الدراسات البحثيةالمتخصصة

العوائق الثّقافيّة والاجتماعيّة أمام اندماج المهاجرين في المجتمعات المضيفة

اعداد : د. ربا الحايك  – لغويات اجتماعيّة – تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها – مدرّسة في المعهد العالي للغات والمعهد العالي للترجمة والترجمة الفورية  – جامعة دمشق – سورية

المركز الديمقراطي العربي : –

  • مجلة الدراسات الاستراتيجية للكوارث وإدارة الفرص : العدد السابع والعشرون أيلول – سبتمبر 2025 – المجلد  7 – وهي مجلة دولية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي المانيا- برلين.
  • تعنى المجلة مجال الدراسات التخصصية في مجال إدارة المخاطر والطوارئ والكوارث ،قضايا التخطيط الاستراتيجي للتنمية،  الجيوبولتيك، الجيواستراتيجية، الأمن الإقليمي والدولي، السياسات الدفاعية، الأمن الطاقوي والغذائي، وتحولات النظام الدولي، والتنافس بين القوى الكبرى، إضافة إلى قضايا التنمية، العولمة، الحوكمة، التكامل الأقتصادي ، إعداد وتهيئة المجال والحكامة الترابية , إضافة إلى البحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
Nationales ISSN-Zentrum für Deutschland
ISSN 2629-2572
Journal of Strategic Studies for disasters and Opportunity Management

 

للأطلاع على البحث من خلال الرابط المرفق : –

https://democraticac.de/wp-content/uploads/2025/09/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%83%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%AB-%D9%88%D8%A5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D9%88%D9%86-%D8%A3%D9%8A%D9%84%D9%88%D9%84-%E2%80%93-%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%85%D8%A8%D8%B1-2025.pdf

ملخص :

تناول البحث دراسة العوائق الثقافية والاجتماعية التي تعترض سبيل اندماج المهاجرين في المجتمعات المضيفة وتصنيفها، وهو موضوع يكتسب أهميةً متزايدةً في ظلّ تصاعد حركة الهجرة العالميّة، وتعدّد الخلفيّات الثّقافيّة واللغويّة والدّينيّة للمهاجرين. وينطلق البحث من فرضيّة أساسيّة مفادها أنّ التّفاعل بين المهاجر والمجتمع المُستقبِل لا يتمّ دائماً في ظروفٍ متوازنة، بل تحكمه مجموعةٌ من التّحدّيات النّفسيّة والاجتماعيّة واللغويّة.

ويعرض البحث مفهوم الصّدمة الثّقافيّة كأحد المحاور الأوليّة في تجربة الهجرة، بوصفها حالة من التوتر وعدم التّوازن النّفسيّ والإدراكيّ ينجم عن الاصطدام المفاجئ بقيم وسلوكيات حياة جديدة. كما يناقش البحث أثر اللغة بوصفها أداةَ تواصلٍ أساسيّة، وإحدى العوامل المؤثّرة في زيادة المسافة الاجتماعية أو تقليصها، إلى جانب أنماط عمليّة التثاقف التي تُعَدُّ من العناصر الحاسمة في تشكيل الهُوية الثقافيّة، وقد تكون عاملاً محفزاً للاندماج أو سبباً للعزلة.

وقد فصّل البحث في مفهوم التثاقف، الذي يفترض تفاعلاً متبادلاً بين المهاجر والمجتمع المضيف، ويحلّله من خلال أنماط مختلفة (الاندماج، والتهميش، والانصهار، والانعزال)، مستنداً إلى نماذج نظرية ومقاربة لغوية اجتماعية. ويُبرز البحث أهميّة صيغ التلطّف (التّهذيب التّداولي) في التّواصل بين الثّقافات، ودورها في تسهيل التّفاعل وتجاوز التّوترات المحتملة.

وخلص البحث إلى أنّ العوائق الثّقافيّة والاجتماعيّة لا ترتبط فقط بالمهاجر، بل بالمجتمع المستقبل كذلك، وأنّ نجاح الاندماج يتطلّب وعياً متبادلاً، وسياسات اندماجٍ عادلة، وتعليماً لغويّاً حسّاساً للبعد الثّقافيّ، مع ضرورة تجاوز القوالب النّمطيّة، وتفسيرها وتحليلها، وتفعيل دور المؤسّسات التّعليميّة والإعلاميّة في تعزيز ثقافة التّفاهم والانفتاح.

Abstract

This study examines and categorizes the cultural and social barriers that hinder the integration of migrants into host societies—an issue of growing significance amid the global rise in migration and the increasing diversity of migrants’ cultural, linguistic, and religious backgrounds. The research is based on a fundamental hypothesis: that the interaction between migrants and host communities does not always occur under balanced conditions but is governed by a complex set of psychological, social, and linguistic challenges.

The study introduces the concept of cultural shock as a primary dimension in the migration experience, portraying it as a state of psychological and cognitive imbalance caused by a sudden confrontation with new life values and behaviors. The research also discusses the impact of language as a central tool of communication and a key factor in either widening or narrowing social distance, alongside acculturation patterns, which are crucial in shaping cultural identity and can either promote integration or lead to isolation.

The study provides a detailed analysis of acculturation, understood as a mutual process between the migrant and the host society. It explores this process through various patterns—integration, marginalization, assimilation, and separation—and builds on theoretical frameworks and sociolinguistic perspectives. It further highlights the importance of politeness strategies (pragmatic politeness) in cross-cultural communication and their role in facilitating interaction and overcoming potential tensions.

The study concludes that cultural and social barriers are not exclusively tied to migrants but also stem from the host society. Successful integration requires mutual awareness, equitable integration policies, and culturally sensitive language education, along with the need to deconstruct and analyze cultural stereotypes. The role of educational and media institutions is emphasized as essential in fostering a culture of understanding and openness.

المقدّمة

بات موضوع الهجرة من أبرز القضايا التي تشغل الدّول والمجتمعات على حدٍّ سواء في عصر العولمة المتسارعة والتّحوّلات الديموغرافية المتلاحقة. فالهجرة، بوجوهها المختلفة، لم تعد مجرَّد انتقالٍ جغرافيّ فحسب، بل غدت تجربة معقَّدة تتفاعل فيها الهُويات والقيم والثّقافات تفاعلاً مباشراً.

وفي هذا السّياق، يواجه المهاجر تحدِّيات جمَّة تتعلَّق بإعادة التكيُّف والتأقلم، إذ تبرز ما يُعرف بـ “الصدمة الثقافية”، وهي حالة نفسيَّة وسلوكيَّة تنتج عن الاحتكاك المفاجئ بثقافة مختلفة جوهريّاً عن ثقافة الفرد الأصليَّة. وتُعدُّ هذه الصّدمة من أبرز العوائق التي تُعرقل عمليَّة الاندماج السّلس في المجتمعات المضيفة بدايةً.

وتتداخل الصّدمة الثّقافيّة مع عوامل أخرى اجتماعيَّة وثقافيَّة، منها: لهُويّة الفرديّة، والمسافة الاجتماعيَّة، والقوالب النمطيَّة الثقافيَّة، وأنماط عمليّة التّثاقف، وتعلُّم اللغة، إضافة إلى صيغ التلطُّف (أو التهذيب التداولي) التي تؤدّي دوراً مهمّاً في تقليل حدَّة التّصادُم الثّقافي وتعزيز التّفاهم المشترك.

ومن هنا، يسعى هذا البحث إلى تسليط الضّوءَ على هذه المكوِّنات الأساسيَّة، وتحليل أثرها المركَّب في صياغة تجربة المهاجر داخل المجتمع الجديد، عبر رؤيةٍ علميَّةٍ شاملةٍ تسعى إلى الفهم والتّفسير والتّوصية، بما يُسهم في تطوير سياسات إدماج أكثر إنسانيَّةً وفاعليَّةً، مع الحفاظ على الهُويّة الذّاتيّة الشّخصيّة للمهاجر.

أوّلاً: مشكلة البحث     

يشكّل اندماج المهاجرين في المجتمعات المضيفة تحدّياً مستمرّاً في ظل التنوّع الثقافي والديموغرافي المتزايد عالميّاً. فبالرغم من الجهود المؤسسية المبذولة لدمج الوافدين الجُدد، لا تزال هناك عوائق ثقافيّة واجتماعيّة عميقة تُحدّ من هذا الاندماج، وتُنتج حالات من العزلة أو الانغلاق أو التّهميش المتبادل.

وتبرز هذه العوائق في مظاهر متعدّدة، منها: الصدمة الثقافية التي يتعرّض لها المهاجرون عند اصطدامهم بقيم وسلوكيات مغايرة، والحواجز اللغوية التي تعرقل التواصل اليومي الفعّال، إضافةً إلى الاختلاف في معايير الهُويّة (الأصل والهدف) التي قد تُنتج صراعاتٍ كثيرة لدى الفرد تؤدّي إلى خلق التوتر أو العزلة الثقافية، فضلاً عن القوالب النّمطيّة التي تؤثّر في نظرة المجتمع المضيف للمهاجرين.

ويُعزِّز اضطراب عملية التثاقف—التي تقوم على التفاعل الثقافي المتبادل— وعدم الوعي بمراحلها وأنماطها من المسافة الاجتماعية ويزيد من تعقيد العلاقة بين الطّرفين.

انطلاقاً من ذلك، تتمحور مشكلة هذا البحث في السّؤال التالي:

ما أبرز العوائق الثّقافيّة والاجتماعيّة التي تحول دون تكيّف المهاجرين مع المجتمعات المضيفة واندماجهم فيها؟ وكيف تؤثّر عناصر مثل: الهُويّة الذّاتيّة، واللّغة، والصّدمة الثّقافيّة، والتّثاقف، في هذا المسار؟

ثانياً: أهمية البحث: تكمن أهمية البحث في:

  • الكشف عن العوامل الثقافية والاجتماعية الأكثر تأثيراً في مسار اندماج المهاجرين، مثل: اللغة، والصدمة الثقافية، والتثاقف، والقوالب النمطية.
  • تقديم إطار نظري وتحليلي يُسهم في فهم طبيعة العلاقة بين المهاجر والمجتمع المضيف، من منظور تواصلي وسوسيولوجي وإنساني.
  • دعم صانعي السياسات ومؤسسات المجتمع المدني من خلال تسليط الضوء على الجوانب غير المرئية أو المهملة في سياسات الاندماج التقليدية، واقتراح آليات أكثر مرونة وحساسيّة ثقافية.
  • المساهمة في تعزيز ثقافة التفاهم المشترك بين الثقافات، من خلال إبراز أهمية التثاقف الإيجابي والاحترام المتبادل بوصفها وسائل لبناء مجتمعات أكثر تماسكاً وتنوعاً.
  • توجيه الباحثين المستقبليين نحو مسارات بحثيّة تتعمّق في الجوانب النفسية والاجتماعية للاندماج، وتفتح أفقاً للتعاون الأكاديمي متعدّد التخصصات.

ثالثاً: أهداف البحث: يهدف البحث إلى:

  • تحليل مفهوم العوائق الثّقافية والاجتماعيّة وأثرها في مسار اندماج المهاجرين.
  • تسليط الضوء على الصدمة الثقافية بوصفها عاملاً نفسيّاً وسلوكيّاً مركزيّاً في تجربة المهاجر.
  • دراسة العلاقة بين اللّغة والاندماج، مع التّركيز على دور الحواجز اللغوية وصيغ التلطّف في تسهيل التّفاعل الاجتماعي أو تعطيله.
  • بيان أثر القوالب النّمطية Stereotype في تشكيل العلاقة الثّقافيّة بين المهاجرين والسّكّان الأصليين، وتحليل مستويات القبول أو الرفض.
  • بيان أثر المسافة الاجتماعيّة في تحديد أنماط تثاقف المهاجر مع المجتمع المضيف.
  • تحديد أنماط تثاقف المهاجرين مع مجتمعاتهم المضيفة، وبيان النّوع الأكثر توازناً وثباتاً منها.

رابعاً: أسئلة البحث:

  • ما طبيعة العوائق الثقافية والاجتماعية التي تُواجه المهاجرين في المجتمعات المضيفة؟
  • إلى أي مدى تُشكّل الصدمة الثقافية عاملاً مؤثراً في عملية اندماج المهاجرين؟
  • ما دور الحواجز اللغوية وصيغ التلطّف في تسهيل اندماج المهاجر في محيطه الجديد أو تعطيله؟
  • ما أثر القوالب النّمطية Stereotype في تشكيل العلاقة الثّقافيّة بين المهاجرين والسّكّان الأصليين؟
  • كيف تؤثّر المسافة الاجتماعيّة في أنماط تثاقف المهاجر مع المجتمع المضيف؟
  • ما أنماط تثاقف المهاجرين مع مجتمعاتهم المضيفة؟ وأيّها أكثر توازناً وثباتاً؟

خامساً: مصطلحات البحث:     

  • العوائق الثقافية: هي مجموع العقبات التي تنشأ عن اختلاف القيم والعادات والتقاليد وأنماط التفكير بين المهاجرين والمجتمع المضيف، وتُؤثر في قدرة المهاجر على التفاعل الإيجابي مع البيئة الجديدة.
  • العوائق الاجتماعية: هي العوامل التي تُعيق اندماج المهاجر في الحياة الاجتماعية العامة، وتشمل التمييز، والعنصرية، والمسافة الاجتماعية، وغياب الفرص المتكافئة في العمل والتعليم والسكن والعلاقات الاجتماعية، والتّعاملات اليومية.
  • الاندماج: وتفضّل الباحثة مصطلح “التّكيُّف” هو عملية تدريجية يتكيّف من خلالها المهاجر مع المجتمع المضيف من دون أن يفقد بالضرورة هويته الثقافية الأصلية، وتشمل هذه العملية أبعاداً لغوية، وثقافية، واجتماعية، واقتصادية.
  • المهاجر: هو الشخص الذي انتقل من بلده الأصلي إلى بلد آخر للإقامة المؤقتة أو الدائمة، لأسباب اقتصادية أو علمية أو سياسية أو اجتماعية أو أمنية وتستبعد الباحثة الوافدين لأسباب سياحية أو رجال الأعمال لأنّهم لا يعانون بسبب طبيعة حياتهم ومكانتهم الاجتماعية، وقصر فترة الإقامة في المجتمع الجديد مما يجعلهم لا يعانون ما يعانيه الوافدون المذكورون آنفاً.
  • الصّدمة الثّقافيّة :Culture Shock هي حالة من الارتباك النّفسيّ والانزعاج السّلوكي يُصاب بها المهاجر نتيجة مواجهة ثقافة مختلفة تماماً عن ثقافته الأصليّة، وتظهر غالباً في المراحل الأولى من الهجرة.
  • التّثاقف (Acculturation): هو التفاعل الثقافي المتبادل بين المهاجر والمجتمع المضيف، ويتضمن تبنّي بعض القيم والسلوكيات الجديدة مع الحفاظ على جوانب من الهوية الأصلية.
  • اللّغة: هي أداة التواصل الأساسية بين المهاجر والمجتمع المضيف، وتُعدّ من العوامل الحاسمة في نجاح عملية الاندماج، سواء في التفاعل اليومي أو في فهم السياق الثقافي والاجتماعي.
  • صيغ التّلطّف (التّهذيب التّداولي): هي أساليب لغوية تراعى فيها القواعد الاجتماعيّة ويُستخدم فيها الخطاب المهذّب والمراعي للسياق الثقافي، لتُساعد على تخفيف التّوترات، وتيسير العلاقات التّفاعليّة بين المهاجرين وأفراد المجتمع المضيف.

سادساً: مناقشة القضايا والإجابة عن أسئلة البحث

السّؤال الأوّل: ما طبيعة العوائق الثقافية والاجتماعية التي تُواجه المهاجرين في المجتمعات المضيفة؟ تجمل الباحثة العوائق الثقافية والاجتماعية في:

أولاً: العوائق الثقافية:

  • الصدمة الثقافية: يشعر الكثير من المهاجرين عند وصولهم إلى المجتمعات المضيفة بعدم الانسجام وفقدان الشعور بالأمان الثقافي.

مثال: مهاجر من سوريا إلى السويد قد يُفاجأ بمستوى الحرية الشخصية في العلاقات الاجتماعية، ما يجعله يشعر بأن القيم التي تربى عليها غير مفهومة أو مرفوضة، فيدخل في حالة من الارتباك والانطواء

2.1. الحواجز اللغوية: تُعدّ اللغة من أبرز التحديات اليومية، إذ تعرقل حصول المهاجر على خدمات ضرورية مثل الرعاية الصحية أو التعليم أو حتى القيام بالإجراءات الإدارية.

مثال: في فرنسا، كثير من المهاجرين من دول المغرب العربي يجدون صعوبة في فهم المصطلحات الإدارية أو التفاعل في المدارس، ممّا يضعف فرص أبنائهم في التعلّم أو اندماجهم مع أقرانهم.

3.1. الاختلاف في القيم والممارسات الثقافية: بعض العادات كتحية الغرباء، أو أسلوب تربية الأبناء، قد يُنظر إليها باختلاف أو استغراب.

مثال: امرأة مهاجرة من سورية إلى أمريكا قد تواجه انتقادات أو نظرات سلبية بسبب ارتدائها الحجاب أو رفضها لمصافحة الرجال، ممّا يُشعرها بأنّها غير مقبولة.

4.1. فشل التثاقف المتبادل: حين يتوقع المجتمع المضيف أنْ يتخلى المهاجر عن ثقافته بالكامل، من غير وجود انفتاح على التعدد الثقافي.

مثال: في بعض دول أوروبا الشرقية، يطالب المهاجرون من آسيا بالاندماج السريع من غير أيّ اعتراف بثقافتهم أو أعيادهم، ممّا يدفعهم إلى العزلة أو تشكيل جزر ثقافيّة مغلقة.

ثانياً: العوائق الاجتماعية

  • المسافة الاجتماعية: تقل فرص التّفاعل الطبيعي بين المهاجرين والمواطنين بسبب عدم وجود فضاءات مشتركة أو تمييز غير معلن.

مثال: في الضواحي الفرنسية، تعيش أسر مهاجرة من أصول أفريقيّة في مجتمعات مغلقة، ممّا يقلل من فرصهم في التواصل مع الفرنسيين الأصليين.

2.1. التمييز والعنصرية: يُستبعد المهاجر من الوظائف أو يُعامل بعدم مساواة فقط بسبب اسمه أو لونه أو ديانته.

مثال: قد يكون للشخص الذي يحمل اسماً عربياً فرصاً أقلّ في الحصول على مقابلة عمل مقارنةً بمن يحمل اسماً أجنبيّاً، رغم تطابق المؤهّلات في بعض الأماكن.

3.1. القوالب النمطية: يُعامل بعض المهاجرين بناءً على صور نمطية مسبقة عن كونهم “خطرين”، أو “كسالى”، أو “غير متعلمين”.

مثال: يُنظر إلى المهاجرين من باكستان في بعض الدول الغربيّة على أنهم مرتبطون بالتطرف الديني، وهو أمر يؤثر في اندماجهم وفي ثقة المجتمع بهم.

4.1. ضعف السياسات الداعمة: عدم وجود برامج إدماج فعالة تجعل المهاجر في عزلة مؤسسية.

مثال: في بعض دول أوروبا الشرقية، لا تتوفّر برامج تعلّم اللغة مجاناً، ولا تُعترف بمؤهلات المهاجرين، مما يُجبرهم على القبول بأعمال لا تليق بكفاءاتهم.

السّؤال الثّاني:  إلى أيّ مدىً تُشكّل الصّدمة الثّقافيّة عاملاً مؤثراً في عملية اندماج المهاجرين؟

إنَّ الحديث عن التَّجربة الصَّعبة الَّتي يتعرَّض لها الإنسان عند الانتقال من بيئة إلى أخرى قديم نسبيَّاً ويعود إلى أوائل القرن العشرين، أمَّا بالنِّسبة إلى تحديد مصطلح الصَّدمة الثَّقافيَّة بشكلٍ علميّ ومحدَّد فيعود أوَّلاً إلى الأنثروبولوجي أوبيرج Oberg عام 1960، والّذي قصد به حالة “القلق الذي ينتج عن فقدان علاماتنا ورموزنا المألوفة كلِّها للتفاعل الاجتماعي”.(Oberg, 1960. p:177).

وقدْ ذكر أوبيرج عدداً من الجوانب التي تشكِّل ملامح الصَّدمة الثقافيَّة لدى الأشخاص الوافدين حديثاً إلى بيئة ثقافة جديدة، وهي:

  1. الإرهاق النَّفسي بسبب الجهد المطلوب لإجراء تعديلات نفسية لازمة للتعايش في المجتمع الجديد.
  2. الإحساس بفقدان الأصدقاء والمهنة والممتلكات الشَّخصيَّة والمركز الاجتماعي.
  3. رفض أفراد الثَّقافة الجديدة.
  4. حالة الارتباك عند تحديد الأدوار، وتوقُّعات الدُّور الجديد والقيم والمشاعر الشَّخصيَّة.
  5. المفاجأة والقلق وربَّما الغضب بعد إدراك الاختلافات الثَّقافيَّة.
  6. الشُّعور بالعجز بسبب عدم القدرة على التَّأقلم مع البيئة الجديدة. (.(ibid, p:177-182

تمثَّل الصَّدمة الثّقافية في نظر أوبيرج كما هو واضحٌ في الوصف السَّابق تجربة صعبة عموماً؛ لأنَّها تشكِّلُ نوعاً من الألم النَّفسيّ النَّاتج عنْ تجربة جديدة غير واضحة المعالم، بسبب تغيير الوسط الَّذي يعيش فيه الإنسان، وهو في هذه النَّظرة يتَّفق مع براون الَّذي عرَّف الصَّدمة الثَّقافيَّة بأنَّها “مجموعة من الظَّواهر الَّتي تتراوح بين الهياج (الانفعال) البسيط وبين الذُّعر النَّفسي العميق أو الأزمة النَّفسيَّة الحادَّة. ويصاحِب الصَّدمة الثقافيَّة لدى المتعلِّم مشاعر النّفور، والغضب، والعدوانية، والحيرة، والإحباط، والتعاسة، والوحدة، والشوق للوطن، وحتَّى المرض الجسديّ”. (براون،1994، ص: 224).

وقدْ تترافق أعراض الصَّدمة الثَّقافيَّة والغربة في المجتمع الجديد بعدد من الأعراض الجسديَّة المزعجة مثل: “فرط العناية بالنّظافة، والقلق حول مياه الشُّرب، والطَّعام، والشُّرود الذّهنيّ، والشعور بالعجز والرغبة في الاعتماد على المواطنين من الجنسية نفسها لفترة طويلة، والتّأخُّر في تعلُّم لغة البلد المقيم فيها، والشَّوق الشَّديد للوطن”. (Oberg, 1960, p:178) إضافة إلى “الحزن، والضّيق، والتَّكيُّف الضَّعيف”.(Tilburg & Vingerhoets,2005, p:17).

وربَّما كانت الصَّدْمة سبباً في “التأخير أو الرفض التّام لتعلم لغة البلد المضيف؛ والخوف المفرط من التعرض للغش أو السرقة أو الإصابة، و ازدياد الشوق للعودة إلى الوطن”. ((Oberg, 1954. P:2

وبهذا المعنى تكون الصَّدمة الثَّقافيَّة تجربة مرهقة ذات بُعْد سلبيّ؛ إذ إنَّها ترتبط بحالة التَّوتر والقلق والاضطراب الَّتي تصيب الإنسان عند تغيير المكان الَّذي يعيش فيه، وهذا في رأي الباحثة أمرٌ غير دقيقٍ تماماً عندما يكون الانتقال إلى ثقافة أخرى طوعيّاً بهدف العمل أو التَّعلُّم، وتعزو الباحثة كثرة أعراض الصَّدمة الثقافية المذكورة لدى أوبيرج وبراون وغيرهم من الباحثين في المجال إلى أنَّ توصيفهم يأتي من خلال بحثهم كعلماء أنثروبولوجيا يدرسون هذه الظَّاهرة لدى كلّ وافدٍ إلى مجتمع جديد سواءً أكانَ طالباً أم مهاجراً، أم موظَّفاً، أم مهاجراً هجرة قسريّة؛ أي إنَّ دراساتهم تشمل أنواع الوافدين كلِّهم، في حينِ أنَّ الدِّراسات اللُّغوية الاجتماعيَّة تركِّز على أثر هذه الظَّاهرة في التَّعلُّم اللغوي وتكوين الكفاية الاتِّصاليَّة، وفي أحسن الحالات المساعدة في تحصيل المتعلِّم ثنائية ثقافية، ولذلك تميل إلى عدِّ الصَّدمة “مرحلة انتقاليّة” كما يسميها أدلر Adler عند تغيير الوسط الاجتماعي الَّذي يعيش فيه الإنسان، فهي على الرغم من “ارتباطها بالجوانب السَّلبيَّة نوعاً ما، إلَّا أنَّها يمكن أنْ تكون جانباً مهماً من التّعلم الثقافي، والتّنمية الذّاتيّة، والنُّمو الشّخصيّ”. (Adler, 1975. P:2).

وتعود تسمية الصَّدمة الثقافية بالمرحلة الانتقالية إلى أنَّها تتسبَّبُ بتعديل سلوكيّ في القيم والاتِّجاهات والمواقف ممَّا يجعلها تنتقل بالإنسان من حالة “الوعي الذَّاتي المنخفض، إلى حالة الوعي الذَّاتي والثّقافي العالي”. (ibid. P: 3)

وللصدمة الثَّقافيّة أربع مراحل ذُكِرتْ في معظم المصادر التي تحدَّثت عن موضوع الصَّدمة فيما بين عامي 1950 وَ 2000 وهي بالتَّرتيب الزَّمني: (Oberg, 1954)، (1960Oberg,)، و(1975Adler,)، و (براون، 1994)  و Vingerhoets. 2005) & Tilburg). إذْ إنّ الباحثة تجد نوعاً من الاتِّفاق على طبيعة الصَّدمة الثقافيَّة، ومراحلها حتَّى الوصول إلى مرحلة الاستقرار أو التَّكيف، وقد لخَّصتها الباحثة على الشَّكل الآتي:

  1. مرحلة الإثارة والانبهار بالثَّقافة الجديدة، وقد تمتد هذه المرحلة من بضعة أيام إلى ستَّة أشهر بحسب Oberg، يتعرَّف الوافد الجديد فيها إلى ثقافة البلد المضيف، ويطلق عليها أدلر 1975 مرحلة الاتِّصال، ومن أهمّ مميزاتها أنَّ الفرد لايزالُ متكاملاً وظيفيَّاً مع ثقافته الخاصَّة، ومفتوناً بالتَّجربة الجديدة، وأقلّ اهتماماً بالاختلافات الثقافيَّة، ذلك أنَّهُ لا يملك الآليات الجديدة للتعامل مع المثيرات الجديدة كليَّاً بالنسبة إليه في المجتمع الجديد.
  2. مرحلة الصّدمة الثّقافية، أو (التَّشتُّت وإعادة الإدماج) لدى أدلر: والتي يبدأ فيها الوافد بملاحظة الفروقات في الثقافة، ويشعر بفقدان رموزه المألوفة في التَّواصُل الاجتماعيّ، وتبدأ الأزمة التي يعانيها في التواصل اليومي الطبيعي. يطلق أدلر على هذه المرحلة اسم حالة الّتفكّك، أو كما تعتقد الباحثة أنَّ المقصود هنا هو التشتُّت، إذْ تصبح الاختلافات في هذه المرحلة ملحوظة بشكل متزايد بسبب تداخل السّلوكيات والقيم والمواقف المختلفة في الواقع الإدراكي للوافد، فلمْ يعد فهمه الثّقافي كافياً لأنَّه لا يحقِّق النتائج المتوقَّعة، وتتميَّز هذه المرحلة بالرّفض القوي للثقافة الثّانية، من خلال القوالب النمطيَّة، والتّعميم، والتّقييم، وفي هذه المرحلة يميل الفرد عادةُ إلى التَّواصُل مع مواطنيه، فالانسحاب هنا يكون من بيئة غير مفهومة إلى بيئة مفهومة، وأكثر وضوحاً. ويؤكِّد أدلر صاحب فكرة (التّجربة الانتقاليّة) على أنَّ “ممارسة المشاعر السَّلبيَّة علامة مهمة على إعادة البناء بشكل جيِّد إذْ إنَّ هناك وعياً ثقافيّاً، وقدرة متزايدة على التَّصرُّف بناءً على المشاعر. إنّ رفض الثّقافة التي تسبّبُ المشاعر السّلبيَّة هو أكثر سلوك تفاعلي، ويصبح أساساً لتجارب عاطفيَّة وإدراكيّة جديدة، وقد تكون هذه المرحلة هي المرحلة الحاسمة في إيجاد طريقة للتكيُّف مع المجتمع الجديد أو العودة إلى الوطن”. (Adler, 1975. P:5).

وبهذا تكون المشاعر السَّلبيَّة الَّتي يتعرَّض لها متعلِّم اللُّغة الأجنبيّ ذات أثرٌ إيجابيّ في عمليَّة التّكيُّف المؤديّة إلى الاستقرار في المرحلة الأخيرة.

  1. مرحلة الشّفاء التّدريجي أو الاستقلال الذَّاتيّ: تتميَّز هذه المرحلة بالحساسيّة المتزايدة أو كما أسماها لارسون وسمالي بالضّغط الثّقافي، ويصبح الفرد قادراً على اكتساب المهارة والفهم في الثّقافة الثّانية، وقادراً تجريبيّاً على الدّفاع عن نفسه والخروج من المواقف الجديدة، وهو قادر على فهم الآخرين لفظيّاً، كما أنَّه قادر على فهم الثقافة الثانية، وينبع هذا الشُّعور بالاستقلاليّة الّتي يجدها ولو جزئيا من “القدرة على البقاء دون الإشارات والرموز التي اعتادها في ثقافته الأصل، إضافةً إلى القدرة على تجربة مواقف جديدة. تتميَّز هذه المرحلة أيضاً بشكلٍ خاصّ بنمو في المرونة الشَّخصيّة، وتطوير مهارات التَّكيُّف المناسبة للثقافة الثّانية”. (5ibid, p:). وإن كان “بشكل عام بطيء” (براون، 1994، ص: 226).
  2. مرحلة الشِّفاء شبه التَّام، أو الاستقلال: تتميَّز هذه المرحلة بقدرة الفرد على التَّكيُّف مع الثَّقافة الجديدة وفهمها، فهو قادرٌ على معرفة وقبول أوجه التَّشابه والاختلافات الثَّقافيَّة بين الثّقافة الأصل والهدف، كما أنَّهُ قادرٌ على التّعلّم التّجريبي، ومراجعة المفاهيم والافتراضات والقيم والمواقف مرّة أخرى.

تضعُ الصَّدمة الثقافيّة أو كما تسمِّيها الباحثة “التَّجربة الانتقاليَّة” الإنسان أمام مقارنة واسعة، وكبيرة جدَّاً بين ثقافتين تزيدُ هذه التَّجربة من فرصة النّمو والوعي الشخصي لدى المهاجر (متعلم اللغة الثانية) ، وليس كما ينظر إليها بعضهم على أنَّها “مشكلة ميدانية في التّكيف وتعلُّم اللغة”، وهذا ما يتيح للفرد “معرفة ذاته وتأكيدها في مقابل تعلُّم لغوي، وإدراكي وعاطفي وثقافي جديد”. Adler, 1975, p:9)).

وقد عدَّل  لويس وجونجمان Lewis and Jungman  عام 1986 نظرية أوبيرج وأدلر، إذْ اعتقدا أنَّ هناك ستّ مراحل للصدمة كالآتي:

  1. المرحلة الأوليَّة: مرحلة ما قبل المغادرة.
  2. مرحلة المتفرِّج (الأسابيع أو الأشهر الأولى من العيش في ثقافة أخرى).
  3. مرحلة المشاركة المتزايدة.
  4. مرحلة الصَّدمة.
  5. مرحلة التَّكيُّف.
  6. مرحلة العودة إلى الثَّقافة الأصليّة. (.(LI Dongfeng, 2012, p:71

يشير لويس وجونجمان هنا في المرحلة الأولى إلى التَّحضيرات الّتي تسبق الانتقال إلى بيئة الثّقافة الجديدة، وفي هذا إشارة إلى أهميّة الاستعداد النّفسيّ قبل الانتقال إلى بيئة الثّقافة الثّانية، أمَّا المراحل من الثانية وحتى الخامسة فهي ذاتها المراحل المذكورة لدى أوبيرج وأدلر، والفرق يكمن في أنَّ لويس وجونجمان جعلا مرحلة بدء المشاركة (المشاركة المتزايدة) تمهيداً لمرحلة فقد الرموز (الصَّدمة) والَّتي تسبق مرحلة التَّكيُّف، في حين أنّ الباحثة ترى أنَّ مرحلة المشاركة المتزايدة تأتي بعد مرحلة الصَّدمة؛ وهي المرحلة الَّتي تمهِّد للدخول في مرحلة التَّكيُّف، وإنْ كانَ من الصَّعب القول إنَّ العنصر البشريّ سيتطوَّر بطريقة خطيَّة مباشرة عبر هذه الخطوات بشكلٍ منتظم.

أمَّا فيما يتعلَّقُ بأسباب الصّدمة الثَّقافيَّة فقد ذُكِرَ جملة من الأسباب الَّتي تجعها تحدث، وإنْ كان بنسب متفاوتة لدى المهاجر (متعلم اللغة الثانية)  في المجتمع الجديد، تجملها الباحثة كما أوردتها مدرسة اللُّغات الأجنبية فيما يأتي:

  1. مواجهة بيئة أو وضع جديد: يشير هذا التّفسير البيئيّ إلى أنَّ جميع الأشخاص سيختبرون درجات متفاوتة معينة من الصدمة في البيئة الخارجية.
  2. الصّدمة النّاتجة عن عدم فاعليّة التّواصل بين الثّقافات أو بين الأشخاص: يشير هذا التّفسير إلى مشكلات الاتصال التي تتسبب في إساءة فهم الأشخاص، أو التنبؤ بسلوك بعضهم بشكل خاطئ؛ مما يعني أنَّ سوء الفهم هو سبب صدمة الثّقافة.
  3. تهديد الاستقرار العاطفي: وهذا في رأي الباحثة يعود إلى حالة القلق والاضطراب التي يعيشها الفرد عند ترك مجتمعه، والانتقال إلى آخر.
  4. تثبت الصّدمة الثّقافيّة الحاجة إلى تعديل السُّلوك الشّخصيّ بشكل مناسب، والحصول على  التعزيز الإيجابيّ من البيئة الجديدة. يصف هذا المنظور الأكثر سلوكيّة الصّدمة الثقافية كردّ فعل على الاحتياجات والرغبات، مما يؤدِّي إلى سلوكياَّت غير لائقة.
  5. تجربة النُّمو؛ ويرى هذا التفسير أنَّ الصَّدمة الثقافية تجربة طبيعية لا تشير بالضَّرورة إلى مشكلة نفسية، أو اضطراب. (LA Dongfeng, 2012, p: 71).

من مراجعة تعريف الصَّدمة الثقافية، ومراحلها، وأسبابها، نستنتج أنَّ للصدمة الثقافية ثلاثة مكونات هي: Ward et all, 2005, p:267_268). )

  1. المكوِّن العاطفيّ للاتّصال الثّقافيّ: ويشتمل على الاستجابات العاطفيّة المذكورة سابقاً من الارتباك والحيرة والحنين إلى الوطن…..، ويعود هذا في رأي وارد وآخرين إلى السّمات الشّخصيّة مثل: الكفاءة الذّاتيّة، والأصول الشّخصيّة، والدَّعم الاجتماعيّ.
  2. المكون السُّلوكيّ: المرتبط بمفهوم التَّعلُّم الثقافي، والفكرة الأساسيّة هنا هي أنّ القواعد والاتّفاقيّات والافتراضات الّتي تنظِّم التَّفاعلات الشَّخصيَّة، بما في ذلك التَّواصُل اللّفظيّ وغير اللّفظي تختلف عبر الثّقافات، ممَّا يجعل المتعلِّم الوافد يفتقر إلى المهارات والمعارف الاجتماعيّة ذات الصِّلة بالثّقافة، تزامناً مع ظهور صعوبة في بدء علاقات مع أفراد المجتمع الهدف واستمرارها، ممَّا يؤدي إلى سوء الفهم والإساءة بسبب سلوكهم غير الملائم ثقافيّاً من وجهة نظر أفراد المجتمع الهدف.
  3. المكوِّن المعرفيّ: تتكوَّن الثّقافات عادةً من معانٍ مشتركة في العموم، ويختلف النَّاس في تفسير الأحداث الماديّة والشّخصيّة، والمؤسّسيّة، والوجوديّة، والرُّوحيَّة، عند حدوث تواصل بين الثّقافات المختلفة، ممَّا يؤثّر في كيفية رؤية المشاركين في الحدث التَّواصلي بعضهم بعضاً، وكيفية رؤيتهم أنفسهم، وإذا ما كان أحد الأطراف المشاركة في الحدث التّواصلي سيتأثر نتيجة لتعرّضه لتغيير وجهات النّظر.

وهذا بالضبط ما يشكِّل جوهر عمليَّة التثاقف الَّتي سيُفصل القول فيها لاحقاً.

وأخيراً تخلصُ الباحثة إلى أنَّ الصَّدمة الثَّقافيَّة لها جانب سلبيّ يتعلَّق بصعوبة فهم الثّقافة، وتحديد المهارات الاجتماعيَّة الملائمة في بلد الإقامة، ولكنَّها في الوقت ذاته تؤدِّي إلى نتيجة إيجابيَّة في نهاية الأمر، وتحدثُ نوعاً من التَّغيير في المواقف والرُّؤى والسُّلوكيَّات الَّتي توسِّع أفق المتعلِّم وتنمِّي شخصيته، وقد لا تكون الصَّدمة الثقافيَّة ذات آثار سلبيَّة أساساً؛ لأنَّ قوَّة الصَّدمة أو ضعفها يتعلَّق بالمسافة الاجتماعيَّة في وعي المهاجر (متعلم اللغة الثانية) . “وقد ثبتَ أنَّ نوعيَّة الصَّدمة الثَّقافيَّة وحجمها يتعلَّقان بحجم الفرق بين ثقافة الزّائر، وثقافة البلد الَّذي يقيمُ فيه }……{. إنَّ السِّمات المميِّزة لصدمة الثَّقافة هي أنَّها غير متوقَّعة، وسلبيَّة، قد تكون آثارها طويلة، ولكنَّها مفيدة في نهاية المطاف”. .(Tilburg&Vingerhoets,2005, p:19)

السّؤال الثّالث: ما دور الحواجز اللّغويّة وصيغ التلطّف في تسهيل تكيّف المهاجر مع محيطه الجديد أو تعطيله؟

إنَّ التَّفاعُل بين النَّاس يقوم على عدد من القواعد السُّلوكيَّة والاجتماعيّة الَّتي تحكم أفعال الكلام، وتحافظ على درجة من القبول والانسجام بينهم، والتواصُل النَّاجح هو الَّذي يخلو من سوء الفهم، والانقطاع، والنُّفور الذي قد يتسبَّب به عدم مراعاة هذه القواعد بقصد أو بدون قصد، وهو المبدأ الذي تعمل النَّظريَّة التَّداوليَّة على إرساء قوانينه، وتنظيمها في عمليَّة تعليم اللغة الثانية كما ورد في أمثلة سيمبسون سابقاً، أي إنَّ التَّأدُّب أو ما يُسمَّى (التَّهذيب التَّداوليّ) مفهوم نشأ في كنف التداولية انطلاقاً من الترابط والعلاقة الوثيقة بين اللغة والثقافة، إذْ “إنَّ أداء وظيفة لغوية ناجحة يستلزم معرفة قواعد الأدب وثقافة اللغة المنطوقة” ((Farnia& Yazdani, 2018,p:4.

ويعرِّف ليفنسون التَّأدُّب بأنَّهُ: “مجموعة من الاستخدامات اللُغويّة المتعارف عليها (صيغ الشّكر، وصيغ الاعتذار، وصيغ النّقد الملطّف، وصيغ الطّلب، وصيغ المخاطبة…) داخل جماعة لغويّة، يتمثَّل دورها في الحفاظ على قدر من الانسجام خلال التّفاعل بين المتكلِّمين، تجنُّباً لما يمكن أن يترتَّب على كل لقاء واحتكاك من أخطار ممكنة جرَّاء عدد من الأعمال اللُّغويّة التي لا مناص للمتكلِّمين من إتيانها والتي تهدِّد بالقوَّة ماء وجه المتكلِّم أو المخاطب أو كليهما معاً، من نحو الأمر والسُّؤال والاعتذار”. (عبيد، 2015، ص: 120).

أي إنَّ صيغ التَأدُّب تهدف إلى إزالة حالات سوء الفهم التَّواصُلي في السِّياقات الثَّقافيّة الَّتي قد تصادف المهاجر (متعلم اللغة الثانية) ، وتحول دون إتمامه مهامه اللغويَّة، وتجعل تفاعله مع أفراد اللُّغة الهدف صعباً أو غير مريح، “فالسِّياق الثقافي يمثِّل الوضعية الثّالثة لتدريس الثّقافة، وهي “تخصُّ المهاجرين والطّلبة الذين يتابعون دراساتهم وسط الجماعة اللُّغويّة الهدف، والّذين هم في أمس الحاجة إلى من يأخذ بأيديهم للاندماج في المحيط الأجنبيّ لتجنُّب ما يمكن أن يقع من مظاهر شتَّى تنتمي إلى ما يعرف بسوء الفهم الثّقافيّ”. (stern, 1992 نقلا عن: عبيد 2015، ص: 125).

وتنشأ أهمية دراسة السُّلوكات المهذَّبة في مجال تعليم اللُّغة الثَّانية كما صنَّفها ليفنسون وبراون Brown   Levinson & من الرَّغبة في الحفاظ على مستوى من التَّقدير وصون ماء الوجه بحيث لا يتعرَّض لأذى، وقد أشار الباحثان إلى نوعين من الوجوه “الوجه السَّلبي؛ أي الحاجة إلى الاستقلال والتَّحرُّر من سيطرة الآخرين، والوجه الإيجابي؛ أي رغبات الآخرين في القبول والتصديق والإعجاب والتقدير. وفي حين أنَّ مفهوم الوجه ومحتواه يختلف بين الثقافات، بحيث لانعرف ما الحدود الدقيقة للمخاوف، وما المحتوى الملائم للشخصية، فإننا نفترض أنًّ المعرفة المتبادلة للصورة الذاتية للأعضاء، والضرورة الاجتماعية للتفاعل معها عالمية”.  .(Levinson & Brown , 1987, p:311-312)

وقد عزا ويجايانتو Wijayanto وآخرون سبب فشل متعلمي اللغة الإنكليزية لغة ثانية في تقديم فعل كلام (الشَّكوى) مثلاً، إلى أنَّهم يلجؤون إلى الشَّكوى بصيغ لغوية مباشرة، في حين أنَّ النَّاطقين الأصليين يعبِّرون عن الشَّكوى بشكل غير مباشر، ويعود ذلك إلى سببين: “الأوَّل: هو أنَّ الناطقين غير الأصليين من خلفيّات لغويّة مختلفة نادراً ما تستخدم مكونات العذر عند فتح شكوى، وكثيراً ما تستخدم أسئلة المواجهة، أما الثاني فهو: انخفاض الكفاءة التّداوليّة في اللُّغة الهدف”. (Wijayanto et al, 2017, p:2).

وفي دراسة أخرى على الطّلبة العراقيين الذين يدرسون اللغة الإنكليزية لغة ثانية وجد الباحثان حسين والبكري Hussein & Albakri أنَّ “المتعلمين العراقيين أقل استخداماً للطلب عند التواصل باللغة الإنكليزية؛ بشكل أكثر تحديداً عند تنفيذ أعمال تهدِّد ماء الوجه FTA لأنهم لا يعرفون كيف يمكن أن يؤثر التّدريس التَّداوليّ في نمو استخدامهم للطلب”. (Hussein& Albakri, 2019, p:74).

وتتفق دراسة بيونByon  الَّتي طُبِّقَت على متعلِّمي اللُّغة الكوريّة من الأمريكيين مع نتائج دراسة حسين والبكري على الرغم من اختلاف عينة البحث، من حيث إنَّ الدِّراستين وجدتا صعوبة في استخدام فعل الكلام الطَّلبيّ من قبل أفراد عيِّنتها، وهو دليل على صعوبة القيام بأفعال الكلام التَّداولية التي قد تُهدِّد ماء الوجه على حسب تعبير ليفنسون وبراون لكونها تتطلَّب خبرة لغويّة وبين ثقافيّة عالية، ولذلك كثيراً ما يلجأ المتعلِّمون إلى المباشرة في صياغتها، إذْ “تتطلَّب أفعال كلام الطَّلب خبرة ثقافية ولغوية كبيرة من جانب المتعلِّم. علاوة على ذلك، تختلف الطّلبات عبر الثقافات واللغات من حيث إنَّها تتطلب مستوىً عالياً من الملاءمة لإنجازها بنجاح؛ في كثير من الأحيان، يتم تحقيقها عن طريق الصيغ التي يمكن تحديدها بوضوح”. (Byon, 2004, p:1674).

والإحجام عن استعمال (الطلب) في اللُّغة الثانية قصورٌ واضحٌ في الكفاية التّداولية، ذلك أنَّ صيغ الطّلب مكررة ومستخدمة بكثرة في أي حديث يومي في المدرسة والجامعة، والعمل والبيت، والسّوق…..

وفيما يتعلَّق بطريقة القبول والرَّفض نجدُ اختلافاً كبيراً أيضاً بين الثّقافات الآسيوية والغربيّة، وكثيراً ما استمع معلِّمو اللُّغات العربيَّة لغة ثانية في صفوفهم إلى مواقف استعملتْ فيها اللُّغة بطريقة غير ملائمة تداوليَّاً، أو تعذَّر فهم هذه اللُّغة وتفسيرها لاختلاف استخدامها بين طبقات المجتمع وبيئاته المختلفة. تذكر الباحثة عبارة (إنْ شاء الله) في العربية، والتي تسبّب مجالاً واسعاً للتأويلات وسوء الفهم، أو عبارة (لاحول ولا قوة إلا بالله) بين تفسيرها للغضب، أو للصبر أو إظهار التّعاطف، أو الحزن، إضافة إلى (نبرة الاستفهام) التي قد تحمل التأنيب أو التَّهكُّم أو التَّعاطف، والأمثلة في هذا الباب لا تعدّ ولا تحصى، ولذلك اعتمدت الباحثة ما ورد من أفعال الكلام المصنَّفة وفق الوظائف التَّداولية في هذا البحث.

إذاً تتبعُ الأفعال اللُّغوية بصيغها المقبولة كلٌّها الموقف والسياق، ولا تنفرد العربيّة بهذا البعد، وقد أشارت لويا Loya إلى هذه الاختلافات باختصار فعندما يتعلق الأمر بالآداب “سيكون عدد من الثّقافات الآسيويّة أقل مباشرة وغامضاً، {……}. يمكن ملاحظة الغموض في هذه الحالة في العديد من البلدان الآسيوية في استخدامها الأقل شيوعاً لكلمة لا، والتي يمكن استبدال صيغة نعم في بعض الحالات بها لتعني لا أو ربما. الفشل في فهم هذا النّوع من الأدب هو حكاية شائعة للغربيين الذين يواجهون الاختلافات الثّقافيّة، كما ينشأ سوء فهم مشترك آخر من الاتّفاقيّات حول مكان وكيفية الاعتذار وإظهار التّقدير”. (Loya, n d. p:7).

وقد اقترح كولبيبير Culpeper دراسة لمسح استراتيجيات تهديد الوجه بين الثقافات المختلفة، والتي تخلق نوعاً من التنافر الاجتماعي، ولخَّصها في:

“المباشرة والفظاظة في الطَّلب؛ وفيه تستخدم اللغة بطريقة مباشرة في المواقف التي لا ينوي فيها المتحدثون الحفاظ على وجه الآخرين. والوقاحة الإيجابية؛ وفيها تستخدم أعمال معينة لمواجهة الوجه الإيجابي للآخرين. والوقاحة السلبية؛ وفيها تستخدم الأفعال لمهاجمة الوجه السلبي للآخرين. والأدب الوهمي: وهو استخدام الأدب غير الصادق، وغياب الأدب حيث هو متوقع”. (Culpeper, 1996, 349-367).

وستعرض الباحثة بشكل موجز استراتيجيات التّأدُّب التي يمكن التَّعرُّض لها وتعريف الطَّلبة بها في عمليّة تعليم اللُّغة الثّانية مأخوذة عن جيفري ليتش: (واجايايا، 2017):

  1. مبدأ اللّباقة: يخفض مبدأ اللّباقة التّكاليف على الآخر، ويزيد من فوائده، ويتضمن الإرشادات والتّوجيهات، كما في المثال الآتي: ألنْ تجلس؟
  2. مبدأ الكرم: يعتمد على تقليل الفائدة، وتعظيم الكلفة للذات. وهو يشبه مبدأ اللباقة؛ إذْ يعتمد على المهام والإرشادات والتوجيهات فيركز على الذّات في حين يركز مبدأ اللباقة على الآخر، كما في المثال الآتي: “عليك أن تأتي وتتعشى معنا”.
  3. مبدأ الاستحسان: يتطلّب تقليل الذّم للآخر والاستعاضة عنه بالتّعظيم. يعطي هذا المبدأ التّعليمات مع ضرورة تجنب قول الأشياء غير الحسنة عن الآخرين وخاصة المستمع. يتكرر هذا المبدأ في التّعابير التّأكيدية والتّعبيريّة والتّمثيليّة، والتّعابير التّأكيديّة هي التّعابير التي تعبر عن الحقائق العلمية المؤكدة، في حين أنّ التّراكيب التّعبيريّة فهي التي تظهر شعور المتكلم تجاه موضوع ما. كما في المثال:

آ. “لقد كان الأداء جيداَ”.                     ب: “نعم . أليس كذلك؟”

  1. مبدأ التّواضع: عند تطبيق مبدأ التواضع، يجب أن يقلل المشاركون من مديح الذّات، ويكثرونَ من قدح الذات وذمها. يطبق هذا المبدأ في التعابير التأكيدية والتعبيرية والتمثيلية تماماً كما هو مطبق في مبدأ الاستحسان. وكلا المبدأين، مبدأ الاستحسان ومبدأ التواضع، يهتمان بدرجة التقييم الجيد أو السيِّء للذات أو الآخر عندما ينطقه المتكلّم. يظهر مبدأ الاستحسان في التهاني والتبريكات. من جانب آخر، يظهر مبدأ التواضع في الاعتذارات والتعازي. كما في المثال: “أرجو أن تقبل هذه الهدية الصّغيرة جائزة على إنجازاتك”.
  2. مبدأ الاتفاق: في مبدأ الاتفاق هناك ميل نحو تعظيم الاتّفاق بين الذّات والآخر، وتقليل أهميّة عدم الاتّفاق بينهما. يُعبر عن عدم الاتّفاق وفق هذا المبدأ بالأسف أو الاتفاق الجزئيّ، ويحدث هذا المبدأ في التّعابير التّأكيديّة والتّمثيليّة، والمثال الآتي يوضح المبدأ:
  • “الإنكليزية لغة يصعب تعلمها”. ب “صحيح. لكن قواعدها سهلة جدا”.
  1. مبدأ التّعاطف: يشرح طريقة تقليل التناقض بين الذّات والآخر، وأسلوب تعظيم التّعاطف بينهما، وفي هذه الحالة يتم تقديم التّهاني في حال الوصول إلى اتّفاق أو تحقيق إنجاز ما. من جانب آخر، عندما تحدث مصيبة أو كارثة للطرف الآخر يجب تقديم التعاطف والتعازي له في الوقت المناسب. يطبق هذا المبدأ في التعابير التأكيدية والتمثيلية نذكر على سبيل المثال الجملة الآتية “يؤسفني جدا أن اسمع بنبأ رحيل والدك”.

وكمثال عن طرق تقديم هذه المبادئ في صفوف تعليم اللغة العربية تذكر الباحثة الأمثلة الآتية:

آ. مقطع من فيلم أو مسلسل يظهر مبدأ الاستحسان مثلاً، ويطلب من المتعلِّمين ذكر التراكيب والمفردات التي أظهرت فيها الشّخصيات هذا الاستحسان، مع طريقة إظهاره، وبيان مواضع الاتِّفاق والاختلاف في موقف الاستحسان بين الثقافتين الأصل والهدف.

ب. قراءة فصل من رواية، أو قصة قصيرة؛ ويطلب من المتعلِّم إظهار مواقف اللّباقة أو عدمها، مع التّراكيب والكلمات المستخدمة في تلك المواقف، ويسأل المعلم مجموعة من الأسئلة تعزِّز فهم الموقف مثل:

  1. هل كانت الشخصية (كذا) لبقة في تعاملها؟
  2. ما معيار اللباقة في هذا الموقف؟
  3. هل تتفق نظرتك مع نظرة الكاتب من الثقافة الهدف في تقييم موقف اللباقة؟
  4. هل كان من الممكن أن يكون أكثر لباقة؟
  5. ماذا ستفعل لو كنت مكانه؟

وعلى العكس قام Culpeper كولبيبير بجرد الاستراتيجيات المحرجة والتي تؤدِّي إلى التنافر، وسوء التواصل، وتجملها الباحثة فيما يأتي:

  1. “كن غير مبالٍ، وغير مهتم، وغير متعاطف.
  2. استخدم علامات هوية غير مناسبة، على سبيل المثال: استخدم الاسم واللّقب عندما يتعلق الأمر بعلاقة وثيقة، أو اسماً مستعاراً عندما يتعلق الأمر بعلاقة بعيدة.
  3. استخدم لغة غامضة أو سرية، على سبيل المثال: حيِّر الآخر باستخدام المصطلحات، أو استخدم رمزاً معروفاً للآخرين في المجموعة، ولكن ليس الهدف.
  4. ابحث عن الخلاف، حدد موضوعاً حساساً.
  5. اجعل الآخر يشعر بعدم الارتياح، على سبيل المثال، لا تتجنب الصّمت أو المزاح، ولا تستخدم الأحاديث القصيرة.
  6. استخدم الكلمات المحرَّمة، أو استخدم لغة بذيئة أو دونية.
  7. تواصل مع الأشخاص الآخرين، استخدم الترشيحات المهينة”.(Culpeper, 1996, p: 357-358).

وكما ورد من أمثلة تساعد في فهم التّهذيب التَّداولي من خلال فيلم أو قصة، أو رواية يمكن توظيف النَّشاط ذاته لمناقشة استراتيجيات انخفاض التّهذيب التَّداوليّ، وفي الوقت ذاته توظَّف في نشاط المقارنة بين ثقافتين.

الهدف من عرض استراتيجيات التَّهذيب التَّداوليّ هو التّدريب عليها، والتّنبيه عليها كذلك في صفوف تعليم العربيّة لغة ثانية، في حين يشكِّل عرض الاستراتيجيات غير اللائقة تنبيهاً للمتعلِّمين ليكون لديهم قدرات تداوليّة أكثر فاعليّة في التَّعامل مع النَّاطقين الأصليين في أثناء استخدام أفعال الكلام الَّتي تحمل درجة من الحساسيَّة كالطَّلب والشَّكوى والاعتذار. و”قد تساعد استراتيجيات تعليم الأدب في اللُّغة الهدف على استخدام الشّكاوى المباشرة والمهذَّبة. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون تقديم أمثلة على استراتيجيّات التّخفيف من خلال الموادّ التّعليميّة مفيداً جداً لمتعلِّمي اللُّغة الثّانية، الّذين عادة ما يكون لديهم تعرُّض محدود لاستخدام اللُّغة الهدف، إذ يحتاج المتعلّمون أيضاً إلى أنْ يتعلَموا كيفيّة التّعرف على الشّكاوى غير اللّائقة أو غير المهذّبة حتى يتمكّنوا من اتّخاذ خيارات تداوليَّة  أفضل، والأهم من ذلك، يجب أن يساعدهم التّدريس التَّداوليّ على تعلم الأشكال اللُّغوية العمليّة لفعل الكلام المعنيّ واستخدامها في سياقات اجتماعية مختلفة، ويجب أن يجعل المتعلّمين على دراية بمعرفتهم السابقة بفعل الكلام المشابه في لغتهم الأولى”. (Wijayanto, Prasetyarini, 2017, p: 11).

السّؤال الرّابع: ما أثر القوالب النّمطية Stereotype في تشكيل العلاقة الثّقافيّة بين المهاجرين والسّكّان الأصليين؟

يعرِّف فيشمان Fishman القوالب الثقافيّة بأنَّها “إحدى أقدم التّركيبات وأكثرها استخداماً في مجال علم النَّفس الاجتماعي الخاصة بالصور النَّمطيَّة”. (Fishman, 1956, p: 27).

وقد عُرِف مصطلح الصُّورة النَّمطيَّة في العربيَّة مقابلاً للمصطلح Stereotype في الإنكليزية، ويقصد به “تصور قياسي أو صورة لمجموعة معينة من البشر أو الأشياء، وهي نوع من الفعاليات العقلية فيها يتمّ حشر نمط بسيط في كتلة معقدة، مع تحديد مجموعة محدَّدة من الخصائص وتعميمها على كل أفراد الجماعة، في حين أنه من الممكن أن تشمل النّمطية أيضا الأشياء، فنجدها تدور حول خاصية العمر، والجنس، والعرق، والدّين، والمهنة”. (مؤتمر فيلاديلفيا الدولي الثاني عشر، 2008، ص: 156_195_194).

والصورة النَّمطيّة ليست فكرة جديدة، وإنّما هي فكرة قديمة “مورست منذ أقدم العصور نظراً للأفكار والصُّور الّتي  كانتْ تحملها الشعوب عن بعضها البعض، فتظهر أهميتها من نواحٍ عديدة منها: التّواصلية، (أي التّواصل التّاريخي)، وبما أن النّمطيّة سواء أكانت أنماطاً أصليّة عابرة للتاريخ أم مستحدثة فغالباً لايمكن تتبع بدايتها ولا تطوُّرها لأنها تعني التّكرار أو الشّيء المتكرّر على نحو لا يتغيّر”. (عبد الستار،2006، ص: 128).

وللصور النَّمطيَّة ثلاثة جوانب أساسيَّة حدَّدها هيوستون و جايلز Hewstone and Giles فيما يأتي: ((Hewstone& Giles, 1997, p:271

  1. يتم تصنيف الأفراد الآخرين على أساس خصائص يسهل التَّعرُّف عليها مثل: الجنس، والعرق، وأسلوب الكلام.
  2. تنسب مجموعة من السّمات، والأدوار، والقدرات، والاهتمامات، وما إلى ذلك، إلى جميع (أو معظم) أعضاء تلك الفئة. ويفترض أنْ يكون الأفراد الذين ينتمون إلى المجموعة النّمطية متشابهين فيما بينهم، ومختلفين عن المجموعات الأخرى في هذه المجموعة من السّمات.
  3. تُنسب مجموعة السّمات إلى أي فرد من أفراد المجموعة.

وتتحكَّم الصُّورة النَّمطيَّة بسلوك الأفراد المنتمين إلى مجتمع ما تجاه المجتمعات الأخرى، وقدْ لا يختبر من لمْ يغادر بلده إلى بلادٍ أخرى هذه الصُّور، ولا يقيس مدى واقعيَّتها، لكنَّ الانتقال إلى بيئةٍ جديدة يضع هذه الصُّور على المحكّ، بل يدفعك إلى التعامل معها وسبرها بشكل عمليّ، وهي في مجال تعليم اللُّغة الثانية وتعلُّمها حاضرة بقوَّة لأنَّنا نتعاطى مع متعلِّمين من فئة الشَّباب، وقد يصعب عليهم تحقيق التَّواصُل اللُّغوي الناجح من دون فهم حقيقي للأعراف والمعايير الثَّقافية للغة الهدف الَّتي تثبِّتْ أو تدحض أو تقارب الصُّورة النَّمطيَّة الموجودة لدى المتعلِّمين. والقوالب الثقافية تحدِّد وضع الأشخاص المنتمين إلى مجتمع ما في إطار ثابت تحكمه الصُّورة النَّمطيَّة الَّتي كوَّنها أبناء المجتمعات الأخرى عنهم، أي كما عرَّفها براون بأنّها “تصنيف شخص على أنَّهُ يتَّصف بصفة لمجرَّد انتمائهِ لثقافتهِ”. (براون، 1994، ص: 218).

وفي مجال تعليم العربيَّة يثير موضوع القوالب الثقافية والتَّعميمات حول أفراد مجتمع العربيَّة نقاشاً طويلا، ومثيراً، ومتشابكاً لما يحمله من موضوعات، ورؤى، وآراء تحتاج إلى التّمحيص الدّقيق إضافة إلى الوعي والفهم العميق لمجمل الظروف والأحداث والتَّصوُّرات التي شكَّلت هذه القوالب، فهي “مسألة حسَّاسة فيما يتعلَّقُ باللُّغة العربيَّة وثقافتها؛ لأنَّ كثيراً من المفاهيم الخاطئة تكونُ مزروعة في أذهان الطَّلبة نتيجة الصُّورة السَّائدة في وسائل إعلامهم”. (الرهبان، 2016م، ص:8).

وترى الباحثة أنَّ تعدُّد وسائل الاتِّصال والإعلام في عصرنا الحاضر، وبروز السِّمة الفرديَّة في استعمالهِ، وتلقي المعلومات وإرسالها بين الأفراد يجعل تأثير الإعلام الرَّسميّ أقل، وفرصة التحقُّق وتمحيص المعلومات واختبارها أكبر بين المعلِّمين والمتعلِّمين.

ولكنْ كيف يمكن أنْ تؤثِّر الآراء المقولبة في عملية تعلُّم اللغة وتعليمها؟ إنَّ حكمنا على الأشياء والأشخاص، وحتَّى أساليب الكلام مع من حولنا وطرائقه تحتكم إلى رؤيتنا الخاصّة، وثقافتنا، وأنماط حياتنا الَّتي أَلِفْنَاها. وعند التَّواصُل مع مجتمع لغوي مختلف سنقوم بتعميم نظرتنا وأحكامنا على نظرتهم وأحكامهم، وطرائقهم في الحياة والكلام بشكل تلقائيّ وعفويّ بحسبان أنَّها الطريقة الصَّحيحة، وهذا ما يتسبَّبُ بوقوع مشكلات، وأخطاء تداولية في الموقف واللُّغة المستعملة فيه، ممَّا يؤدِّي إلى عدم نجاح تواصلنا اللغوي.

لذلك من الضروري فهم الاختلافات الثَّقافيَّة بين الأفراد والمجتمعات اللُّغويّة، وفهم المعايير الاجتماعيّة والثقافيّة والتّداوليّة الكامنة وراء سُّلوك النَّاس في بيئة مكانيَّة محدَّدة. ولكن هل يمكن التّعريف بالمعايير الاجتماعيّة والثّقافيّة في المجتمع اللُّغوي الهدف في عمليَّة تعليم اللُّغة وتعلُّمها؟ “إنَّ محاولة التَّعريف بالمعايير الثّقافية أمراً ليس سهلاً بسبب العادات والتَّقاليد، والمعتقدات والقيم وأنماط التَّفكير، والتي تسهم كلّها في هذه المعايير”. (Ishihara& cohen, 2010, p: 12_13).

يعلِّق بيرجر ولوكمان Berger و Luckmann على الفكرة السَّابقة ذاتها بقولهما إنَّ: “ماهو حقيقي بالنسبة إلى الراهب التبتي قد لايكون حقيقياً بالنسبة لرجل الأعمال الأمريكي”، وأكَّدا على ضرورة معرفة “ليس فقط العمليَّات والطرق التي من خلالها يمكن للفرد عدّ الحقائق الخاصة بمجتمع ما معروفة في المجتمعات البشرية الأخرى، ولكن أيضاً العمليات التي تقوم بها أي مجموعة من الناس لتقديم المعرفة على أنَّها حقيقة اجتماعيَّة”. Berger, Luckmann, 1967, p:15)).

يُسهِّل القول السَّابق فهم طبيعة القوالب الثّقافيّة، وطريقة التَّعامل مع الصُّعوبات الَّتي تواجهنا عند الاصطدام بصورة نمطيَّة سلبيّة كانت أم إيجابيَّة، خاطئة أم صحيحة، لها أساسها الواقعيّ أم لا، منطقيَّة أم مبالَغاً فيها، وربَّما مناقشة مفهوم الصُّورة النَّمطيَّة في حدِّ ذاتها قبل مناقشة صورة محدَّدة لمجموعة ما يسهِّل عمليَّة مناقشة أي صورة موجودة لدى الطَّالب بوضوح أكثر، وقد مهَّدَ أبو عمشة لمناقشة القوالب الثّقافيّة عندما خصَّص لها دروساً تعرضها من خلال عرض الأسئلة الآتية، وطلب مناقشتها مع المتعلّمين في المستوى المتقدِّم، وهي:

  1. “ماهي الصورة النمطية؟
  2. ماهي بعض الصور النمطية؟
  3. كيف يتمّ تصوير بلدك نمطياً؟
  4. هل تصنف الناس نمطياً؟ لماذا نعم ولماذا لا؟
  5. هل يساعدك التنميط بطريقة ما؟
  6. كيف يمكن أن تكون الصور النمطية ضارّة؟
  7. هل تعتقد أنَّها فكرة جيِّدة أنْ تقوم بتصوير الناس بصورة نمطية؟ هل هناك صورة نمطية جيدة وأخرى سيئة؟
  8. كيف يمكن للقوالب النَّمطيَّة أنْ تضر بفرص العمل بالنسبة لك؟
  9. ما الفرق بين الصور النمطية والأحكام المسبقة؟
  10. هل الصور النمطية مسيئة أم مضحكة أم واقعية؟ فسِّر.
  11. ما هي بعض الصور النمطية للناس على أناس من ثقافتك؟
  12. ما هي بعض الصور النمطية من ثقافتك عن الثقافات الأخرى؟
  13. ما هي بعض الصور النمطية للرجال عن النساء؟
  14. ما هي بعض الصور النمطية للنساء عن الرجال؟
  15. هل يجب أنْ تجرم الصورة النمطية؟
  16. ما الصور النمطية وكيف تؤثر في حياة الناس؟
  17. هل يمكن وصف التنميط بأنّه نوع من أنواع التنمر؟ لماذا نعم ولماذا لا؟
  18. كيف يمكن لوسائل الإعلام (الصحف، التلفزيون، الأفلام) المساعدة في الحدّ من التنميط؟
  19. هل تعتقد أنَّ مجموعات معيَّنة أكثر عرضة للتنميط من غيرها؟ إذا كان الأمر كذلك لماذا؟
  20. برأيك ما الذي يمكن للفرد فعله للمساعدة في تقليل التحيز والقوالب النمطيَّة”؟ (أبو عمشة، 2021، ص: 164، 165).

وقدْ تمّ طلب مناقشة الأسئلة السَّابقة من خلال لعب الأدوار على أساس أنَّها سلسة أسئلة حواريَّة بين شرقي وغربي، أو حوار مع سائح صيني، وفي هذا تمييز واضح بين القوالب الثقافية الموجودة بين  الشرق الأوسط والغرب والشرق الأقصى والأدنى، وختم بطلب عرض حوار تلفزيوني حول الصورة النمطية للغرب في وسائل الإعلام العربيَّة.

التدريب السَّابق تطبيق عملي لفكرة بيرجر ولوكمان؛ فالمناقشة بالطريقة المطروحة قادرة في نهاية الحوار على إعادة  الفكرة الآتية إلى الواجهة لدى المتعلِّمين عند تواصلهم مع مجتمع اللغة الثانية: إنَّ الحقائق التي يتبناها الرّاهب التّبتي ليست حقيقة لدى رجل الأعمال الأمريكي، والعكس صحيح.

إنَّ فهم طبيعة الصور النَّمطيَّة، واختبارها، ومعرفة أبعادها وتحليلها مرتبط بالثّقافة المكوِّنة للمعايير الاجتماعيَّة، والتي تختلف في كثير أو قليل حتَّى بين أفراد المجموعة الواحدة، وعليه فلابدَّ هنا من التَّمييز بين الثّقافة الموضوعيّة والذَّاتيَّة، أي الثقافة الكبرى الخاصة بالجوانب المؤسسية والنظم والعلاقات السياسية والاقتصادية للمجتمعات، والثقافة الذَّاتيَّة الخاصَّة بالأفراد وإنتاجهم وأنماط حياتهم وهو ما يسمَّى الثقافة الصُّغرى[1]، وتشير الثقافة الذاتية إلى “الأنماط التي يمكن تعلُّمها وتقاسمهما، والمعتقدات وسلوكيات المجموعات المتفاعلة من الناس، أو بعبارة أخرى، الميزات الفلسفية والنفسية والأخلاقية التي تميز مجموعة من الناس عن غيرهم”. (Ishihara& cohen, 2010, p: 13).

ويُشَار كذلك إلى أنَّ أفراد المجتمع اللُّغوي الواحد يختلفون  فيما بينهم في الطّريقة الّتي يمارسون فيها اللُّغة في موقف تواصليّ محدَّد، لكنَّهم يتَّفقون في تفضيل معايير على أخرى في سياق محدَّد، إذْ “تشير المعايير التّداوليّة بذلك إلى مجموعة من الميول أو الأعراف لاستخدام اللُّغة على نحو تداولي، والتي تعدُّ غير مطلقة أو ثابتة، ولكنّها اعتياديّة أو مفضلة عموما في مجتمع اللغة الثانية”. (المرجع السَّابق، ص: 13).

لكنَّ ما يهمُّ في موضوع تعليم العربيَّة هو طريقة تعاطي المتعلِّمين معها، وفهمهم لها بما يضمن نجاح عمليِّة التَّواصُل اللغوي، وامتلاك القدرة التّداوليَّة المحددَّة بمعايير المجتمع اللُّغوي الاجتماعيّة والثّقافيّة والتّداوليّة. ويلخص إيشيهارا وكوهين الأشياء التي ينبغي الانتباه لها فيما يتعلَّق بالمعايير الاجتماعيَّة والثقافيَّة للتداوليَّة في ثلاثة أمور هي: (المرجع السَّابق، ص: 14).

  1. يجب أن يميِّز التعليم تمييزاً واضحاً بين النّظرة النّمطية للثقافات، والتّعميمات أو الميول العامة. وبالإضافة إلى ذلك، فمن المفيد للمعلمين وسم الثّقافة بأنّها متباينة، ومتنوِّعة وتتغيَّر بمرور الوقت، وليست وحدةً متجانسةً أو كياناً ثابتاً أو ساكناً.
  2. يُعد التّساؤُل حول درجة تغيير المتعلِّمين في الواقع لتفسيرهم للمعايير الاجتماعيّة والثّقافيّة في اللُّغة الثّانية واقعيّاً، ويمكن استكشافه في مشروع بحث في فصل دراسي.
  3. يُترَك الموضوع للمتعلمين أنفسهم فيما إذا كانوا سيختارون أنْ يصبحوا ملائمين تداولياً. لأنَّهم حتّى إذا حصلوا على فهم للقيم الاجتماعية والثقافية، فإنه من الممكن أنْ يقاوموا ملاءمة المعايير التداولية خلال أدائهم التداولي.

خلاصة القول أنَّ المعايير اللغويَّة تخضع للمعايير الاجتماعيَّة، وسلوكنا اللُّغوي محكومٌ بسلوكنا الثَّقافي لأنَّه جزءٌ من الموروث الاجتماعيّ الذي نشأت المجموعة الكلامية عليه، ويحكم حياتها، ويقود تفكيرها بطريقة مختلفة عن أي مجموعة أخرى في الكون. وهذا ما يفسِّرُ رغبة بعض المتعلِّمين في عدم ملاءمة أسلوب كلامهم بشكل كلِّيّ مع أسلوب كلام المجموعة الهدف، وعليه فإنَّ تبنِّي نموذج التَّثاقُف من نوع (التَّكيُف) والَّذي ينتج عنه متحدِّث متعدِّد الثَّقافات واللُّغات خيارٌ مفضَّلٌ لدى الباحثة ومتوافقٌ مع ما تمّ عرضهُ آنفاً.

السّؤال الخامس: كيف تؤثّر المسافة الاجتماعيّة في أنماط تثاقف المهاجر مع المجتمع المضيف؟

يرافق عملية تعلُّم المهاجرين اللُّغة الثَّانية في حدودها القومية، تعلُّم ثقافة ثانية بالضرورة، إذ إنَّ اكتساب الوعي اللُّغويّ لا يتمّ إلا من خلال الإطار الاجتماعيّ للغة، وعليه فإنَّ التثاقف هو عملية اكتساب ثقافة ثانية. (Rudmin, et al, 2015, p: 2).

وقد بدأ ظهور مصطلح التثاقف في عشرينيّات القرن الماضي، وازدادت الأبحاث حول هذا المفهوم اتِّساعاً وتنوُّعاً مع ازدياد الهجرة والتَّنقُّلات للأفراد والجماعات حول العالم، وتكفي الإشارة إلى أنَّ أبحاث التّثاقف بدأت بمعدل تسعة أبحاث لكلّ عقد في بداية القرن العشرين، ووصلت بين عامي (2005 و 2014) إلى ستَّة آلاف بحث في أحدث إحصائية قام بها Rudmin رودمين وآخرون، بالاعتماد على فهرسة (PsycINFO) قاعدة بيانات ملخصات الأدب في مجال علم النّفس لأبحاث التّثاقف، والجدول الآتي يوضِّح ذلك:    (Rudmin, et al,2015, p:4).

الجدول رقم (2) يمثل تزايد عدد أبحاث التثاقف  Acculturation وفق قاعدة بيانات ملخصات الأدب النظري في مجال علم النفس لأبحاث التثاقف (PsycINFO)

العقد عدد المقالات عند البحث بوساطة السابقة <accultura>
1925_1934م 9
1935_1944م 43
1945_1954م 91
1955_ 1964م 134
1965_1974م. 203
1975_1984م 577
1985_1994 1422
1995_2004 3233
2005_2014م 6010

تَضاعُف أعداد الأبحاث بين عقد وآخر، وتحديداً في العقود الثّلاثة الأخيرة يعكس أهمية الموضوع المدروس، وتشير الباحثة إلى اختلاف أصول دراسة موضوع التّثاقف بين علم الاجتماع وعلم النَّفس، والصَّحة العامَّة، وانتقال هذا البحث لاحقا إلى مجال اللّسانيّات التّطبيقيّة ممثلة في تعلُّم اللُّغات الثانية، جعل هذا البحث متفرِّعاً، يصعُب تناوله من جوانبه جميعها، وعليه فإنَّ الباحثة اقتصرتْ في هذا الباب على عرض أصوله في علمي النَّفس، والاجتماع، مع الابتعاد عن دراسته ومناقشة تأثيره في الصَّحة العامَّة، وإن كان يتقاطع مع موضوع البحث، بعداً عن التَّشعُّب والإسهاب، وطلباً للتركيز في موضوع أثره في عمليَّة تعلُّم اللُّغة وتعليمها.

لذلك سيتناول المبحث فيما يأتي التّعريف بمفهوم التثاقف في مجال تعليم اللُّغات الثّانية، مع الإشارة إلى أنَّ مفهوم التثاقف في حدِّ ذاتِهِ نشأ في كنف علم الاجتماع و علم النَّفس، والفلسفة، ولكنَّ شومان قام بأول خطوة عملية لنقل هذا المفهوم ودراسة تأثيره في مجال تعلُّم اللُّغات الثَّانية بشكل كمّيّ في حدود علم الباحثة.

تعريف التَّثاقُف: يعرِّف شومان التثاقف بأنَّهُ “التكامل الاجتماعي والنَّفسي للمتعلِّم داخل مجموعة اللغة الهدفTL”. (Schumann, 1986, 379).

ويعرِّفه Murray موري وآخرون  بأنَّهُ “عملية ديناميكية يتغير فيها الأفراد والجماعات بمرور الوقت عند الاتصال بثقافة أخرى” (Murray, et al, 2015, p:2).

ويشير مصطلح التَّثاقُف كما أوردت كيم بصورة بسيطة إلى “العمليَّة الَّتي يكتسب الأفراد من خلالها على الأقل بعض جوانب ثقافة البلد المضيف”. (Kim, 2017, p:3).

من التَّعريفات السَّابقة؛ نجد أنَّ التَّثاقف عملية تغيير من النَّاحيتين النَّفسيَّة والاجتماعيَّة (تعريف شومان)، تحتاج مُدَّة من الزَّمن (تعريف موري وآخرين)، وهي عمليَّة متدرجة لا آنية، تتمّ عند الانتقال من بيئة لغويَّة ثقافيَّة إلى أخرى؛ أي إنَّهُ: “عملية متعدِّدة الأبعاد تتكون من التقاء الممارسات والقيم والتعريفات بين الميراث الثقافي والمستجدَّات الثّقافية”. (Schwartz, et all. 2010, p: 237). كما أشارتْ كيم إلى فرديَّة عمليَّة التّثاقُف؛ أي أنَّ الأفراد يتطوَّرون ويكتسبون جوانب محدَّدة من ثقافة البلد المضيف بشكل مختلف ومتنوِّع وغير محدَّد.

ولا بدّ من الإشارة هُنا إلى أنَّ هذا الاختلاف في تعريف المصطلح يصبُّ في باب التّكامُل، لا الاختلاف، فكلُّ تعريفٍ منها ركَّز على جانبٍ من جوانب عمليّة التَّثاقُف، وهذا ما سيقودنا إلى الحديث عن العوامل المؤثِّرة فيه، والمنسجمة مع التّعريفات، كما سيردُ من تفصيلٍ في هذا الباب.

وعليه فإنَّ عمليَّة التثاقف؛ أي اكتساب الثَّقافة الثَّانية تمرُّ بأربع مراحل. أوَّلها: الصَّدمة الثَّقافيَّة الّتي تمَّت الإشارة إليها سابقاً، والَّني تُسبَق بمرحلة الإثارة والرغبة القوية في التعرف على المجتمع الجديد، أما المرحلة الثّانية فهي مرحلة التَّشتُّت وإعادة الإدماج، والثَّالثة هي الشِّفاء التَّدريجي أو الاستقلال الذَّاتي، والأخيرة هي الاستقلال. أي إنَّ مراحل الصَّدمة في معظم أدبيات البحث هي ذاتها مراحل التَّثاقُف، ولذلك سيكتفي البحث هنا بعرض الجوانب الَّتي تُدرَس عند دراسة عمليَة التّثاقف بشكل تجريبي، والَّتي لخَّصها وارد وكينيدي في أربعينَ بنداً تشكِّل بمجموعها عناصر التَّكيُّف الاجتماعي والثَّقافي في بيئة اللُّغة والثَّقافة الثَّانية، والَّتي تؤدِّي إلى حدوث المرحلة الأخيرة من مراحل عمليَّة التثاقف (أو الصَّدمة) وهي الاستقلال، ويُقاس مدى تكيُّف الأفراد في بيئة الثّقافة الجديدة بمدى قدرتهم على التَّعامل مع أكبر عدد ممكن من القضايا الآتية بسهولة من دون حدوث إجهاد أو ارتباك وسوء فهم بينَ المواطنين والوافدين، وهي:(Ward &Kennedy, 1999, p: 663).

  • 1 . تكوين صداقات.
  • 2 . استخدام نظام النقل.
  • 3 . تقديم نفسك وأفكارك بطريقة واضحة ومفهومة.
  • 4 . الاعتياد على طبيعة الحياة ونظامها.
  • 5 . الذهاب إلى السُّوق.
  • 6 . الذهاب إلى المناسبات الاجتماعية والتجمعات والمناسبات.
  • 7 . العبادة بطريقتك المعتادة.
  • 8 . التحدث عن نفسك مع الآخرين.
  • 9 . فهم النكات والفكاهة.
  • 10 . التعامل مع شخص غير مرحب به أو معارض لرأيي أو عدواني.
  • 11 . الاعتياد على الطعام المحلي أو إيجاد الطعام الذي تستمتع به.
  • 12 . اتباع القواعد والقوانين.
  • 13 . التعامل مع أصحاب السلطة (الأعلى مكانة).
  • 14 . التعامل مع البيروقراطية.
  • 15 . التكيف مع السكن المحلي.
  • 16 . التواصل مع الناس من مجموعات عرقية مختلفة.
  • 17 . التعامل مع فرد من الجنس الآخر.
  • 18 . التعامل مع الخدمة غير المرضية.
  • 19 . السَّير في الطريق الصحيح.
  • 20 . التعامل مع المناخ.
  • 21 . التعامل مع من يحدق فيك.
  • 22 . الذهاب إلى المقاهي أو المطاعم أو محلّات الوجبات السريعة.
  • 23 . فهم اللهجة المحلية أو اللغة.
  • 24 . العيش بعيداً عن أفراد الأسرة في الخارج بشكل مستقل عن والديك.
  • 25 . التكيف مع الآداب المحلية.
  • 26 . الاعتياد على الازدحام.
  • 27 . التعامل مع المسنين.
  • 28 . التعامل مع ذوي المكانة العليا.
  • 29 . فهم ما هو مطلوب منك في الجامعة.
  • 30 . التعامل مع العمل الأكاديمي.
  • 31 . التعامل مع الطلبة الوافدين في الجامعة.
  • 32 . التعبير عن أفكارك في الفصل الدّراسي.
  • 33 . العيش مع عائلتك المضيفة.
  • 34 . فهم النظام السياسي المحلي.
  • 35 . فهم وجهة نظر السكان المحليين للعالم.
  • 36 . فهم الثقافة من وجهة نظر محليَّة.
  • 37 . فهم نظام القيم المحلية.
  • 38 . رؤية الأشياء من وجهة نظر السكان المحليين.
  • 39 . فهم الاختلافات الثقافية.
  1. 0 القدرة على رؤية جانبين من قضية متعددة الثقافات.

تشكِّل البنود السَّابقة خطوات وطرائق تحقيق تثاقف فعَّال مع مجتمع اللُّغة، والثقافة الثّانية، (مع حذف البند 15 المطابق تماما للبند 3، والبند 29 المتطابق تقريباً مع البند 13)، وهي في مجموعها تشكِّل بنود الكفاية البين ثقافيّة الَّتي تمكِّن أي فرد من دخول ثقافة جديدة والتَّفاعل معها، مع الحفاظ على ثقافته الأصليَّة، بحيثُ يستطيع الوقوف بين الثقافتين والحكم على أي عنصر أو نمط ثقافي من وجهة نظر أفراده.

وقد جعلها الباحثان وارد وكينيدي في مجموعتين إحداهما تتعلَّق بالجانب النَّفسي، والأخرى بالجانب السُّلوكي المتعلِّق بالفهم الاجتماعي، فالتَّكيُّف “عبر الثقافات يمكن تقسيمه إلى مجالين نفسي (عاطفيّ/ فعاّل) واجتماعي ثقافيّ (سلوكيّ). يشير الأول إلى الرفاه النّفسيّ أو الرضا؛ ويتعلق الأخير بالقدرة على  المشاركة، واكتساب المهارات المناسبة ثقافياً، والتّفاوض مع الجوانب التّفاعلية للبيئة المضيفة”. .(Ward &Kennedy, 1999, p:660)

أي إنَّ التثاقف الجيِّد كما أشار الباحثان في القول السَّابق يساعد في اكتساب المهارات المناسبة واللّازمة للتفاعل، ويشكِّل الاتِّصال اللغوي أحدها؛ ممَّا يجعله عاملاً مساعداً في اكتساب اللُّغة، ولذلك لايمكن اكتساب اللُّغة في سياق معزولٍ ثقافيَّاً، ويمكننا القول، “باعتبار العلاقة التّرابطيّة العضويّة بين كلٍّ من اللُّغة وثقافتها، إنَّ تعلُّم اللغة العربية بالنسبة للأجانب يصير هدفاً صعب المنال إن لم يتم تعلم الثقافة التي تستعمل فيها هذه اللغة”. (مسعودي، 2017م، ص: 130).

وقد أورد العساسفة وكاتبي العناصر الآتية للتثاقف أو كما أسمياه: عناصر الاندماج الاجتماعي: (كاتبي والعساسفة، 2015م، ص: 854):

  1. النشاطات الثقافية والاجتماعية.
  2. العادات والتقاليد.
  3. المجتمع المسلم.
  4. تبادل الزيارات.
  5. العمل.
  6. متابعة أخبار البلد.
  7. طول الإقامة.

وترى الباحثة أنَّ عناصر الاندماج الاجتماعيّ المذكورة آنفاً؛ والَّتي ذكر الباحثان أن الطُّلبة الأجانب أجمعوا على أنّها تساعد في عمليَّة الاندماج والتَّكيُّف الاجتماعيّ، جزء من مقياس التّكيُّف النَّفسيّ والاجتماعيّ الَّذي ذكره وارد وكينيدي 1999، ولا تختلف معها إلا في أنَّ العناصر المذكورة لدى وارد وكينيدي أكثر تفصيلاً، ويعود هذا التفصيل في البنود إلى أنَّ أبحاث وارد وكينيدي مختصَّة في مراحل التثاقف، ومدى تحققه، والعوامل المؤثّرة فيه، وليس في علاقتها مع تعلُّم اللُّغة فقط، وعلى اللسانيين الاجتماعيين الاستفادة من نتائج الأبحاث، وتوظيفها في الربط بين المجالين.

وقد أوردتْ كيم Kim (Kim, 2017, p: 6-8) عدداً من العوامل الَّتي تؤثِّر في عمليّة التَّثاقُف توجزها الباحثة فيما يأتي:

أولاً: العوامل المتعلِّقة بالقدرة على التَّواصُل مع ثقافة المضيف من خلال تحقيق ثلاث كفاءات رئيسة وهي: الكفاءة المعرفيّة، والكفاءة العاطفيّة، والكفاءة البراغماتيّة[2].

وفيما يأتي شرح لكلّ منها:

آ. الكفاءة المعرفيّة: تشمل معرفة اللُّغة والثّقافة المضيفة، والتَّاريخ والمؤسسات الاجتماعية وقواعد السُّلوك بين الأشخاص، ومعرفة لغة المجتمع المضيف بشكل أساسيّ بما في ذلك فهم كيفية التواصُل مع المتحدثين الأصليين بطرق مناسبة في السياقات المحليَّة.

ب. الكفاءة العاطفيَّة: القدرة العاطفيّة والتّحفيزيّة للتعامل مع مختلف تحديات العيش في البيئة المضيفة، فالتَّوجُّه الإيجابي تجاه الآخر يولِّد انفتاحاً أكبر ويقلِّل من السَّلبيَّة غير المسوّغة تجاه التَّجارب الثقافية الجديدة. كما تشمل الكفاءة العاطفيّة تطوير القدرة على تقدير الحساسيّات العاطفيّة والجمالية للسكان المحليين والمشاركة فيها.

ج. الكفاءة البراغماتيّة (التّداولية): والتي من خلالها تعمل القدرات المعرفيّة والوجدانيّة لخلق القدرة على التّعبير الصّحيح عن طريق اختيار مزيج من الأفعال اللّفظيّة وغير اللّفظيّة في التّعاملات الاجتماعيّة للبيئة المضيفة.

وتختم كيم هذه الفقرة بالتَّأكيد على أهمية “أنظمة الاتِّصال المختلفة من راديو وتلفزيون وصحف ومجلات وأفلام وفنّ وأدب وموسيقى ودراما، إذْ يتفاعل المتعلِّمون الأجانب مع البيئة الثّقافيّة المضيفة من دون تدخُّلات شخصيَّة مباشرة؛ أي إنَّها تساعد في التَّعلُّم الثقافي الجديد خارج السِّياق الاجتماعيّ المباشر”.

ثانياً: عوامل البيئة: وهنا تتفق كيم (kim, 2017) مع  شومان (Schumann, 1976)في تحديد العوامل البيئية التي تختصرها الباحثة فيما يأتي:

  1. مدى تقبل المجتمع المضيف للوافدين.
  2. مدى رغبة الوافدين في الاندماج بالمجتمع المضيف.
  3. مدى قوة وسيطرة إحدى المجوعتين على الأخرى.
  4. حجم كل من المجتمعين؛ المضيف والوافدين.
  5. طول مُدَّة إقامة الوافدين في مجتمع اللغة الهدف.

ثالثاً: الاستعدادات الفرديّة: تشير كيم إلى أنَّ درجة القرب أو البعد (المسافة) بين متعلِّم اللُّغة الوافد، وأفراد مجتمع اللغة الهدف من الاستعدادات الفردية أيضاً، “من حيث التّشابه النسبيّ الثّقافي واللُّغويّ والمادِّي أو الاختلاف، والتّوافق (أو عدمه) تقف الخصائص العامَّة للوافد والسُّكان الأصليين على إعاقة تكيُّف الفرد لأنَّها تقدِّم حاجزاً نفسياً بين الفرد والبيئة الاجتماعيّة المحليّة، فمن المرجَّح أنْ يجدَ الشَّخص الَّذي تتوافق قيمه، ومعاييره الثّقافية إلى حد كبير مع قيم السُّكان الأصليين أنَّ البيئة المضيفة أقل إرهاقاً. كما يتيح هذا التّوافق للفرد اكتساب كفاءة الاتّصال بالمضيف بشكل أكثر سلاسة والمشاركة في عمليّات التواصل الاجتماعي مع المجتمع المضيف بسهولة أكبر”. (Kim, 2017, p: 11).

وإضافةً إلى المسافة الاجتماعية المشار إليها سابقاً، أشارت إلى سمات أخرى للشخصية تؤثّر في عملية التثاقف، وتسهِّل التَّكيُّف، مثل: “قوة الشخصية، والمجازفة، والقدرة على الصمود، والمثابرة، والمرونة، والسّيطرة الذّاتيّة”. (ibid. p: 11).

السّؤال السّادس: ما أنماط تثاقف المهاجرين مع مجتمعاتهم المضيفة؟ وأيّها الأكثر توازناً وثباتاً؟

حدّد شومان الأنماط الثقافيّة (أنماط التّثاقُف) الّتي يتفاعل من خلالها المهاجرون مع أفراد مجتمع اللغة الهدف في ثلاثة أنماط من التفاعل مع نمط الحياة والقيم في المجتمع الهدف، كما يأتي::(Schumann,1976, p: 136-137)

  1. الاستيعاب: وفيه تقرر مجموعة اللغة الثانية الاندماج، فتقوم بالتخلي عن أسلوب حياتها وقيمها، وتبني قيم مجموعة اللغة الهدف.
  2. التّثاقف: إذا اختارت مجموعة اللغة الهدف التآلف أو كما سمَّاهُ فورنهام Furnham (Furnham, 2005, p: 21) بالتكيُّف، فعندئذ يتآلف أعضاؤها مع نمط حياة وقيم مجموعة اللّغة الهدف، ولكن في الوقت نفسه يحافظون على أنماطهم الثّقافيّة الخاصّة بهم لاستخدامها في العلاقات داخل المجموعة.
  3. الانغلاق: هو استراتيجية ترفض فيها مجموعة اللُّغة الثّانية تماماً نمط حياة وقيم مجموعة اللُّغة الهدف وتحاول الحفاظ على نمطها الثّقافي قدر الإمكان.

ويؤكد شومان أنَّ “الاستيعاب يعزز الحد الأدنى من المسافة الاجتماعية، ويؤدي الانغلاق إلى الحدّ الأقصى منها”. (.(Schumann,1976, p:137

وقد جعل بيريBerry 1980. p:9-25)  , ) أنماط التثاقف على أربعة أشكال تحدِّدها قضيتان مركزيتان هما “الحفاظ على الهوية الثقافية، والاتصال والمشاركة في المجتمع المضيف وثقافته، وهي: الاندماج، والاستيعاب، والفصل، والتهميش. ولمعرفة نمط التثاقف يطرح السؤالين الآتيين:

السُّؤال الأوَّل: هل يجب الحفاظ على الهويّة الثّقافيّة، والعادات ذات الأهمية؟

والسُّؤال الثَّاني: هل يجب السعي إلى علاقات أوسع ذات قيمة مع المجتمع المضيف؟

وتحدِّد أشكال الإجابات الآتية نمط التّثاقف:

آ. (نعم، نعم) تكيُّف.

ب. (لا، نعم) استيعاب (بحسب شومان) أو اندماج.

ج. (نعم، لا) انغلاق.

د. (لا، لا) تهميش.

وتتَّفق الباحثة مع الرّأي القائل إنَّ النّموذج ثنائيّ الأبعاد هو النّموذج الأفضل لمتعلِّم اللُّغة بين الثّقافات، إذ إنَّه يسمح “بإمكانية التّعددية الثّقافيّة، ويزوِّد الفرد بالقيم والممارسات في كلّ من السّياقات الثقافية الّتي يستقبلها من المجتمع المضيف، والمجتمع الأصليّ”. (Schwartz, Zamboanga, 2008, p: 275).

كما يتفق فرنهام مع شومان في أنَّ التّكيف أو التّثاقف بدرجة متوسطة متوازنة بين المجموعتين يؤدِّي إلى تعلُّم أفضل للغة، ويحقق درجة من التَّثاقف أكثر توازنا ونجاحاً لأنَّه يقلّل من التّوتر والإجهاد الّذي يتعرّض لهُ المهاجر (متعلم اللغة الثانية)  في المجتمع الجديد، و “يشير مفهوم التكيُّف عادة إلى العملية التي بموجبها يقلل الأفراد من إجهاد التثاقف، ويتعلّمون قواعد الثّقافة الجديدة. الوقت المستغرق في التكيف الثقافي هو في المقام الأول دالّ على درجة الصدمة الثقافية، وصدمة التثاقف”. (Furnham, 2005, p: 21).

يشير فرنهام هنا إلى أنَّ طول فترة التكيف يدلُّ على صدمة ثقافية أعلى، في حين أنَّ المُدَّة الأقل، تدلُّ على صدمة أخفَّ، وفي هذا طريقة لقياس درجة الصَّدمة التي لم يتم قياسها بشكل كمِّي في حدود علم الباحثة.

وتؤيِّد الباحثة رأي شومان وفرنهام، إذْ إنَّ التكيُّف المتوازن مفضَّل على الانغلاق أو الاندماج (الاستيعاب لدى شومان)، فهو يحقق لالمهاجر (متعلم اللغة الثانية)  نوعاً من الحفاظ على الهُوية، إضافةً إلى فرصة التَّوافق والتَّآلُف وفهم مجتمع اللُّغة الهدف، ولكن كيف تتطبَّق هذه الفكرة في صفوف تعليم اللّغات الثانية؟

يتيح التّحليل الثّقافي التّقابليّ بمشاركة المتعلِّمين وضع كلٍّ من أنماط الحياة في مجتمع اللُّغة الهدف وقيمه، والمجتمع الأصليّ للطالب بأنماطه وقيمه في مقابلة حقيقيَّة تتيح للطالب فهم كلٍّ من النّمطين، وإيجاد الاختلافات والاتِّفاقات بين الثقافتين، ممَّا يحقِّق فهماً أعمق قد لا يمكن تحقيقه فيما لو تمَّ الاستيعاب والاندماج بدرجة عالية، أو الانغلاق الَّذي يمنع فهم الثقافتين على حدٍّ سواء في رأي الباحثة. ويمكن تطبيق ذلك في صفوف تعليم اللغات الثانية بربط أي سؤال أو نشاط ثقافيّ حول الثّقافة الهدف بثقافة المتعلِّم الأصليَّة.

ويتَّفق عبيد مع كرامش Kramsch في موضوع التَّقدُّم في التثاقف من خلال فحص الثقافتين في وضع تقابلي:

“إنَّ فهم المتعلِّم الثقافة الأجنبية لا يكون إلا إذا وضعت الثقافة الأم والثقافة الأجنبية جنياً إلى جنب. فتفاعل المتعلِّمين مع النصوص أو متكلِّمي اللغة سيضطرهم إلى أن ينشئوا المعاني بأنفسهم، لا أن يكون لهم معلمون ينقلون لهم المعلومة حول الثقافة والأفراد، وهذا ما يوفر الفرص لهم كي يأخذوا على عاتقهم صناعة المعنى وفهمه والتفكير فيه في ضوء الثقافة المنطلق والثقافة الهدف. على هذا النحو ينشأ فضاء جديد تسميه كرامش بفضاء التثاقف أو التواصل الثقافي الذي ينهض المعلمون بدور مهم في تشكيله عندما يسعون أوقات تعليم اللغة إلى تعميق وعي الطلاب بخصائص ثقافتهم الأصلية وخصائص الثقافة الأجنبية، والمطلوب من واضعي البرامج أن يأخذوا بعين الاعتبار الخلفيات الاجتماعية والثقافية للمتعلمين حين يختارون المواد التعليمية والمقاربات الموجهة لسياقات تدريسية محددة، وألا يغضوا الطرف عما يحمله الطلاب معهم إلى القسم من قيم وانتظارات وتجارب على قدر ما يتنكر لها المعلم، يصاب الطالب بالخيبة والإحباط ومن ثم يخفق في تعلم اللغة الأجنبية. (عبيد، 2015م، ص:8-9).

في النتيجة يفضِّل الباحثون الذين تمَّت مناقشة أفكارهم سابقاً نمط (التَّكيُّف) مع ثقافة مجتمع اللُّغة الثانية، وهذا ما تتّفق معه الباحثة إذ إنَّه يوفِّر نموذجاً مثالياً بدلاً من نموذج المتحدِّث الأصلي في اللغة الهدف، والَّذي أشارت إلى عدم صلاحيته في المبحث الأوَّل، ليحلَّ محلَّه نموذج المتحدِّث متعدِّد الثقافات، فلتحديد “البعد الاجتماعي والثقافي للكفاءة التواصلية، فقد اقترحنا أن نموذج المتحدث متعدد الثَّقافات يجب أنْ يحل محل نموذج المتحدِّث الأصليّ”. (Byrne& Zarate , 1996, p: 241)

سابعاً: نتائج البحث:

  • تبيّن أنّ الصدمة الثقافية تُعد من أبرز العوائق النفسية والسلوكية التي تُصيب المهاجرين، خاصة في المراحل الأولى من الهجرة، وتُؤثّر في قدرتهم على التفاعل والانخراط في البيئة الجديدة.
  • هناك تأثير مباشر لـ الحواجز اللغوية في قدرة المهاجرين على التواصل، ما ينعكس سلباً على فرص التعليم والعمل والتفاعل المجتمعي.
  • أثبتت القوالب النمطية المنتشرة عن بعض فئات المهاجرين أنّها تضعف ثقة المجتمع المضيف بهم، وتخلق حواجز ذهنية تُعيق أي تقارب ثقافي فعّال.
  • إنّ غياب التثاقف المتبادل يُنتج نوعاً من العزلة الثقافية والانغلاق، خاصة عند اقتصار العلاقة بين المهاجرين والمجتمع المضيف على البُعد الرسمي أو الخدمي فقط.
  • تؤثر صيغ التلطّف (التهذيب التداولي) في تحسين جودة التفاعل بين المهاجرين والمجتمع المضيف، حيث تُعد مؤشّراً على الوعي الثقافي والتواصلي للمهاجر.

ثامناً: المقترحات:

  • دراسة العلاقة بين مستوى التهذيب التداولي عند المهاجرين وكفاءتهم اللغوية، وأثر ذلك في سرعة اندماجهم.
  • مقارنة تأثير الصدمة الثقافية بين اللاجئين القسريين والمهاجرين الطوعيين.
  • تحليل سياسات التعددية الثقافية في دول مختلفة (مثل كندا وألمانيا) ومدى فاعليتها في تخفيف حدة العوائق الثقافية.
  • إجراء دراسات ميدانية مقارنة بين تجارب الاندماج الناجحة والفاشلة في بيئات سوسيولوجية مختلفة.

تاسعاً: التوصيات:

  1. ضرورة إدراج برامج تدريبية ثقافية ولغوية للمهاجرين فور وصولهم، تشمل المهارات اللغوية، والمعايير الاجتماعية، وصيغ التهذيب اللغوي.
  2. تطوير سياسات اندماج مرنة تأخذ بعين النّظر الخلفيات الثقافية للمهاجرين، وتقوم على مبدأ التّعدديّة لا الانصهار.
  3. تعزيز دور المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية في خلق فضاءات تواصل وتفاعل حقيقي بين المهاجرين وأبناء المجتمع المضيف.
  4. إعادة النظر في الصورة النمطية عن المهاجرين في وسائل الإعلام وبرامج التوعية العامة.
  5. دعم البحث العلمي متعدد التخصصات لدراسة أنماط التثاقف والصّدمة الثقافية وتأثيرها في سياسات الاندماج.

المراجع بالعربية:

  1. براون، دوجلاس. (1994م). أسس تعلم اللغة وتعليمها. ت: د. عبده الراجحي وعلي أحمد شعبان. بيروت: لبنان. دار النهضة العربية.
  2. الرَّهبان، أحمد: (2016م). مكوِّنات الكفاية الثَّقافيَّة في تعليم اللُّغة العربيَّة للناطقينَ بغيرها “التَّدريس وآليَّات التَّقويم”. أبحاث مؤتمر إسطنبول الدولي الثاني تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها إضاءات ومعالم، إسطنبول.
  3. عبد الستار مجيد الصفار، زينة. (2006م). نظرية الصورة الذهنية وإشكالية العلاقة مع التنميط. مجلة الباحث الإعلامي. مجلد 1 عدد 2. كلية الإعلام. جامعة بغداد: العراق. ص: 117_147.
  4. عبيد، حاتم. (سبتمبر 2015). البعد الثقافي في تعليم العربيّة لغةً ثانيةً من وجهة نظر لسانيَّة تداوليَّة: نظريَّة التأدُّب نموذجاً، اللسانيات العربية، العدد 2 مجلة علمية محكمة تصدر عن مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية. الرياض: السّعوديَّة. ص: 118-147.
  5. كاتبي، هاديا عادل. والعساسفة، المثنى مدا لله. (2015). الاندماج الاجتماعي لدى عينة من متعلمي اللغة العربية الناطقين بغيرها في الجامعة الأردنية. دراسات. العلوم الإنسانية والاجتماعية. المجلد 42. العدد 3. مركز اللغات. الجامعة الأردنية. ص: 847-858.

المراجع بالإنكليزية:

  1. Adler, P. (1975). The transition experience: An alternative view of culture shock. Journal of Humanistic Psychology, Vol 15. No 4. p: 13–23.
  2. . AlBatal, M (1988). Towards cultural proficiency in Arabic. Foreign Language. Annals, 21, (5). P: 443-453.
  3. Brown, p. & Levenson, S C. (1987). Politeness: some Universals in Language Usage. Cambridge University Press.
  4. Berger, P L. & Luckmann, T. (1967). The Social Construction of Reality A Treatise in the Sociology of Knowledge. Penguin Books. England.13. Byon, A, S. (2004). Sociopragmatic analysis of Korean requests: pedagogical settings. Journal of Pragmatics. 36. P:1673–1704.
  5. Culpeper, J. (1996). Towards an anatomy of impoliteness. Journal of Pragmatics. VOL: 25. P: 349-367.
  6. Hewstone, M. Giles, H. (1997) Social Groups and Social Stereotypes. In: Coupland N., Jaworski A. (eds) Modern Linguistics Series. Palgrave, London. P: 270-283.
  7. Farnia, M & Yazdani, E. (2018). Politeness Strategies in Remindings. A Cross-cultural Study of Iranian EFL learner and Americans. Journal of Intercultural Communication. issue 46. P: 1-20.
  8. Hussein, O, H. Albakri, I, S, M, A. (2019). The Essential Role of Teaching Pragmatic in the Iraqi EFL Classroom. Journal of Education and Practice. Vol,10. No,4. P: 74-78.
  9. Berry, J. W. (1980). Acculturation as varieties of adaptation. In A. M. Padilla (Ed.), Acculturation: Theory, models, and some new findings. Boulder, CO: Westview. p: 9-25.
  10. Byrne, M & Zarate, G. (1996). Defning and assessing intercultural competence: some principles and proposals for the European context. Language Teaching. Volume 29. Issue 04. p: 239 – 243.
  11. Furnham, A. (2005). Culture Shock, Homesickness and Adaptation to a Foreign Culture. Psychological Aspects of Geographical Moves Homesickness and Acculturation Stress. Amsterdam Academic Archive. Tilburg University Press, Tilburg. p: 17-34.
  12. Fishman, J, A. (1956). An Examination of the Process and Function of Social Stereotyping. The Journal of Social Psychology. 43:1. P: 27-33. Ishihara, N & Cohen, A. (2010). Teaching and Learning Pragmatics. Where Language and Culture Meet. Longman Applied Linguistics. United Kingdom.
  13. Kim, Young Yun. (2017). Cross-Cultural Adaptation. OXFORD RESEARCH ENCYCLOPEDIA, COMMUNICATION. Oxford University Press USA. P: 1-23.
  14. LI Dongfeng. (2012). Culture Shock and Its Implications for Cross-Cultural Training and Culture Teaching. Cross-Cultural Communication. 8 (4). P: 70-74.
  15. Miranda A.L. van Tilburg and Ad J.J.M. Vingerhoets. (2005). Psychological Aspects of Geographical Moves Home sickness and Acculturation Stress. Amsterdam Academic Archive. Amsterdam University Press.
  16. Murray, K A. Klonoff, E A. Garcini, L M. Ullman, J B. Wall, T L. & Myers, M G. (2015 September). Assessing Acculturation Over Time: A Four-year Prospective Study of Asian American Young Adults. Asian Am J Psychol. 5(3). P: 252–261.
  17. Oberg, K. (1960). Cultural Shock: Adjustment to New Cultural Environments. PRACTICAL ANTHROPOLOGY. July, August 7. P: 177-182.
  18. Rudmin, F. Wang, B. Castro, D,J. (2015). Acculturation Research Critiques and Alternative Research Designs. Handbook of Acculturation and Health. Oxford University Press.
  19. Schumann, J H. (1976). Social Distance As A Factor In Second Language Acquisition. LANGUAGE LEARNING. Vol: 26. NO: 1. University of California: Los Angeles. USA. P: 135-143.
  20. Schumann, J H. (1986). Research On The Acculturation Model For Second Language Acquisition. Journal of Multilingual and Multicultural Development. 7:5. The University of California at Los Angeles: Los Angeles. TESL/Applied Linguistics. P: 379-392.
  21. Schwartz, S. J., Unger, J. B., Zamboanga, B. L., & Szapocznik, J. (2010). Rethinking the concept of acculturation implications for theory and research. American Psychologist. Vol 65. No. 4. P:237-251.
  22. Schwartz, S. J. & Zamboanga, B. L. (2008). Testing Berry’s model of acculturation: A confirmatory latent class approach. Cultural Diversity & Ethnic Minority Psychology. 14. p:275-285.
  23. Tilburg, Miranda van. & Vingerhoets, Ad (eds.). (2005). Psychological Aspects of Geographical Moves. Homesickness and Acculturation Stress. Without edition. Amsterdam University Press. Amsterdam.
  24. Ward, C. Bochner, S & Furnham, A. (2005). The Psychology of Culture Shock. Second Edition. USA and Canada. Taylor & Francis.
  25. Ward, C, & Kennedy, A. (1999). The measurement of sociocultural adaptation. International Journal of Intercultural Relations, Vol: 23. No, 4. p: 659-677.
  26. Wijayanto, A. Prasetyarini, A. & Hikmat, M H. (2017). Impoliteness in EFL: Foreign Language Learners’ Complaining Behaviors Across Social Distance and Status Levels. SAGE Open. P: 1-15.

الشابكة:

  1. أبو عمشة، خالد. (2021). دليل الشراكة اللغوية لمعلمي العربية للناطقين بغيرها ومتعلميها. معهد قاصد. الشابكة. تاريخ الدخول: 24 كانون الثاني 2021.

https://l.facebook.com/l.php?u=https%3A%2F%2Fwww.uatfnns.com%2

  1. مؤتمر فيلادلفيا الدولي الثاني عشر، 2008. ثقافة الصورة في الإعلام والاتصال. جامعة فيلادلفيا (عمان، الأردن). كلية الآداب والفنون.
  2. 3. واجايايا، أوين. ترجمة: محمد عبد الكريم يوسف. مبادئ التهذيب عند جيفري ليتش. الشَّابكة. تاريخ الدُّخول 21|كانون الثَّاني| 2021م. https://thakafamag.com/?p=5835
  3. Loya, J Noyola y. (n.d). Culture Shock: A literature review. National Cheng Chi University Communication Theories Final Paper Professor: Sewen Sun. p: 1-18. Rrtrieved: 14|3|2020.

https://scholar.google.com/scholar?q=Culture+Shock:+A+literature+review+Julio+Noyola+y+Loya&hl=ar&as_sdt=0&as_vis=1&oi=scholart

  1. 5. Oberg, K. (1954, August 3). CULTURE SHOCK. Presented to the Women’s Club of Rio de Janeiro, Brazil. Retrieved 22\8\2019.

http://citeseerx.ist.psu.edu/viewdoc/download?doi=10.1.1.461.5459&rep=rep1&type=pdf

[1]. قسَّم البطل الثَّقافة إلى كبرى وصغرى عند تحديد أهداف تعليم الثقافة، والثَّقافة الصُّغرى تُعْتَى بالرُّؤية الذَّاتيَّة للأفراد من وجهة نظر الباحثة، وكما ألمح البطل إلى ذلك(AlBatal, 1988, p:443_453)..

[2]. ترجمت الباحثة كلمة:  (operational) الواردة في النّصّ الأصلي إلى كلمة (براغماتية) ولم تترجمها إلى التشغيلية أو العملياتية كما وردت في ترجمات أخرى، لأنَّ توضيح معناها في تتمة النص يشير إلى فهم كيفية التّواصل مع المتحدثين الأصليين بطرق تناسب السِّياقات المحليّة، وهو تعريف الكفاءة البراغماتيّة أو التّداوليّة. (Kim 2017,p: 7).

5/5 - (1 صوت واحد)

المركز الديمقراطي العربي

مؤسسة بحثية مستقلة تعمل فى إطار البحث العلمي الأكاديمي، وتعنى بنشر البحوث والدراسات في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم التطبيقية، وذلك من خلال منافذ رصينة كالمجلات المحكمة والمؤتمرات العلمية ومشاريع الكتب الجماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى