند، فقد نال حكم ذاتي واسع النطاق يشمل إدارة الموارد الطبيعية والتعليم والصحة، حيث تعكس هذه الصلاحيات التزام الدنمارك بدعم الهوية الثقافية والاقتصادية للمنطقة في إطار سيادتها الوطنية.[16]

تؤكد الدراسات أن الحكم الذاتي المركب لا يقتصر على توزيع الصلاحيات فحسب، بل يشمل آليات مؤسساتية لضمان حمايتها وتطويرها، مثل إطارات دستورية قانونية واضحة، وتمثيل إقليمي في هيئات الدولة المركزية، بالإضافة إلى الاعتراف الدولي الذي يعزز من شرعية هذا النظام.[17]

  1. الحكم الذاتي كآلية لتسوية النزاعات

تُظهر تجارب عديدة أن اعتماد أنظمة حكم ذاتي في مناطق النزاع يسهم في تقليص التوترات وتعزيز الثقة بين المكونات المحلية والدولة المركزية. فقد ساهم الحكم الذاتي في إقليم آتشه بإندونيسيا وشمال إيرلندا في إنهاء صراعات مسلحة طويلة، عبر منح السكان تمثيلاً سياسياً وضمانات قانونية واضحة.[18]

تشير الأبحاث إلى أن النجاح في استخدام الحكم الذاتي كحل نزاعي يرتبط بعدة عوامل، منها وضوح توزيع الصلاحيات، وضمان المشاركة السياسية العادلة، واحترام سيادة الدولة المركزية، بالإضافة إلى الدعم القانوني والمؤسسي من الدولة الأم والمجتمع الدولي[19]. كما يُعد الحكم الذاتي إجراءً مرناً يمكن تعديله حسب متغيرات النزاع والمصالح السياسية، ويوفر بديلًا فعّالًا عن الانفصال أو الصراعات المسلحة الطويلة.[20]

وعليه، يمكن القول إن الحكم الذاتي لم يعد مجرد تسوية محلية، بل أصبح خياراً مؤسسياً يتماشى مع متطلبات السلم الأهلي والتنمية المستدامة في المناطق ذات الحساسية الجيوسياسية.

  1. نماذج عالمية للحكم الذاتي

أ. إقليما آزوريس وماديرا (البرتغال)

تتمتع جزر آزوريس وماديرا بنظام حكم ذاتي سياسي منذ دستور 1976، يمنحهما برلمانات منتخبة وحكومات محلية مسؤولة أمامها. تمتلك الأقاليم سلطات تشريعية في ميادين التعليم، الصحة، الثقافة، والتنمية الاقتصادية، بينما تبقى السياسة الخارجية والدفاع والمالية العامة بيد الحكومة المركزية في لشبونة[21].

  • نقطة القوة:الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية المستدامة.
  • نقطة الضعف:اعتماد مالي كبير على الدولة المركزية، وضعف القدرة التشريعية في القضايا السيادية.

ب. غرينلاند وجزر الفارو (الدنمارك)

اعتمدت الدنمارك منذ سبعينيات القرن الماضي نظامًا متقدمًا للحكم الذاتي في كل من غرينلاند (1979) وجزر الفارو (1948). . وتتمتع غرينلاند بسلطة تشريعية شبه كاملة، بما في ذلك إدارة الموارد الطبيعية والتعليم والشرطة المحلية، مع بقاء السيادة الرمزية للدنمارك. [22]

  • نقطة القوة:تمكين اقتصادي قوي للسكان، واعتراف دولي بخصوصيتها الثقافية.
  • نقطة الضعف:ارتفاع كلفة الحكم الذاتي وصعوبة تحقيق استقلال اقتصادي كامل عن الدنمارك.

ج. كوسوفو

تُعد كوسوفو حالة خاصة، حيث بدأ نظام الحكم الذاتي الموسع في التسعينيات ضمن جمهورية يوغوسلافيا السابقة، ثم تطور إلى إعلان الاستقلال سنة 2008 تحت إشراف الأمم المتحدة. [23]

يُظهر هذا المثال أن الحكم الذاتي يمكن أن يتحول إلى مرحلة انتقالية نحو الانفصال إذا غابت الضمانات القانونية والسياسية الكافية.

  • نقطة القوة:منح السكان تمثيلاً فعلياً بعد نزاع دموي.
  • نقطة الضعف:هشاشة البنية القانونية والسياسية وعدم الاعتراف الدولي الكامل.

د. جنوب تيرول (إيطاليا)

يُعتبر من أنجح نماذج الحكم الذاتي في أوروبا. حصل الإقليم سنة 1972 على نظام حكم ذاتي متقدم ضمن إيطاليا، مكّن سكانه الناطقين بالألمانية من إدارة التعليم والثقافة والضرائب المحلية.
بفضل هذا النظام، تحقق استقرار سياسي واقتصادي كبير، وتحوّل الإقليم إلى نموذج يحتذى به في إدارة التنوع الإثني. [24]

  • نقطة القوة:توافق اجتماعي عميق وازدهار اقتصادي.
  • نقطة الضعف:هشاشة رمزية الانتماء الوطني وازدواجية الهوية السياسية.

يُظهر التحليل المقارن أن نجاح الحكم الذاتي يرتبط بثلاثة عناصر أساسية:

  • وضوح توزيع الصلاحيات بين المركز والإقليم.
  • وجود ضمانات دستورية وقانونية تحمي النظام الذاتي.
  • دعم اقتصادي كافٍ يضمن استدامة المؤسسات المحلية.

الحكم الذاتي ليس نموذجًا واحدًا، بل منظومة متعددة الأبعاد تتأثر بالسياق السياسي والثقافي والاقتصادي للدولة. وتبيّن التجارب الدولية أن الحكم الذاتي الناجح هو الذي يوازن بين الهوية المحلية والسيادة الوطنية، وبين المشاركة السياسية والاستقرار القانوني، وهي المبادئ ذاتها التي يقوم عليها المقترح المغربي في الصحراء. ويُظهر هذا التحليل النظري أن الحكم الذاتي يمثل حلاً مرناً ومتدرجاً بين الانفصال والفيدرالية، ويُعتبر وسيلة قانونية فعالة لحل النزاعات الإقليمية. وعليه، فإن مقترح المغرب للحكم الذاتي في الصحراء يستند إلى أساس نظري راسخ وتجارب دولية ناجحة، مما يمنحه وجاهة خاصة في إطار تسوية النزاعات الممتدة والمعقدة.

ثانيا: مقترح المغرب للحكم الذاتي في الصحراء

  1. خلفية تاريخية وسياسية للمقترح المغربي

منذ اندلاع النزاع حول الصحراء المغربية سنة 1975 عقب انسحاب الاستعمار الإسباني، سعى المغرب إلى تأكيد سيادته التاريخية على المنطقة في إطار وحدة ترابية غير قابلة للتجزئة وشكلت المسيرة الخضراء التي أطلق مبادرتها الملك الراحل الحسن الثاني إحدى الركائز التي أظهرت وبقوة تشبت المغاربة بصحرائهم واستحالة التفريط فيها ولو كلف الأمر أرواحهم. وقد حاولت مختلف المبادرات الأممية والإقليمية معالجة هذا الصراع، إلا أن معظم الجهود السابقة لم تقُد إلى توافق مقبول من جميع الأطراف، مما سمح باستمرار حالة الجمود وتفاقم التداعيات الإنسانية والسياسية على المنطقة ​.[25]

ومع تعثر الحلول الأممية المبنية على الاستفتاء، وصعوبة تحقيق توافق سياسي بين المغرب وجبهة البوليساريو، دفع المملكة المغربية إلى تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة [26]2007 كحل سياسي نهائي يقوم على أساس تقاسم الصلاحيات وضمان حقوق السكان المحليين ضمن السيادة المغربية الكاملة.

وقد رحبت الأمم المتحدة وعدة دول مؤثرة بالمقترح باعتباره خطوة إيجابية نحو حل النزاع، خاصة أنه يُقدّم لأول مرة تصوراً عملياً ومفصلاً لممارسة الحكم الذاتي في المنطقة، بدل الاكتفاء بالشعارات العامة أو الحلول الانفصالية غير الواقعية.[27]

  1. المرتكزات الأساسية لمقترح الحكم الذاتي المغربي

يقوم المقترح المغربي على أربعة مرتكزات جوهرية تشكل بنيته المفاهيمية والسياسية:

أالوحدة والسيادة الوطنية

يشدد المقترح على أن الحكم الذاتي سيتم داخل إطار سيادة المملكة المغربية ووحدتها الوطنية والترابية، بما يحفظ رمزية الدولة ومؤسساتها المركزية (الدفاع، الخارجية، العملة، العلم الوطني). وهذا المبدأ يتماشى مع القانون الدولي الذي يقر بشرعية حماية الوحدة الإقليمية للدول.[28]

تعكس هذه النقطة ضرورة حماية الدولة المركزية لترابها الوطني كشرط أساسي لأي تسوية ناجحة للنزاع، وهو ما يميز المقترح المغربي كخيار محافظ ومنسجم مع الشرعية الدولية.

بالمشاركة الديمقراطية

يقترح المغرب إنشاء برلمان محلي وحكومة جهوية منتخبة من طرف سكان الصحراء، تتمتع بصلاحيات واسعة في مجالات التعليم، الثقافة، الاقتصاد، البيئة، والبنية التحتية، بما يعزز مبادئ اللامركزية والتمثيلية السياسية.[29]

يوفر المقترح آليات سياسية محلية من خلال إنشاء برلمان محلي وحكومة جهوية منتخبة مباشرة من السكان، ذات صلاحيات موسعة في ميادين التعليم، الثقافة، الاقتصاد، البيئة، والبنية التحتية. تعزز هذه الهيئات مبدأ اللامركزية السياسية والتنمية المحلية، مما يتيح مشاركة السكان في صنع قرار يناسب خصوصيات المنطقة، ويزيد من شرعية الحكم الذاتي واستمراريته[30].

هذه المشاركة الديمقراطية تتماشى مع التجارب الدولية التي تؤكد على أهمية التمثيل المحلي كوسيلة لتحقيق الاستقرار السياسي وتقليل النزاعات.

جالضمانات الدستورية والقانونية

يضمن المقترح إدماج نظام الحكم الذاتي ضمن الدستور المغربي مستوى عالياً من الحماية القانونية والاستقرار المؤسسي، ما يعزز من مصداقية المقترح ويجعل تطبيقه قابلاً للقياس والامتثال من قبل كل الأطراف. وتشير الدراسات إلى أن حماية الحكم الذاتي دستورياً توفر استقراراً على المدى البعيد وتقضي على المخاطر القانونية التي قد تعيق المشروع[31]. هذا البعد القانوني يضع المقترح في مرتبة متقدمة مقارنة ببعض النماذج الأخرى التي تعاني من نقص في المرتكزات القانونية. وقد أشار عدد من الباحثين إلى أن هذا البعد الدستوري هو ما يمنح المقترح المغربي مصداقية مؤسساتية مقارنة بنماذج أخرى مشابهة. [32]

دالبعد الحقوقي والإنساني

يؤكد المقترح الالتزام بحماية حقوق الإنسان والاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي والاجتماعي في الإقليم، وهو ما يتناغم مع التوجهات الدولية الحديثة لحق الشعوب في تقرير مصيرها ضمن إطار الوحدة الوطنية[33]. يعكس هذا الجانب حرص المغرب على احترام التعدد والخصوصيات الاجتماعية والثقافية، بما يضمن حقوق جميع مكونات المجتمع في الصحراء ويعزز من السلام الاجتماعي. [34]

  1. مقترح الحكم الذاتي في ضوء قرار مجلس الأمن رقم 2797 (2025)

يُعد القرار رقم2797  الصادر عن مجلس الأمن محطة أساسية في مسار الاعتراف الدولي بالمقاربة المغربية، إذ أشاد بالمقترح المغربي باعتباره جاداً وذا مصداقية، ودعا الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات واقعية ومبنية على روح التوافق.

أبرز مضامين القرار يمكن تلخيصها فيما يلي:

  • التأكيد على دعم مجلس الأمن للحل السياسي التفاوضي القائم على الواقعية والتوافق.
  • التنويه بالجهود المغربية في مجال التنمية وحقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية.
  • دعوة جميع الأطراف، بما فيها جبهة البوليساريو، إلى الامتناع عن الأعمال الأحادية التي قد تقوض مسار المفاوضات.
  • تجديد الثقة في المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة لتسهيل العملية السياسية.

يُظهر القرار أن الأمم المتحدة تعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية مرجعاً عملياً لأي حل مستقبلي، وهو ما يمثل تحوّلاً واضحاً في الموقف الدولي نحو تبني منطق الحل الواقعي بدلاً من الرؤى التقليدية القائمة على الاستفتاء . [35]

  1. نقاط القوة والتميّز في المقترح المغربي

تُجمع العديد من الدراسات على أن المقترح المغربي يتميز بعدة خصائص مقارنة بنماذج الحكم الذاتي الأخرى في العالم[36]:

  • مرونة سياسية عالية: تسمح بتكييف الصلاحيات وفق احتياجات المنطقة وسياقها الاجتماعي والثقافي.
  • انسجام قانوني ودستوري: إدماج المبادرة في البنية الدستورية للمملكة يعزز استقرارها المؤسسي.
  • ضمانات حقوقية واضحة: التزام المغرب بمواثيق الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان.
  • قابلية التطبيق العملي: تستند المبادرة إلى تجربة مغربية ناجحة في اللامركزية والجهوية المتقدمة.

يتبين أن مقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء يستند إلى أساس قانوني وسياسي متين، ويشكل تحولاً استراتيجياً من منطق الصراع إلى منطق الحل السياسي الواقعي. وقد جاء قرار مجلس الأمن رقم 2797 ليعزز هذا الاتجاه من خلال التأكيد على جدية المبادرة المغربية واعتبارها مرجعاً تفاوضياً رئيسياً في تسوية النزاع.

  1. موقع المقترح المغربي ضمن تصنيفات الحكم الذاتي
  • مواءمة النموذج المغربي ضمن التصنيفات المقارنة

بالنظر إلى التصنيفات الأربعة الأساسية للحكم الذاتي (الديمقراطي، بعد الصراع، للشعوب الأصلية، السلطوي)، يمكن اعتبار المقترح المغربي نموذجًا هجينًا يجمع بين عناصر الحكم الذاتي الإداري داخل دولة سيادية وخصائص الحكم الذاتي بعد الصراع. فهو لا يُمثل ترتيبا ديمقراطيًا خالصًا كما في اسكتلندا، ولا حالة لشعب أصلي يعيش في عزلة، بل محاولة لتسوية نزاع طويل الأمد عن طريق تقديم صلاحيات محلية واسعة في إطار الوحدة الوطنية.[37]

  • تحليل أوجه التشابه والاختلاف

من حيث الإطار القانوني والسياسي

المبادرة المغربية لا تنطوي على أي شكل من أشكال الاستقلال أو السيادة المنفصلة، بل تنص بوضوح على أن الحكم الذاتي سيجري “تحت السيادة المغربية، وباحترام وحدة التراب الوطني”. بالمقارنة، يتمتع نموذج غرينلاند باستقلال شبه كامل في شؤون الموارد والعلاقات الاقتصادية، مع احتمال التحوّل إلى دولة مستقلة مستقبلًا – وهو أمر لا يقبله المغرب إطلاقًا في حال الصحراء.[38]

من حيث الصلاحيات الممنوحة

تقترح المبادرة المغربية منح سكان الصحراء المغربية سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية محلية، تشمل مجالات التعليم، التنمية، الثقافة، والبيئة. غير أن صلاحيات السيادة – الدفاع، الأمن، العلاقات الخارجية، العملة – تبقى بيد الدولة المركزية. بالمقارنة، تملك كيبك أو اسكتلندا سلطات أكبر نسبيًا في بعض هذه المجالات، كما تُمارس غرينلاند إدارة شبه مستقلة حتى في الشؤون الدولية عبر اتفاقيات فرعية. النموذج المغربي يتقدّم على كثير من أنظمة الحكم الرمزي، لكنه يظل مقيدًا ببعض الخطوط الحمراء السيادية.

من حيث الضمانات القانونية والدولية

لا تتضمن المبادرة المغربية آليات دولية إلزامية للتحكيم أو الرقابة، ما يثير قلقًا بشأن التنفيذ الفعلي. على النقيض، تتضمن تجربة جنوب تيرول (إيطاليا) ضمانات دولية عبر اتفاقيات مع النمسا، ورقابة أوروبية دائمة، بما فيها صلاحية اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. عدم وجود إشراف أممي على تنفيذ الحكم الذاتي في الصحراء قد يضعف مصداقيته في أعين المنتقدين.[39]

من حيث مشاركة الأطراف المحلية

تنص المبادرة على إشراك سكان الصحراء في مؤسسات الحكم المحلي، مع تمثيل في البرلمان المغربي. لكنها لا تُحدّد إن كان هذا يشمل جبهة البوليساريو كمكون سياسي معترف به. في تجارب كـ”آتشيه”، مثّلت حركة التمرد السابقة نواة للحكم الذاتي المحلي، مما سهل استدامة السلام. غياب إشراك رسمي للبوليساريو في المقترح المغربي يُعدّ نقطة ضعف سياسية وميدانية.

من حيث الأبعاد الدولية وحق تقرير المصير

تعكس المبادرة المغربية مفهوماً مرناً لتقرير المصير عبر مبدأ “الحكم الذاتي الداخلي”، والذي بات مقبولًا في الأدبيات القانونية عندما يصعب تنفيذ استفتاء خارجي. غير أن الأمم المتحدة، رغم ترحيبها بالمقترح، لم تُسقط مبدأ الاستفتاء من قراراتها. وبالتالي، فإن المقترح المغربي يواجه تحدي التوفيق بين السيادة الوطنية وحق تقرير المصير في صيغته الكلاسيكية.[40]

يُصنّف مقترح المغرب للحكم الذاتي كنموذج حكم ذاتي سياسي موسّع وليس إداريًا ولا فيدراليًا بالمعنى الكامل.
فهو سيمنح سكان الصحراء صلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة في إطار وحدة الدولة، مع بقاء الاختصاصات السيادية — مثل الدفاع والعلاقات الخارجية والعملة — بيد الحكومة المركزية في الرباط . [41]

جدول 1: معايير مقارنة المقترح المغربي بنماذج الحكم الذاتي الأخرى

المعيار المقارن الحكم الإداري الحكم السياسي الحكم الفيدرالي المقترح المغربي
الصلاحيات التشريعية محدودة واسعة جزئياً شاملة واسعة في المجالات غير السيادية
الصلاحيات التنفيذية محلية موسعة كاملة موسعة تحت إشراف السيادة الوطنية
الاستقلال المالي ضعيف متوسط مرتفع متوسط إلى قوي مع دعم مركزي
السيادة الوطنية مركزية موحدة مزدوجة موحدة ومحفوظة بالكامل
الضمانات الدستورية محدودة متوسطة قوية مضمّنة في الدستور المغربي

 

  1. مدى توافق المقترح المغربي مع مبادئ القانون الدولي

أ. مبدأ وحدة الدولة الإقليمية

ينسجم المقترح المغربي مع هذا المبدأ، إذ يقر بوضوح أن الحكم الذاتي يُمارس ضمن سيادة المغرب ووحدته الترابية، وهو ما يتوافق مع المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة التي تؤكد احترام وحدة الدول وسيادتها. [42]

ب. مبدأ تقرير المصير الداخلي

يُعتبر المقترح تجسيدًا لهذا المبدأ، لأنه يمنح سكان الصحراء الحق في إدارة شؤونهم المحلية ديمقراطيًا دون الانفصال عن الدولة الأم.
الأمم المتحدة بدورها اعترفت بهذا المفهوم في عدة قرارات متعلقة بالنزاعات الإقليمية، معتبرة أن تقرير المصير لا يعني الانفصال بالضرورة بل يمكن تحقيقه داخليًا.

ج. مبدأ المشاركة الديمقراطية وحقوق الإنسان

يتضمن المقترح المغربي ضمانات مؤسساتية قوية، مثل انتخاب برلمان جهوي وحكومة محلية، واحترام حرية التعبير والثقافة الحسّانية.
وهو ما يتماشى مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (المادة 25) التي تنص على حق الشعوب في المشاركة في إدارة الشؤون العامة.

د. مبدأ التوازن بين اللامركزية والسيادة

من الناحية القانونية، يُعد المقترح المغربي نموذجًا متطورًا للامركزية السياسية، لكنه لا يتجاوز الخط الأحمر للسيادة. [43]
وهذا التوازن هو ما جعله يحظى بوصف مجلس الأمن في القرار رقم  2797بأنه “جاد وذي مصداقية”، وهو اعتراف ضمني بانسجامه مع المبادئ الدولية.

  1. التحليل النقدي

رغم المزايا القانونية والسياسية للمقترح المغربي، إلا أن نجاحه رهين بعوامل موازية، منها[44]:

  • التوافق الداخلي بين مكونات المجتمع الصحراوي.
  • الانخراط الإيجابي لجبهة البوليساريو في المسار التفاوضي.
  • ضمان المراقبة الدولية المحايدة لتطبيق آليات الحكم الذاتي في المراحل الأولى.

كما أن التجارب المقارنة (كجنوب تيرول وغرينلاند) تُظهر أن الحكم الذاتي ينجح حين تُبنى الثقة المتبادلة تدريجياً بين الدولة والإقليم، وليس فقط من خلال النصوص القانونية.

إن مقترح المغرب للحكم الذاتي في الصحراء يجسد صيغة مبتكرة ومتوازنة بين الحكم السياسي اللامركزي والسيادة الوطنية الموحدة. فهو يتقاطع مع النماذج الأوروبية من حيث المؤسسات المنتخبة والضمانات الدستورية، لكنه يختلف عنها من حيث المرجعية السيادية الواضحة والهدف السياسي المتمثل في تسوية نزاع إقليمي معقّد.
من الناحية القانونية الدولية، يمكن اعتباره تطبيقًا متقدمًا لمبدأ تقرير المصير الداخلي في إطار احترام وحدة الدولة، وهو ما يمنحه شرعية سياسية وقانونية راسخة.

ثالثا: تصور لمستقبل الحكم الذاتي في الصحراء

يمثل مقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء نقطة تحول تاريخية في مسار النزاع الممتد منذ ما يقارب نصف قرن. غير أن تحقيق حل نهائي ومستدام يتطلب تصورًا مستقبليًا يأخذ بعين الاعتبار تطلعات الأطراف المعنية كافة — المغرب، جبهة البوليساريو، وسكان الأقاليم الجنوبية — مع احترام مبادئ القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وعلى رأسها القرار  2797 (2025).

  1. مقومات التصور المستقبلي المقترح

تتطلب مقومات التصور المستقبلي للحكم الذاتي بالصحراء المغربية دمج المبادئ الدستورية والسياسية والتدبيرية في نموذج متكامل ومستند إلى تجارب دولية وأكاديمية موثوقة.

أ. ترسيخ مبدأ السيادة المغربية مع ضمان تقرير المصير الداخلي

ينبغي أن يقوم أي تصور مستقبلي على مبدأين متكاملين:

  • وحدة وسيادة المملكة المغربية على كامل ترابها، وهو مبدأ غير قابل للتفاوض بالنسبة للمغرب.
  • تمكين سكان الصحراء من تقرير مصيرهم داخليًا من خلال مؤسسات ديمقراطية حقيقية تمارس صلاحياتها في إطار الحكم الذاتي.

هذا النموذج المزدوج هو ما يحقق التوازن بين حق تقرير المصير ومبدأ وحدة الدولة، الذي أكدت عليه محكمة العدل الدولية في عدة سوابق، منها قضية كيبيك.

ب. تعزيز الثقة المتبادلة عبر آليات مؤسسية مشتركة

الثقة بين الأطراف ومأسسة الحوار شرط جوهري لنجاح أي نظام حكم ذاتي. تقترح الأدبيات المتخصصة ترسيخ هذه الثقة عبر آليات واضحة، من خلال:

  • مجلس مشترك للحوار والتنسيق بين ممثلي الحكومة المغربية وممثلي الإقليم، يتولى تسوية الخلافات حول الاختصاصات أو التمويل.
  • لجنة مراقبة مشتركة تضم ممثلين عن الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، والمجتمع المدني المحلي لمتابعة تفعيل مقتضيات الحكم الذاتي في مراحله الأولى.
  • ضمان دستوري وقضائي لمبدأ المساواة بين سكان الصحراء وإخوانهم من المواطنين المغاربة في الحقوق والواجبات.

ج. البعد التنموي كركيزة للاستقرار السياسي

ترتكز التصورات العلمية عالمياً على أن التنمية الاقتصادية تمثل الضمان الحقيقي لاستقرار الحكم الذاتي ونجاحه المستدام، كما أثبتت التجارب المقارنة (جنوب تيرول، غرينلاند) أن التنمية الاقتصادية هي الضمان الحقيقي لاستدامة الحكم الذاتي. لذلك، يُقترح أن يكون النموذج المغربي المستقبلي قائمًا على:

  • نظام مالي جهوي خاص يسمح للإقليم بإدارة جزء من موارده الطبيعية.
  • صندوق تنمية مشترك بين الحكومة المركزية والجهة لتمويل مشاريع البنية التحتية والتعليم والتشغيل.
  • تشجيع الاستثمار المحلي والدولي في الأقاليم الجنوبية عبر تحفيزات ضريبية وقانونية.
    هذا البعد التنموي سيساعد على تحويل الصحراء من “منطقة نزاع” إلى “قطب استقرار” إقليمي.

د. الانفتاح على الحوار مع جبهة البوليساريو في إطار وطني

من الضروري أن يشكل الحكم الذاتي إطارًا مرنًا وقابلًا للتطوير يسمح بإدماج جبهة البوليساريو كمكون سياسي محلي، وليس ككيان موازٍ للدولة، وتمكينها من تمثيل خاص في البرلمان الجهوي خلال المرحلة الانتقالية، وضمان حرية العمل السياسي السلمي وفق مبادئ الدستور المغربي.

يمكن تصور ذلك عبر:

  • تمثيلية خاصة لأعضاء الجبهة في البرلمان الجهوي خلال المرحلة الانتقالية.
  • ضمان حرية العمل السياسي السلمي وفق الدستور المغربي وقانون الأحزاب.
  • برامج مصالحة اجتماعية بإشراف وطني ودولي لإعادة الثقة بين جميع الفاعلين.

بهذه الصيغة، يتحول الحكم الذاتي إلى مسار وطني جامع بدل أن يكون تنازلًا سياسيًا، ويمنح جبهة البوليساريو فرصة المشاركة الفعلية في التنمية بدل العزلة العسكرية أو الدبلوماسية. [45]

  1. التوافق مع مبادئ القانون الدولي والتجارب المقارنة
  • يتوافق المقترح المغربي المستقبلي مع مبدأ التسوية السلمية للنزاعات المنصوص عليه في المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة.
  • كما يُجسد مبدأ تقرير المصير الداخلي المعترف به في قرارات الجمعية العامة، والذي يسمح بمنح صلاحيات موسعة دون المساس بوحدة الدولة.
  • ويشبه إلى حد كبير التجارب الناجحة في جنوب تيرول وآزوريس، حيث تم تحقيق توازن بين الخصوصية الثقافية والاندماج الوطني.
  • آليات الضمان القانونية والسياسية

وفق المقارنة مع نماذج مثل جنوب تيرول وغرينلاند، تبرز آليات عدة لضمان فاعلية النظام المقترح:

جدول 2: آليات الضمان القانونية والسياسية

الآلية الوظيفة
هيئة مراقبة دولية مشتركة تقييم ومتابعة التنفيذ وضمان الشفافية
محكمة إقليمية عليا تفصل في المنازعات بين المركز والإقليم
مفوضية حقوق إنسان مستقلة ترصد الانتهاكات وتقدّم تقارير دورية
آلية مراجعة دورية (كل 5 سنوات) تعديلات على النموذج بناءً على التجربة الميدانية

 

إن انعدام الضمانات الفعلية هو أحد أسباب رفض البوليساريو للمقترح المغربي، ما يجعل إدماج هذه الآليات شرطًا لبناء الثقة.[46]

  • دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي

الإطار الدولي الممكن:[47]

  • رعاية مفاوضات شاملة بمشاركة الأطراف المحلية والدول الضامنة (فرنسا، الجزائر، إسبانيا).
  • مراقبة تنفيذ الحكم الذاتي عبر آلية مرتبطة بـ MINURSO أو وكالة أممية جديدة.

في ظل التحول نحو الحكم الذاتي، يستحسن الذهاب فيما جاء به المقترح المغربي من  تحويل بعثة المينورسو من بعثة لمراقبة وقف إطلاق النار إلى بعثة سياسية، بمسمى جديد “MANSASO” بعثة دعم التفاوض حول الوضع الذاتي. ذلك يُعد اعترافًا بأن الاستفتاء لم يعد خيارًا واقعيًا، وأن الأولوية أصبحت لخلق دينامية تفاوضية سياسية بين الأطراف، يكون فيها الحكم الذاتي هو الإطار الوحيد المطروح.[48]

  • إطلاق صندوق دولي للتنمية بإشراف البنك الدولي، موجه لإعادة إعمار وتأهيل البنية التحتية بالصحراء.
  • إشراك المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي لضمان التنسيق الجيوسياسي.

إن إخفاق الأمم المتحدة سابقًا يعود إلى غياب “تفويض صلب” وقدرة على فرض الحلول. لذا فإن أي دور مستقبلي يتطلب تفويضًا معززًا مدعومًا بإجماع مجلس الأمن.[49]

  1. التحديات المستقبلية أمام تفعيل النموذج المغربي

رغم وجاهة المقترح المغربي، فإن هناك تحديات يجب أخذها في الاعتبار[50]:

  1. رفض جبهة البوليساريو المستمر للحكم الذاتي كخيار نهائي.
  2. تأثير التنافس الإقليمي بين المغرب والجزائر على المسار السياسي.
  3. ضرورة تطوير الإطار القانوني المغربي ليواكب متطلبات اللامركزية المتقدمة والحكامة الجيدة.
  4. تفعيل ضمانات حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية في الأقاليم الجنوبية لضمان المصداقية الدولية للمقترح.

جدول 3: التحديات والمخاطر المتوقعة

التحدي التأثير آلية المعالجة
رفض جبهة البوليساريو تعثر التنفيذ إشراك رسمي وقيادي في تصميم الحكم الذاتي
مقاومة سياسية داخل المغرب قانوني أو اجتماعي حوار وطني حول لا مركزية عادلة
تدهور ثقة السكان المحليين مقاطعة الانتخابات أو المؤسسات برامج بناء ثقة، مراقبة دولية شفافة
تدخلات خارجية (خصوصًا الجزائر) عرقلة الاتفاق اتفاق إقليمي ثلاثي يشمل الجزائر كضامن

 

رغم تعقيد النزاع، فإن المقترح المغربي للحكم الذاتي، إذا أُعيد تطويره ودمجه ضمن مقاربة تشاركية وشفافة، يمكن أن يشكل أساسًا لحل سياسي دائم. يتطلب ذلك رؤية ثلاثية الأبعاد[51]:

  • واقعية سياسية مغربية تتقبل التنوع السياسي والإداري.
  • مشاركة صحراوية فعلية تُمثل طموحات السكان وتُشرك البوليساريو كمكوّن شرعي.
  • دور أممي قوي يضمن الاستقرار، الحقوق، والمراقبة الدولية.

أي مقترح بدون توافق واسع وضمانات مستقلة سيبقى عرضة للفشل أو الرفض.

  1. الرؤية المستقبلية المقترحة

يمكن تلخيص الرؤية المستقبلية المثلى في ثلاث مراحل مترابطة:

جدول 4: مراحل تنفيذ الرؤية المقترحة للحكم الذاتي في منطقة الصحراء

المرحلة الهدف الرئيسي الآليات المقترحة
قصيرة المدى (في حدود سنة واحدة) بناء الثقة بين الأطراف إطلاق حوار مباشر، لجان مشتركة، مراقبة أممية، إصلاحات دستورية.
متوسطة المدى (في حدود 3 سنوات) تفعيل مؤسسات الحكم الذاتي تدريجياً انتخاب برلمان محلي، نقل جزئي للصلاحيات، إصلاحات إدارية.
بعيدة المدى (أكثر من 5 سنوات) ترسيخ الاستقرار والتنمية الجهوية دمج كامل للنظام الجهوي في المنظومة الوطنية، هيكلة الخريطة السياسية.

 

إن مستقبل الحكم الذاتي في الصحراء مرهون بقدرة المغرب على جعل المقترح أداة للتنمية والمصالحة، وليس مجرد تسوية سياسية. ويبدو أن التصور الواقعي والمستند إلى القانون الدولي — الذي يجمع بين سيادة الدولة وحق السكان في المشاركة — هو الحل الأكثر قابلية للاستمرار. بذلك، يمكن للمغرب أن يقدم للعالم نموذجًا عربيًا إفريقيًا ناجحًا في تدبير التنوع وحل النزاعات عبر الحكم الذاتي التشاركي، في انسجام مع مبادئ الأمم المتحدة وتجارب الديمقراطيات المتقدمة.

خاتمة:

يشكل مقترح المغرب للحكم الذاتي في منطقة الصحراء نموذجًا عمليًا يحظى بدعم متزايد على المستويين الإقليمي والدولي بوصفه حلاً مستدامًا للنزاع المفتعل. إن اعتماد هذا المقترح ينبع من شرعية قانونية مستمدة من قرارات مجلس الأمن وميثاق الأمم المتحدة، بالإضافة إلى تأييد محكمة العدل الدولية لروابط السيادة المغربية، ما يمنحه إطارًا قويًا وموضوعيًا لتجاوز حالة الجمود التي شهدتها العملية السياسية على مدار عقود.

تُبرز النتائج أن الحكم الذاتي يوفر آلية متوازنة تجمع بين ضمان مشاركة السكان المحليين السياسية والاقتصادية والثقافية وبين الحفاظ على وحدة وسيادة الدولة، وهو ما يعزز الاستقرار والتنمية الإقليمية. كما يظهر من التحليل المقارن أن المقترح المغربي يجسد مرونة عالية تتكيف مع التطورات الدولية والخطوط الحمراء الوطنية، ليصبح أرضية يمكن البناء عليها في عمليات التفاوض المستقبلية.

من الضروري تطوير مؤسسات الحكم الذاتي والمحافظة عليها عبر بناء آليات شفافة تمكّن مختلف الفاعلين المحليين من المساهمة الفاعلة في صياغة السياسات العامة. كما يجب تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة لضمان نجاح المشروع والحد من أسباب التوتر المحتملة. تعزيز دور الشباب والمجتمع المدني في هذا الإطار يعد مفتاحًا لتحقيق مشاركة حقيقية ومستدامة.

ينبغي على الأطراف كافة، ولا سيما جبهة البوليساريو، أن تلتزم بمنطق الحوار والتفاوض كخيار وحيد لتسوية النزاع، مع الأخذ بعين الاعتبار تطلعات السكان المحلية وحقوقهم في تقرير المصير ضمن إطار الحكم الذاتي. هذا التعاطي يساهم في إعادة بناء الثقة وتحقيق مصالح الجميع بطريقة سلمية ومنظمة.

على المجتمع الدولي أن يلعب دوراً فاعلاً في دعم مراقبة تنفيذ الاتفاقيات ذات الصلة وضمان احترام حقوق الإنسان وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب التوجه نحو الحكم الذاتي تعزيز التنسيق بين البلدان المجاورة لتعزيز بيئة إقليمية مستقرة تعزز التنمية المشتركة.

أخيرًا، تشكل مبادرة الحكم الذاتي خطوة استراتيجية ضمن رؤية متكاملة لاستعادة الاستقرار في الصحراء المغربية، وتطوير إطار سياسي يتوافق مع الشرعية الدولية ويتجاوب مع تطلعات كافة الأطراف، مما يجعلها الخيار الأمثل لإقرار السلم والتنمية على المدى البعيد. يتوجب على صانعي القرار العمل على تفعيل هذا المقترح بروح من الحوار البناء والشفافية لضمان مستقبل مستقر ومزدهر للمنطقة بأسرها.

المراجع:

مراجع باللغة العربية:

مقالات:

  1. بوطيب علاء الدين، الحكم الذاتي الموسع للأقاليم الجنوبية للمملكة: مقاربة مغربية لتفعيل مبدأ تقرير المصير، مجلة المعرفة، العدد 25، 2025.
  2. Hicham Ismaili. “الحكم الذاتي: المفاهيم والنماذج والتحديات”. International Journal of Civilizations Studies & Tolerance Sciences, vol. 2, no. 1, May 2025, pp. 62-71, https://doi.org/10.54878/x3vs9d21

وثائق:

  1. وثيقة رقم: A/62/342، الجمعية العامة للأمم المتحدة، الدورة 62، بتاريخ 21 شتنبر 20

مراجع بلغات أجنبية:

مراجع بلغات أجنبية

كتب:

  1. Keating, M. The invention of regions: political restructuring and territorial government in Western Europe. Politics. Routledge, 2017. 281-296.
  2. Shen, S. Territorial or non-territorial autonomy, Routledge eBooks., 2022, 48–66. https://doi.org/10.4324/9781003001645-6
  3. Suksi, Markku. Constitutional Frameworks of Territorial Autonomies. Routledge eBooks, 2022, pp. 17–31, doi:10.4324/9781003001645-4.
  4. Weller, Marc, and Stefan Wolff. Autonomy, Self Governance and Conflict Resolution: Innovative approaches to institutional design in divided societies. Routledge, 2005.

مقالات:

  1. Ait Laadam, Jamal, et al. “Western Sahara Legal Case: The International Law Narrative of Unresolved Conflict.” Beijing Law Review, vol. 14, no. 04, Jan. 2023, pp. 2230–40, doi:10.4236/blr.2023.144123.
  2. Alber, Elisabeth, and Carolin Zwilling. “A Primer on the Autonomy of South Tyrol: History, Law, Politics.” Autonomy Arrangements in the World(2022).
  3. Alber, Elisabeth, and Carolin Zwilling. Op cit.
  4. Barter, Shane Joshua. “Understanding Self-Government.” Journal of Autonomy and Security Studies, Apr. 2024, doi:10.61199/jass.142991.
  5. Bell, Christine. On the law of peace: peace agreements and the lex pacificatoria. Oxford University Press, 2008.
  6. Boukhars, Anouar. The Western Sahara Autonomy Proposal and Political Reform in Morocco. GSDRC Conflict, Peace & Development Report, University of Birmingham, 2013.
  7. Carelli, D., & Peters, B. G. (2024). Autonomy by Decree: How Administrative Law Shapes Bureaucratic Autonomy in Four Administrative Traditions. Administration & Society, 56(5), 683-703. https://doi.org/10.1177/00953997241244500 (Original work published 2024)
  8. Castanho, Rui Alexandre, et al. “Territorial management and governance, regional public policies and their relationship with tourism. A case study of the Azores Autonomous Region.” Sustainability15 (2020): 6059.
  9. Castells, Jose Manuel, and Gurutz Jauregui. “Political autonomy and conflict resolution: The Basque case.” Ethnicity and power in the contemporary world(1996): 210-35.
  10. Damaiyanti, Adrianita, Muhammad Dzaky Putra Sani, Yunita Citra Ersani, & Randhi Satria. “Morocco’s Current Approach in Attaining International Recognition Over the Western Sahara (2020-2023).” POLITEA[Online], 7.1 (2024): 132-162. Web. 15 Nov. 2025
  11. El Ouali, Abdelhamid. Territorial integrity in a globalizing world: International law and states’ quest for survival. Springer Science & Business Media, 2012.
  12. Ghai, Yash P., ed. Autonomy and ethnicity: Negotiating competing claims in multi-ethnic states. Cambridge University Press, 2000.
  13. Harguindéguy, J. B., Obydenkova, A., & Veguilla, V. Peripheral elites and central political institutions: a complex relationship. Territory, Politics, Governance, 2025, 13(5), 587–596. https://doi.org/10.1080/21622671.2025.2492190
  14. Khakee, Anna. The Western Saharan Autonomy Proposal and Political Reform in Morocco. Jan. 2011, https://www.um.edu.mt/library/oar/handle/123456789/16044.
  15. Kleist, Mininnguaq. “Greenland’s self-government.” Polar law textbook(2010): 171-198.
  16. MOHAMMED LOULICHKI, TOWARDS AUTONOMY FOR THE SAHARA; A DYNAMIC UNDERWAY, POLICY CENTER FOR THE NEW SOUTH, Policy Paper – N° 12/25 – April 2025.
  17. Mundy, Jacob. “‘Seized of the Matter’: The UN and the Western Sahara Dispute.” Mediterranean Quarterly, vol. 15, no. 3, Sept. 2004, pp. 130–48, doi:10.1215/10474552-15-3-130.
  18. Souissi-Kachouri, Najah, and Meriem Guizani-Jelassi. “Decentralization, Transparency of Public Procurement, and Corruption in MENA Countries.” Economic Research Forum (ERF), 2022.
  19. Veguilla, V., Parejo, M. A., & Feliu, L. Regionalisation under occupation: Western Saharan parliamentary elites and the Moroccan regionalisation strategy (2011–16). Territory, Politics, Governance, 2024, 13(5), 676–694. https://doi.org/10.1080/21622671.2024.2344553
  20. Zunes, S. (2020). The East Timor Model Offers a Way Out for Western Sahara and Morocco. Foreign Policy9.

[1]  Hicham Ismaili. “الحكم الذاتي: المفاهيم والنماذج والتحديات”. International Journal of Civilizations Studies & Tolerance Sciences, vol. 2, no. 1, May 2025, pp. 62-71, https://doi.org/10.54878/x3vs9d21.

[2] Keating, M. The invention of regions: political restructuring and territorial government in Western Europe. Politics. Routledge, 2017. 281-296.

[3] Weller, Marc, and Stefan Wolff. Autonomy, Self Governance and Conflict Resolution: Innovative approaches to institutional design in divided societies. Routledge, 2005.

[4] Ghai, Yash P., ed. Autonomy and ethnicity: Negotiating competing claims in multi-ethnic states. Cambridge University Press, 2000.

[5] Boukhars, Anouar. The Western Sahara Autonomy Proposal and Political Reform in Morocco. GSDRC Conflict, Peace & Development Report, University of Birmingham, 2013.

[6] Keating, M. Op cit.

[7] Harguindéguy, J. B., Obydenkova, A., & Veguilla, V. Peripheral elites and central political institutions: a complex relationship. Territory, Politics, Governance, 2025, 13(5), 587–596. https://doi.org/10.1080/21622671.2025.2492190

[8] Keating, M. Op cit.

Harguindéguy, J. B., Obydenkova, A., & Veguilla, V. Op cit.

[9]  Hicham Ismaili. Op cit.

[10] Ghai, Yash P. Op cit.

[11] Carelli, D., & Peters, B. G. (2024). Autonomy by Decree: How Administrative Law Shapes Bureaucratic Autonomy in Four Administrative Traditions. Administration & Society, 56(5), 683-703. https://doi.org/10.1177/00953997241244500 (Original work published 2024)

[12] Castanho, Rui Alexandre, et al. “Territorial management and governance, regional public policies and their relationship with tourism. A case study of the Azores Autonomous Region.” Sustainability 12.15 (2020): 6059.

[13] Ibid.

[14] Weller, Marc, and Stefan Wolff. Op cit.

[15] Alber, Elisabeth, and Carolin Zwilling. “A Primer on the Autonomy of South Tyrol: History, Law, Politics.” Autonomy Arrangements in the World (2022).

[16] Kleist, Mininnguaq. “Greenland’s self-government.” Polar law textbook (2010): 171-198.

[17] Alber, Elisabeth, and Carolin Zwilling. Op cit.

[18] Zunes, S. (2020). The East Timor Model Offers a Way Out for Western Sahara and Morocco. Foreign Policy9.

[19] Castells, Jose Manuel, and Gurutz Jauregui. “Political autonomy and conflict resolution: The Basque case.” Ethnicity and power in the contemporary world (1996): 210-35.

[20] Bell, Christine. On the law of peace: peace agreements and the lex pacificatoria. Oxford University Press, 2008.

[21] Hicham Ismaili. Op cit.

[22] Ibid.

[23] Ibid.

[24] Ibid.

[25] Damaiyanti, Adrianita, Muhammad Dzaky Putra Sani, Yunita Citra Ersani, & Randhi Satria. “Morocco’s Current Approach in Attaining International Recognition Over the Western Sahara (2020-2023).” POLITEA [Online], 7.1 (2024): 132-162. Web. 15 Nov. 2025

[26] وثيقة رقم: A/62/342، الجمعية العامة للأمم المتحدة، الدورة 62، بتاريخ 21 شتنبر 207

[27] بوطيب علاء الدين، الحكم الذاتي الموسع للأقاليم الجنوبية للمملكة: مقاربة مغربية لتفعيل مبدأ تقرير المصير، مجلة المعرفة، العدد 25، 2025.

[28] El Ouali, Abdelhamid. Territorial integrity in a globalizing world: International law and states’ quest for survival. Springer Science & Business Media, 2012.

[29] Souissi-Kachouri, Najah, and Meriem Guizani-Jelassi. “Decentralization, Transparency of Public Procurement, and Corruption in MENA Countries.” Economic Research Forum (ERF), 2022.

[30] Ibid.

[31] Veguilla, V., Parejo, M. A., & Feliu, L. Regionalisation under occupation: Western Saharan parliamentary elites and the Moroccan regionalisation strategy (2011–16). Territory, Politics, Governance, 2024, 13(5), 676–694. https://doi.org/10.1080/21622671.2024.2344553

[32] Hicham Ismaili. Op cit.

[33] Veguilla, V., Parejo, M. A., & Feliu, L. Op cit.

[34] Hicham Ismaili. Op cit.

[35] Boukhars, Anouar. Op cit.

[36] بوطيب علاء الدين، مرجع سابق.

[37] Barter, Shane Joshua. “Understanding Self-Government.” Journal of Autonomy and Security Studies, Apr. 2024, doi:10.61199/jass.142991.

[38] Suksi, Markku. Constitutional Frameworks of Territorial Autonomies. Routledge eBooks, 2022, pp. 17–31, doi:10.4324/9781003001645-4.

[39] Shen, S. Territorial or non-territorial autonomy, Routledge eBooks., 2022, pp. 48–66. https://doi.org/10.4324/9781003001645-6

[40] Barter, Shane Joshua. Op cit.

[41] Boukhars, Anouar. Op cit.

[42] بوطيب علاء الدين، مرجع سابق.

[43] نفس المرجع.

[44] MOHAMMED LOULICHKI, TOWARDS AUTONOMY FOR THE SAHARA; A DYNAMIC UNDERWAY, POLICY CENTER FOR THE NEW SOUTH, Policy Paper – N° 12/25 – April 2025.

[45] Ibid.

[46] Khakee, Anna. The Western Saharan Autonomy Proposal and Political Reform in Morocco. Jan. 2011, https://www.um.edu.mt/library/oar/handle/123456789/16044.

[47] MOHAMMED LOULICHKI, Op cit.

[48] Ibid.

[49] Mundy, Jacob. “‘Seized of the Matter’: The UN and the Western Sahara Dispute.” Mediterranean Quarterly, vol. 15, no. 3, Sept. 2004, pp. 130–48, doi:10.1215/10474552-15-3-130.

[50] Shen, S. Op cit.

[51] Ait Laadam, Jamal, et al. “Western Sahara Legal Case: The International Law Narrative of Unresolved Conflict.” Beijing Law Review, vol. 14, no. 04, Jan. 2023, pp. 2230–40, doi:10.4236/blr.2023.144123.

5/5 - (2 صوتين)

المركز الديمقراطي العربي

مؤسسة بحثية مستقلة تعمل فى إطار البحث العلمي الأكاديمي، وتعنى بنشر البحوث والدراسات في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم التطبيقية، وذلك من خلال منافذ رصينة كالمجلات المحكمة والمؤتمرات العلمية ومشاريع الكتب الجماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى