البرامج والمنظومات الديمقراطيةالدراسات البحثيةالقانونية والعلوم الاداريةالمتخصصة

الجريمة الدولية والقانون الواجب التطبيق على الجريمة الدولية

اعداد الباحث :  سيد طنطاوى محمد سيد – المركز الديمقراطي العربي

 

ملخص:

إن السلام هو أحد أهم المصالح الضرورية لاستمرارية الحياة في المجتمع الدولي حتى يسود الأمن والهدوء بطريقة مستقرة. ولذلك ، فإن السلوك البشري ، الذي يهدف إلى التأكيد على هذا الاهتمام هو جريمة تعاني من أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها بناء هذا المجتمع. وهكذا ، ومهما كانت مظاهره ، يعاقب على هذا السلوك بوصفه جريمة ذات طابع دولي من أجل مكافحة الأعمال التي ترتكب جرائم دولية ، فقد تم إبرام العديد من الاتفاقات الدولية في مجال القانون الدولي العام والتعاون الدولي في المسائل الجنائية. تشكل هذه الاتفاقيات مجموعة كاملة من القواعد القانونية الدولية. وقد حرص العاملون في قانون العقوبات في العالم على تكملة النقص التشريعي الناشئ عن ظهور الجريمة الدولية على المسرح الدولي فالقانون الجنائي في المجال الوطني  يقوم بحماية القيم والمصالح المعتبرة لدى الجماعة في ذلك المجال، وذلك من خلال المعاقبة على الأفعال التي تشكل انتهاكاً لتلك المصالح والقيم المعتبرة، ومن ثم فهو يقوم بتوفير الحماية الجنائية في المجال الوطني، وذات الوظيفة يقوم بها القانون الدولي الجنائي من خلال توفير الحماية الدولية الجنائية في المجال الدولي، من خلال القيام بتوفير حماية للمصالح والقيم التي تهم الجماعة الدولية والمعاقبة على الأفعال التي تشكل انتهاكاً لها. ويعد القانون الدولي الجنائي موضوعاً مهماً من مواضيع القانون الدولي العام انطلاقاً من طبيعته التي تمكنه من إضفاء الحماية الجنائية في النطاق الدولي، ومرد هذه الأهمية المرتبطة بطبيعة الحماية المتعلقة بطبيعة قواعده التي ترتكز إلى مفهوم الجزاء الذي يترتب عن مخالفة قواعده كونه ذا طبيعة عقابية.

Abstract:

Peace is one of the most important interests necessary for the continuation of life in the international community so that security and tranquility can prevail in a stable manner. Therefore, human behavior, which aims to undermine this interest is a crime that suffers from one of the main pillars on which the construction of this community. Thus, whatever its manifestations, this conduct is punishable as a crime of an international characterIn order to combat acts that constitute international crimes, many international agreements have been concluded in the field of general international law and international cooperation in penal matters. These agreements constitute a whole set of international legal rules. Those working in the penal code in the world have taken care to supplement the legislative deficit created by the emergence of international crime on the international stage.The criminal law in the national sphere protects the values ​​and interests of the group in that area by punishing acts that violate those interests and values, and thus provides criminal protection in the national sphere and functions under international criminal law through To provide international criminal protection in the international sphere by providing protection for the interests and values ​​of concern to the international community and punishing acts that violate them.International criminal law is an important subject of international public law, based on its nature, which enables it to give criminal protection in the international sphere, because of the importance of the nature of protection relating to the nature of its rules, which is based on the concept of punishment.

المقدمه:

كثر الكلام عن الجريمه الدوليه،واحتارفى تعريفها واختلفت الاراء وتشابكت التعريفات ومع ذلك ظلت عناصرها الاساسيه واضحه وأستقر الفقه على أن هذه العناصر انما تكمن فى طبيعة الجريمة الدولية ذاتها فهى فعل او امتناع أرادى غير مشروع يصدر عن صاحبه بالمخالفه لاحكام القانون الدولى بقصد المساس بمصلحه دوليه يكون العدوان عليها جديرا بالجزاء الجنائى، وليس كل فعل تتوافر فيه هذه الصفات يعد جريمه دوليه فالمصلحه الدوليه المعتدى عليها يجب ان تكون مصلحه جوهريه بل واساسية ومؤثره فى استمرار المجتمع الدولى وفى أمنه وسلامته  ولذلك بذلت جهود جباره فى سبيل تحديد مايعتبر ومالايعتبر من تبيل الجرائم الدوليه ، ثم تكتشف الحاجه الى بذل المزيد من الجهد لتدوين ما استقر عليع العرف والقضاء أو الاتفاق الدولى على قواعد تتعلق بهذه الجرائم والعقاب عليها. وعنيت هذه الجهود بوضع قانون جديد يسمى بالقانون الدولى الجنائى .وقد تتبعناهذه الجهود والتى تزعمتها الجمعيه الدولية لقانون العقوبات .منذ تاريخ انشاء هذه الجمعيه فى سنة1924 الى يومنا هذه .وتبين لنا انها كانت تسعى ضمن اهدافها  الى انشاء محكمه دوليه جنائيه تختص بالنظر فى الجرائم الدوليه  وعقاب مرتكبيها وذلك الى جانب اهتمامها بتقنين وتدوين القانون الدولى الجنائى فى مجموعه قانونيه دولية متكامله تكملها مجموعه اخرى تحوى القواعد الاجرائيه التى تنظم اختصاصات المحكمه المنشوده . ولم يكتب لمشروع انشاء المحكمه الدوليه الجنائيه النجاح ولك جهود التقنين والتدوين اتت بثمارها .وبدت طوائف الافعال التى توصف بانها جرائم دوليه تاخذ مكانها فى الاتفاقيات الدوليه وعلى رأسها جرائم الحرب ،والجرائم التى ترتكب ضد السلام والجرائم التى ترتكب ضد الانسانيه أوبتعبير افضله الجرائم التى ترتكب فى حق الانسان . وقد خصصنا الفصل التمهيدى من هذه الدرلسه لاستعراض المحاولات التى بذلت لتدوين القانون الدولى الجنائى .وبعد ذلك تعرضنا للمعايير التى اخذ بها القانون الدولى الجنائى فى تأثيمه للافعال الوارده بالاتفاقيات الدوليه ووصفها بانها جرائم دوليه وقد بينا الاساس القانونى للتجريم فى الجرائم التى توصف بانها دوليه .وبطبيعة الحال اضطررنا الى التصدى لتعريف الجريمه الدوليه ولبيان الفروق بينها وبين الجريمه الداخليه اى الجريمه الجنائيه العاديه .ثم فرقنا بينها وبين الجريمه السياسيه ، ثم بينها وبين الجريمه العالمية وجرائم قانون الشعوب .وقد وجدنا انه من المفيد ونحن بصدد التعرف على العناصر المكونه للجريمه الدوليه المبذوله فى نطاق المنظمات الدوليه والقضاء الدولى لتعريف بعض الجرائم الدولية .واخترنا جريمة الاباده الجماعيه كنموذج لهذه الجرائم بل كصوره لاخطر هذه الجرائم على الاطلاق . ومن خلال دراسة هذه الجريمة استخلصنا عددا من النتائج الهامه أدت فى مجموعها الى انارة الطريق لنا فى التعرف على عناصر الجريمه الدوليه وسهلت مهمة وضع تعريف مناسب لها. وبعد تحديد معالم الجريمة الدولية انتقلنا – في المبحث الثالث – الي تحديد القانون الواجب التطبيق علي الجريمة الدوليه.وهنا وجدنا مشكلة البحث وهي الخلط بين تعبيري القانون الدولي الجنائي – كفرع حديث من فروع القانون الدولي العام – والقانون الجنائي الدولي وهو قانون تستقي قواعده من القوانين والتشريعات الجنائيه الوطنيه في مختلف دول العالم . وبيننا اسباب التماس بين التعبيرين وأهمها استخدام لفظ ” دولي ” في كل منهما 0 وبذلنا جهودا جادة في سبيل فض الاشتباك بين التعبيرين وذلك ببيان صلة كل منهما بالقانون الدولي العام ثم تحديد نطاقيهما بما لا يؤدي الي الخلط  بينهما .

وفي نهاية البحث أوضحنا كيف أن مرتكب الجريمه الدولية لا يتصور الا أن يكون شخصا طبيعيا وأن دور الدول فيها لا يتعدي دور الشريك بمعني أن الدولة – باعتبارها شخصا معنويا – لا يمكن تصورها كفاعل أصلي يمكن محاسبته وفقا لقانون العقوبات بين الدول ،كما أنه لا يمكن تصور اخضاعها لكثير من العقوبات الجنائيه خاصة تلك التي تندرج تحت فئة العقوبات الأصليه . لما في ذلك من مساس بسيادة الدول ، ولعدم وجود هيئه أعلي من الدول يمكنها تطبيق الجزاءات الزاجرة عليها عند انتهاكها لأحكام القانون الدولي  .

وانتهينا في بحثنا الي أن القانون الدولي الجنائي  – وهو فرع حديث من فروع القانون الدولي العام . وهو وحده صاحب الاختصاص الأصيل في حماية النظام العام الدولي من صور العدوان الجسيمة التي يؤثمها القانون الدولي العام ويسميها بالجرائم الدوليه ، وأن اختصاص القانون الجنائي الدولي – من ناحيه أخري – يبقي محصور في مواجهة مشاكل الاختصاص الجنائي التي يسببها وجود عنصر أجنبي في الجريمة  . وهو ذات الدور الذي يقوم به القانون الدولي الخاص في المسائل المدنيه ومن ثم فلا مناص من القول بأن القانون الجنائي الدولي ماهو الا قانون وطني في جذوره .

تمهيدي:

في شأن المحاولات التي بذلت لتدوين القانون الدولي الجنائي:

السلام العالمي حلم عبر التاريخ وسيظل حلما ،ما دامت المنظمات الدوليه والهيئات العالميه والاقليميه التي أنشئت استجابة لكتابات الفلاسفه والفقهاء وعلماء الاجتماع والاقتصاد وساسة العالم لم تف بالغرض الذي أنشئت من أجله . وبين هذه الهيئات عصبة الأمم ، والوكالات الدوليه المتخصصة والمرتبطه  بالأمم المتحده ،والجماعة الاقتصاديه الأوروبية  ( السوق الأوروبيه المشتركة ) ، ومجلس أوروبا ، ومنظمة الدول الأمريكية .

وفي اطار هذه المنظمات انبثقت تنظيمات أخري كلها تسعي بطريق أو بآخر الي الوصول الي هدف واحد وهو تحقيق السلام العالمي . وللانصاف نقول أنه وان كانت هذه التنظيمات لم تشبع حاجة الانسان الي السلام الا أنها خطت خطوات واسعة نحو تحقيقه .

ويعتبر السلام من أهم المصالح اللازمه لاستمرار الحياة في المجتمع الدولي حتي يسوده الأمن والطمأنينة علي نحو مستقر . وعلي ذلك فالسلوك البشري الذي يهدف النيل من هذه المصلحه يعد جريمه تنال من أحد الدعائم الرئيسيه التي ينهض عليها بناء هذا المجتمع . ومن ثم فان هذا السلوك  – أيا كانت مظاهره – انما يستوجب العقاب عليه باعتباره يشكل جريمة ذات صبغة دولية .

وليس السلام وحده هو الجدير بالحماية الدولية الجنائية هنا . فهناك مصالح أخري جديرة أيضا بهذه الحماية في المجتمع  الدولي لعل أهمها الحفاظ علي الجنس البشري . فأية محاولة لابادة جنس من الأجناس يجب أن تقع تحت طائلة العقاب باعتبارها جريمة دولية .

وبينما يستلزم الحفاظ علي السلام تجريم العدوان ، نجد أن حماية الجنس البشري تستلزم تجريم أفعال شتي مثل الأعمال التي تهدف ابادة جنس من الأجناس وكذا الأعمال التي تشكل مساسا بالانسانية مثل التعذيب ، والتمييز العنصري ، وخطف واحتجاز الرهائن ، واجراء التجارب الطبية أو العلمية علي الأفراد . والرق والاستعباد ، والتهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد الأفراد المتمتعين بالحماية القانونية الدولية . وما الي ذلك من الأفعال التي تهدد مصالح  يشترك في الرغبة في القضاء عليها كافة أعضاء المجتمع الدولي لأنها تمس كيان هذا المجتمع وتزلزل أركانه ودعائمه.

وبالقطع هذه الأفعال انما تتصف بالدوليه لآنها تنطوى على مساس بمصلحه دوليه تتمتع بالحمايه القانونيه .لكن ليس هذا هو السبب الوحيد -فى تقديرنا-لآسباغ الصفه الدوليه عليها وتسميها بالجرائم الدوليه. فالجريمه الدوليه غالبا ماترتكب باسم دوله ولحاسبها بالمخالفه لأحكام القانون الدولى التى تؤثم الفعل. ولذلك -وأخذا بالأتجاه العام فى الفقه هى (( جريمة يرتكبها فرد أو أكثر باسم دوله او بناء على طلبها ، او بتشجيع منها بقصد المساس بمصلحة دوليه يكون العدوان عليها محل تأثيم فى نظر المشرع الدولى)).

فبينما يقع السلوك الأجرامى العادى والصادرعن الفرد تحت طائلة قانون العقوبات المحلى ، ويحاكم مرتكبه امام القضاء الوطنى ثم يوقع العقاب عليه بواسطة الأجهزه التنفيذيه المختصه.نجد ان السلوك الدولى الأجرامى الذى يرتكب اضرارا بمصلحه دوليه لايستند فى تأثيمه الى قانون دولى جنائى مكتوب ولاتتكفل باصدار الأحكام فى شانه محكمه دولية جنائيه رغم مسيس الحاجه الى تنظيم دولى فى هذا الشان . ولسد هذا النقص التشريعى والتنظيمى فى ميدان الجرائم الدوليه عمل المشتغلون بقانون العقوبات فى العالم جنبا الى جنب مع فقهاء القانون الدولى على تكملة التنظيمات الدوليه القائمه بتنظيمات اخرى لها صفة عقابيه .وقد كانت النتائج محدودة الأثر ومع ذلك ظل الأمل فى انشاء محكمه دوليه جنائيه تطبق مجموعة قواعد قانونية دوليه جنائيه يداعب خيال الفقهاء.

وقد بدأت المحاولات التى بذلت فى سبيل تحقيق هذا الحلم فى سنة 1872 عندما اجتمعت جهود الفقهاء فى الولآيات المتحده الأمريكيه-والتى كانت طرفا فى جهود السلام على اخراج مجموعه قانونيه دوليه اوحى اليهم بها الفقيه (( دافيد فيلدذ)). بمشروعه الذى عرف بمسودة أو مدونة (فيلدذ). غير ان هذه المدونه لم تخرج الى حيز التنفيذ، ولكنها بقيت فى اذهان الفقهاء الى يومنا هذا وعلى مستوى العالم.وفى سنة 1924 أنشئت الجمعيه الدوليه لقانون العقوبات.ونص نظامها الأساسى على ان يكون من ضمن اهدافها تنمية القانون الدولى الجنائى على الصعيدين النظرى والعملى معا بحيث يؤدى ذلك الى قانون دولى جنائى عالمى النطاق على ان يتم فى نفس الوقت التنسيق بين قواعد الأجراءات الجنائيه المطبقه فى العالم .وهكذا كان ضمن ابرز تخصصات الجمعيه الدوليه لقانون العقوبات تدوين وتنمية القانون الدولى الجنائى .وكان من حظ الجمعيه ان يتمتع بعضوية مجلس ادارتها احد كبار الساسه فى العالم وهو الفقيه (بيلا) وقد اسهم بيلآ فى جهود السلام فى الفتره من 1924 الى 1930 الى ان شهدت اوربا قيام النازيه .وبفضل جهوده فى هذه الفتره شهد العالم ثمار المحاولات التى بذلت لتبنى قانون دولى جنائى متكامل . وقد تزعمت الجمعيه الدوليه لقانون العقوبات الجهود المبذوله فى سبيل تكوين مجموعه قانونيه دوليه جنائيه بالأشتراك مع مجمع القانون الدولى والأتحاد البرلمانى الدولى الذى انشىء فى سنة 1875.

وقد اسفرت هذه الجهود فى المؤتمر الدولى الأول حول قانون العقوبات الذى عقد فى بروكسل سنة 1926 عن تبنى قرار بانشاء محكمه دوليه جنائيه ،وفى سنة 1928 تقدمت اللجنه الخاصه والتابعه للجمعيه الدولية  لقانون العقوبات بمسودة مشروع للنظام الأساسى لهذه المحكمه .ومنذ ذلك الحين صار واضحا للعيان ان مثل هذه المحكمه لابد وان تحتاج الى مجموعه قواعد قانونيه دوليه جنائيه .     وطلبت الجمعيه الدوليه لقانون العقوبات من الفقيه (بيلآ) اعداد مسوده مشروع للمجموعه المذكوره -وتم ذلك بالفعل ، ونشرت المجموعه فى ستة 1935. وانتكست جهود الجمعيه بعد ذلك بقيام النازيه .ولم يعد الوقت مناسبا لاستكمال هذه الجهود.ومع ذلك فقد انعقد مؤتمر دولى حول الأرهاب فى جنيف سنة 1937 واسفر المؤتمر عن تبنى اتفاقيه دوليه فى شأن قمع الأرهاب .وقد اشارت الأتفاقيه الى ضرورة انشاء محكمه دوليه جنائيه للنظر فى الأفعال المتصله بالأرهاب..ولكن مما يؤسف له ان هذه الأتفاقيه لم يكتب لها ابدا ان تدخل طور التنفيذ.وكانت هذه هى اول مره يطرح فيها مؤتمر دولى مبدأ سيادة الدول جانبا ليرسى دعائم سيادة احكام القضاء الدولى الجنائى وتليها على النطاق الوطنى للأختصاص الجنائى الداخلى ….

وأتت الحرب العالميه التانيه -فيما بين سنة 1935 وسنة 1945-بمأسى يعجز البيان عن وصفها.وازدادت مطالب السلام الحاحا فى العالم بأسره . ونشطت الجمعيه الدوليه لقانون العقوبات من جديد بالتعاون مع نقابة المحامين فى نيويورك،والجمعيه الآمريكيه للقانون الدولى وذلك لأنعاش الاهتمام بتبنى مجموعه قانونيه دوليه جنائيه .

وكان الفصل للجمعيه الدوليه لقانون العقوبات فى تبنى الأمم المتحده لمشروعى سنة 1951،1953 بأنشاء محكمه دوليه جنائيه.ولكن سخونة الحرب البارده وانتشار أزمة الثقه بين الأيديولوجيات السائده فى العالم نتيجه لهذه الحرب ادى الى احباط الجهود المبذوله فى هذا السبيل .بل وامتدت اثار هذه الظروف لتطرح جانبا مشروع الأمم المتحده لسنة 1954 فى شأن مسودة مجموعة الجرائم التى ترتكب ضد سلام وامن الأنسانيه ..

وظل الأمر على ذلك الى ان تبنت الجمعيه العامه للأمم المتحده تعريفا للعدوان بقرارها الصادر فى 14 ديسمبر سنة 1974.وفى سنة 1974خصصت الجمعيه الدوليه لقانون العقوبات عددا خاصا -من مجلتها المعروفه بالمجله الدوليه لقانون العقوبات .واستمر موضوع وضع قانون دولى جنائى فى مكانه على رأس الموضوعات التى تناقشها الحلقات والمؤتمرات التى تنظمها الجمعيه الدوليه لقانون العقوبات على مدى السنين .وان كان كثير من الفقهاء قد ظل على رايه فى ان مثل هذا القانون لن يخرج عن دائرة التمنى .ومع ذلك لم تأل الجمعيه جهدا فى سبيل الوصول الى غايتها.بل وانشأت معهد للدراسات للعليا فى العلوم الجنائيه فى سيراكوزا بايطاليا تحت اشرافها العلمى .واختارت له سكرتيرها الأستاذ الدكتور /شريف بسيونى عميدا..وهو علم من اعلآم الفقه الدولى الجنائى .وله مؤلفات عديده وقيمه فى هذا الميدان .وقد نظم الفقيه المذكور عدة لجان دوليه شكلت من خبراء معروفين لتناول موضوعات معينه كان من ضمنها مشروع سنة 1978. حول اتفاقية لمنع وقمع التعذيب .وقد قدم هذا المشروع للأمم المتحدهلتبنيه.

وفى سنة 1979اكمل المعهد الدولى للدراسات العليا فى العلوم الجنائيه مشروعه فى شأن المجموعه القانونيه الدوليه الجنائيه المقترحه كخطوه اولى يجب ان تسبق الجهود فى سبيل انشاء محكمه دوليه جنائيه . وقد تقدم المعهد بمشروعه هذا الى الأمم المتحده ….ويعد هذا المشروع استمرارا للجهود التى بذلتها الجمعيه الدوليه لقانون العقوبات والتى كانت توجت من قبل بمشروع مماثل فى سنة 1935.ومشروع المجموعه الدوليه الجنائيه لسنة 1979 مشروع تتصدره مقدمه تاريخيه عن تطور القانون الدولى الجنائى ..وهو مكون من جزأين ؛

الجزأ الأول ؛ويحوى عشرين مادة.. وهو خلاصة مالا يقل عن مائة اتفاقيه .ويتناول المعالم الرئيسه للجرائم الدوليه المختلفه التى تقع تحت طائلة القانون الدولى الجنائى والتى تختص بنظرها المحكمه الدوليه الجنائيه المقترحه…وقد سمى الجزأ الأول بالجزء الخاص ويمكن للدول الأستعانه به فى تقنينها للجرائم الدوليه وأدخالها تشريعاتها الوطنيه..

اما الجزأ الثانى؛وهو الجزأ العام فهو خاص بالأحكام المتعلقه بالمحكمه الدوليه الجنائيه المقترحه .ويشكل هذا الجزأ صعوبه خاصه اذ تعترضه عقبه تتعلق بضرورة استيعاب مختلف النظم القانونيه فى العالم بأيديولوجياتها المتباينه لأحكامه.ولذلك لقى المشتركون فى وضع هذا الجزء من المشروع صعوبات جمه فى اختيار ألفاظه خاصه ماتعلق منها بالمسؤليه الدوليه الجنائيه ، وأركان الجريمه الدوليه الجنائيه ،والمبادىء التى تحكم الحصانه وطرق التنفيذ وحقوق الدفاع .وناهيك عن غير ذلك من المشاكل المتعلقه بموضعات دقيقه مثل اجراءات التنفيذ وما الى ذلك من الموضوعات .

ولقد كان من أولويات المسائل التى اهتم بها مشروع التصدى لتعريف بعض المصطلحات الأساسيه فى الموضوع . مثل الجريمه الدوليه والفرد والمسؤليه التنظيميه وماالى ذلك من مصطلحات القانون الدولى الجنائى التى تحيط بتعريفها صعوبات جمه خاصه عندما ارادوا واضعوا المشروع اختيار تعريف لكل من هذه المصطلحات يراعى فيه ان يتلأئم ومفهوم كافة النظم القانونيه فى العالم لهذه المصطلحات مع تبيانها فيما بينها تبيانا كبيرا .

ومع هذه الصعوبات خرج المشروع بنصوص -وان لم تكن قد حازت قبول كافة تلك النظم ألا انها بالقطع تشكل نقطة انطلاق على الطريق السليم.ولاغرابه فى ذلك فقد اشترك فى اخراجها مجموعتان من الخبراء تمثلان اعلام الفقه فى مختلف النظم القانونيه السائده فى العالم .

وقد خرج المشروع مؤكدا لكتابات وجهود الكثير من الفقهاء ممن اسهموا بكتاباتهم ونظرياتهم فى تنمية وتدوين القانون الدولى الجنائى على مدى عشرات من السنين .ويمثل المشروع اتجاهين رئيسيين فى هذا الصدد. الاتجاه الاول وهو اتجاه يقول بضرورة انشاء محكمه دوليه جنائيه تختص بنظر الجرائم الدوليه .وهى فكره غير مستحدثه.. ويرى واضعوا المشروع ان الأوان قد أن لتنفيذها على الرغم من المعارضه التى تلقاها هذه الفكره من بعض الفقهاء ممن يرون انها فكره نظريه ومثاليه وغير علميه .ولقوة هذا الرأى حاليا فقد خلى المشروع من أية نصوص تتعلق بنظام اساسى لهذه المحكمه وبلأئحة اجراءاتها اذ مازالت هذه المسأله خارجه عن نطاق المجموعه القانونيه الدوليه الجنائيه المقترحه .

اما الأتجاه الثانى فيرى ضرورة التزام الدول بمجموعه دوليه جنائيه (مجموعه قانونيه دوليه للجرائم الدوليه) تدرج نواهيها فى قوانينها الوطنيه بحيث يتم تطبيقها وتنفيذها من خلال نظمها القضائيه الجنائيه .ومعنى هذا ان هذا الاتجاه يستغنى عن فكرة أنشاء محكمه دوليه جنائيه متخصصه اكتفاء بالقضاء الوطنى للدول مادامت الجرائم الدوليه قد نص على تأثيمها فى التشريعات المحليه لهذه الدول ..واستجابه لهذا الأتجاه – وهو الأتجاه الغالب فى الفقه الدولى الجنائى فقد حوى المشروع قسما خاصا لتعداد الجرائم الدوليه ووصفها وبيان اركانها.وخيرالمشروع الدول بين ان تعهد هذا القسم الى محكمه دوليه جنائيه على النمط المبين بالقسم العام ،وبين ان تدرج احكام القسم الخاص فى تشريعاتها المحليه وان تعهد لقائها الوطنى بتطبيقها.. ويحتوى القسم الخاص على خلاصة ما يزيد على مائة اتفاقيه تغطى مختلف اوجه السلوك الاجرامى المحظور دوليا منذ سنة 1856 الى يومنا هذا.. ولم تكن مهمة تدوين ماجاء بهذه الاتفاقيه بالمهمه السهله بالنظر الى عدد هذه الأتفاقيات ،ومضمونها وطريقة تناولها للموضوع وأسلوبها فى علاجه فضلا عن اختلافها من حيث الصياغه والمصطلحات .

ومع ذلك فقد جاء القسم الخاص محتويا على تعداد الجرائم الدوليه الجسيمه . وقد تضمن هذا التعداد مايلى :

  • الأفعال التى وصفتها الأتفاقيات الدوليه القائمه بأنها جرائم دوليه.
  • الأفعال التى ستأخذ وصف الجرائم الدوليه بعد اقرار الأتفاقيات المعقوده بأنشائها والمعروضه على الأمم المتحده ولم يتم اقرارها بعد.
  • الأفعال التلى تحظر ارتكابها اتفاقيات دوليه معينه ولكن لاتعتبر من قبيل الجرائم الدوليه.
  • افعال تحظى بالأهتمام الدولى المعاصر وينتظر تناولها فى اتفاقيات دوليه .وقد بلغ عدد الأفعال التى ورددت بهذا القسم -والراجح انها وارده على سبيل المثال وليس الحصر – عشرين فعلاتقابلها عشرين ماده .وقد رتبت هذه الأفعال بحسب الطوائف المزكوره اعلاه . وبعباره اخرى جاء ترتيبها بحسب قوة مصدرها فى القانون الدولى . على النحو الآتى :

اولاً:: وعلى ذلك يندرج تحت الطائفه الأولى وهى طائفة الأفعال التى وصفتها الأتفاقيات الدوليه القائمه بانها جرائم دوليه مايلى من أفعال:

  • العدوان.
  • جرائم الحرب .
  • الأستخدام غير المشروع للأسلحه.
  • جريمة ابادة الجنس.
  • الجرائم التى ترتكب ضد الأنسانيه.
  • جريمة الفصل العنصرى.
  • الأسترقاق وما يتعلق به من جرائم.
  • التعذيب كجريمه من جرائم الحرب.
  • التجارب الطبيه غير المشروعه ((كجريمة الحرب)).
  • القرصنه.
  • الجرائم المتعلقه بالأتصالات الدوليه الهوائيه.
  • التهديد بأستخدام القوه وأستخدامها ضد الأشخاص المتمتعين بالحمايه الدوليه.
  • أخذ الرهائن المدنيين.
  • الأستخدام غير المشروع للبريد.
  • جرائم المخدرات .
  • التزوير والتزييف.
  • سرقة الكنوز القوميه والأثريه ((فى زمن الحرب)).
  • التدخل فى الكابلات البحريه.
  • الأتجار الدولى فى المطبوعات ((الفاضحه))أو الشائنه.

ثانيا: ويندرج تحت الطائفه الثانيه وهى طائفة الأفعال التى ستأخذ وصف الجرائم الدوليه مستقبلا بعد اقرار الآتفاقيات المعقوده فى شأنها والتى مازالت معروضه على الأمم المتحدة لأقرارها: التعذيب(( كموضوع لاتفاقيه متخصصه)). 

ثالثا: ويندرج تحت الطائفه الثالثه وهى طائفة الافعال الى تحظر ارتكابها اتفاقيات دوليه معينه ولكن لاتعتبر من قبيل الجرائم الدوليه:

  • التعذيب ((كانتهاك لحقوق الآنسان )).
  • التجارب الطبيه غير المشروعه ((كانتهاك لحقوق الانسان)).
  • سرقة الكنوز الوطنيه والأثريه ( فى زمن السلم باعتبارهاانتهاك لحق ثقافى متمتع بالحمايه القانونيه).

رابعا::ويندرج تحت الطائفه الرابعه وهى طائفة الأفعال التلى تحظى بالأهتمام الدولى المعاصر وينظر تناولها فى اتفاقيات دوليه:

  • التجارب الطبيه غير المشروعه فى زمن السلم.
  • تقديم الرشوه للموظفين العموميين الأجانب.

ويلاحظ ان القواعد المؤثمه للأفعال الوارده بالطائفه الاولى هى وحدها التى تعتبر من قبيل قواعد القانون الدولى العام فى مفهوم نص الفقره الأولى من الماده الثامنه والثلأثين من النظام الأساسى لمحكمة العدل الدوليه والتى تنص على أن (( وظيفة المحكمه الفصل فى المنازعات التى ترفع اليها وفقا لأحكام القانون الدولى ، وهى تطبق فى هذا الشأن :

(أ)الأتفاقيات الدوليه العامه والخاصه التى تضع قواعد معرفا بها صراحة من جانب الدول المتنازع.

فمما لاشك فيه ان الأتفاقيات الدوليه التى أثمت بعض الأفعال ووصفتها بأنها جرائم دوليه تعتبر مصدرا من مصادر القانون الدولى بأعتبارها من المعاهدات.وقواعدها قواعد قانونيه دوليه ملزمه مادامت هذه الأتفاقيات الجماعيه قد تم اقرارها من جانب اطرافها من الدول توقيعا وتصديقا.

ويرى فريق من الفقه ان الأفعال التى تندرج تحت الطوائف الثانيه والثالثه تأخذ حكم ما ورد بالطائفه الأولى .ولكن الراجح ان الطائفه الأولى وحدها هى التى تأخذ حكم قواعد القانون الدولى على وجه اليقين.. اما الأفعال الوارده بالطائفه الرابعه فيرى الفقهاء انها مازالت فى دائرة التوقع ولايجوز الأستناد اليها كمصدر من مصادر القانون الدولى ..

(1)تقرير بأعمال المؤتمر الاول للجمعية المصرية للقانون الجنائى ، الذى انعقد فى القاهرة فى الفترة من 13 – 17 مارس سنة 1987 ويتضمن :

(أ) تقرير الأستاذين أوتو تريفترير ، وليشن جارودوكسى فى شأن الجرائم الدولية وقانون العقوبات الوطنى – تقرير بولندا أمام اللجنة الرابعة للمؤتمر الاول للجمعية المصرية للقانون الجنائى – القاهرة 13 – 17 مارس سنة 1987 .

(ب) تقرير الأستاذ الدكتور/ رمسيس بهنام  – اللجنة الرابعة للمؤتمر الاول للجمعية المصرية للقانون الجنائى – القاهرة من 13 – 17 مارس سنة  1987  مجموعة تقارير المؤتمر . .

المبحث الأول:المعايير الى أخذ بها القانون الدولى الجنائى فى تأثيمه للأفعال الوارده بالأتفاقيات الدوليه ووصفها بأنها جرائم دولية:

تشترك الجريمه الدوليه مع الجريمه الوطنيه فى ان كلتيهما منافيه لأعماق الضمير البشرى ،كما ان كلتيهما تشكل عدوانا على الأنسانيه.ومع ذلك فتختلف الجريمة الدولية عن الجريمة الوطنيه من حيث الموضوع المباشر لهذا العدوان .فبينما تشكل الجريمه الوطنيه عدوانا مباشرا على الأفراد او الدوله نجد ان الجريمه الدوليه تشكل عدوانا مباشرا على المجتمع الدولى بأسره ، ولذلك تسمى الجريمه الدوليه بجريمة الأخلال بقانون الشعوب .

المطلب الأول: الأساس القانونى للتجريم فى الجرائم التى توصف بأنها دولية:     

وقد كثر الحديث عن الجريمه الدوليه وعن الصور التى تتخذها. وبذلت جهود كثيره فى تعريفها وفى تأصيل الفكره التى تكمن فى جوهرها والتى تميزها عن غيرها من الجرائم مثل الجريمه الداخليه والجريمه السياسيه والجريمه العالميه . (1)

غير ان مهمة تعريف الجريمه الدوليه لم تكن بالمهمه السهله .فلم تكن هناك نصوصا مكتوبه يعتمد عليها فى الأهتداء الى عناصر التعريف. واذاوجدت نصوص دوليه كالمعاهدات الشارعه أو الأتفاقيات الدوليه متضمن لبعض نمازج الجرائم الدوليه فأنه لايصح النظر الى هذه النصوص بأعتبارها منشئه لهذه الجرائم ، وانما هى كاشفه ومؤكده لها . ومن ثم الأعتماد على استقراء العرف الدولى وماتواتر عليه يعد امرا لازما فى مهمة التعريف.

وأستقراء العرف الدولى للتعرف على الجريمه الدوليه أمر يجب ان يتم بدقه.وأن يراعى فيه الأحتكام الى الأفكر التى ينهض عليها العرف مثل العداله والأخلاق والصالح الدولى العام ..وهي الأفكار التى دعت الى تأثيم بعض الأفعال ووصفها بأنها جريمه دوليه مثل جرائم العدوان والجرائم التى ترتكب ضد الأنسانيه ؛ وغيرها..

  • راجع تقرير الدكتور / رمسيس بهنام “الجرائم الدوليه ” – اللجنه الرابعه للمؤتمر الأول للجمعيه المصريه للقانون الجنائي – القاهرة 19 – 17 مارس سنة 1987 – مجموعة تقارير المؤتمر .
  • االأستاذ الدكتور/ حسنين ابراهيم عبيد ، الجريمة الدولية ، دار النهضة العربية ، 1979 .

واستقراء العرف بهذه الصوره ليس بلأمر السهل .فالعرف اقل وضوحا من القانون المكتوب. ومن الصعب أثبات وجوده والتعرف على حقيقة فحواه او مضمون قاعدته.ومع ذلك فالأسترشاد بالأفكار الأساسيه التى يقوم عليها العرف يهدينا الى الأفعال الجسيمه التى يكمن فيها الأعتداء على المصالح العليا للعائله الدوليه والتى تكون طبقا للعرف جرائم دوليه.

وكثيرا ما تكون الجريمه الدوليه مستقره فى العرف قبل ان تأخذ مكانها فى نصوص المعاهدات أو الأتفاقيات الدوليه بحيث يقتصر دور هذه الوثائق الدوليه على الكشف عنها. ومثال ذلك جريمة القرصنه عند من يعتبرها جريمه دوليه . فالنصوص الدوليه لاتفعل أكثر من الكشف عن صفتها غير المشروعه.

ومع تسليمنا بهذا الرأى ألا اننا نرى ان التقدم العلمى والتكنولجى الذى يشهده عالمنا المعاصر سوف يؤدى الى أدخال أفعال معينه فى دائرة الجرائم الدوليه دون ان يكون هناك عرفا سابقا يؤثمها.فهذه الأفعال ستفرض وجودها على المشتغلين بالقانون الدولى الجنائى بحكم التطور المخيف والتقدم المضطرد السريع الذى يكشف عنه العلم فى كل لحظه . (2)

ومع ذلك فالغالبيه العظمى من الأفعال التى وصفتها  الأتفاقيات الدوليه بأنها جرائم دوليه تستند الى عرف سابق .ومعنى هذا انه -ولو انه لايجوز ان تكون للقاعده التجريمية الدوليه أثرا رجعيا بحيث تحكم وقائع سابقه على العمل بها -الا ان الدور الكاشف للنصوص الدوليه سيفرض علينا وجوب تطبيقها على الأفعال التى ارتكبت قبل سريانها مادامت هذه النصوص مسبوقه بعرف دولى يؤثم هذه الأفعال.،

(1) الدكتور/محمد محى الدين عوض:دراسات عليا فى القانون الدولى الجنائى .مجلة القانون والأقتصاد سبتمر سنة 1965، العدد الثالث ، السنه الخامسه والثلاثون،من ص 950،951..

(2) ألأستاذ الدكتور / حسنين أبراهيم عبيد ، الجريمه الدوليه، دار النهضه العربيه 1979،ص 21،22

(3)الأمم المتحده وحقوق الأنسان -مكتب الأعلام العام- ألامم المتحده – نيويورك،1978..

وليس فى هذا التطبيق أهدار لقاعدة عدم الرجعيه اذ انه من المسلم به ان العرف مصدر من المصادر الأساسيه للقانون الدولى ..ولعل هذا هو الأساس الذى يفسر لنا القواعد التى سارت عليها محاكمات طوكيو ونيورمبرج عقب الحرب العالميه الثانيه فى معاقبة مجرمى هذه الحرب عن الأفعال التى ارتكبوها والتى تشكل عدوانا على السلام  واهدارا للانسانيه.. فى وقت لم تكن فيه هذه الأفعال قد أخذت مكانها فى الوثائق الدوليه. (1)

واعمال الرجعيه هنا ليس معناه اباحة أهدار مبدأ الشرعيه .

وهو المبدأ القائل بألآ جريمه ولا عقوبه الا بقانون،.ومؤداه عدم جواز محاكمة شخص عن فعل لا يعتبره القانون النافذ وقت أرتكابه جريمه بنص صريح.والنص الصريح فى الجريمه الدوليه قد يكون نصا فى معاهده أو اتفاقيه دوليه وقد يكون عرفا مستقرا . فمراعاة للطبيعه العرفيه للقانون الدولى الجنائى يستوى ان يكون الفعل منصوصاعلى صفته الأثمه فى معاهده أو أن ان يكون الفعل مؤثما بواسطة العرف مباشرة .وعلى ذلك لايجوز محاكمة اى شخص عن فعل لا يعتبره القانون الدولى الجنائى جريمه-فى حكم هذين المصدرين-وقت أرتكابه..

ولما كان احترام مبدأ الشرعيه-ولو من حيث روحه فى مجال القانون الدولى الجنائى من الضمانات الرئيسيه للعداله الجنائيه فقد أجتمعت الأراء على وجوب تدوين نصوص هذا القانون كمرحله يجب ان تسبق أنشاء المحكمه الدوليه الجنائيه المقترحه وذلك بغرض كفالة تحريم الأفعال بنصوص صريحه تتيح الأحترام الكامل لمبدأ الشرعيه على نحو ماهو قائم فى القانون الداخلى .

وبغير ذلك سيكون من الصعب جدا على القاضى الدولى ان يتصدى لتقدير الصفه الأجراميه للفعل وتحديد العقوبه  المناسبه وكيفية تنفيذها فى حالة غياب النص الصريح.

والأساس القانونى الأخير الذى يمكن أن يلجأ اليه فى تحديد الجرائم الدوليه- رغم رفضه فى نطاق القانون الداخلى – هو القياس..

(1)راجع مؤلف الأستاذ الدكتور/ حسنين أبراهيم عبيد، القضاء الدولى الجنائى -القاهره 1977 ، دار النهضه العربيه، ص 85 ،86 ، 91 ، …

والقياس مأخوذ به فى القانون الدولى الجنائى نتيجة لطبيعته العرفيه أيضا ..ففى حالة غياب النص او العرف المؤثم للفعل المراد وصفه بأنه جريمه دوليه يستطيع القاضى ان يسبغ الصفه الأجراميه على فعل معين عند اتحاد العله .فالواقع العملى قد يأتى بصور من الأجرام الدولى أشد ضراوه من تلك التى تواترعليها العرف أو جاء بها النص .وقد سبق أن أشرنا الى هذا الأحتمال والذى يولده التقدم العلمى فى وسائل التنكيل بالأنسان .

وقد أجازت بعض المواثيق الدوليه التوسع فى التفسير واللجوء للقياس صراحة .. ومن ذلك ماورد بديباجه اتفاقية لاهاى الرابعه سنة 1907 بشأن جرائم الحرب .كما أشارت لائحتا محكمتى طوكيو ونيورمبورج الى الجرائم التى يمكن أن يحاكم عنها المتهمون على أنها وارده على سبيل المثال وليس الحصر. الأمر الذى يوحى بامكان اعمال القياس فى الحالات المماثله..

  • ألآستاذ الدكتور/ محمد محى الدين عوض “الجرائم الدوليه تقنينها والمحاكمه عنها- تقرير اللجنه الرابعه للمؤتمر الأول للجمعيه المصريه للقانون الجنائى – مجموعة تقارير المؤتمر – القاهره من 13-17 مارس سنة..
  • الأستاذ الدكتور/ محمد محى الدين عوض – دراسات فى القانون الدولى الجنائى ، مجلة القانون و الاقتصاد – مارس سنة 1965 العدد الأول السنة الخامسة والثلاثون ” القانون الدولى الجنائى ” .

المطلب الثانى:ماهية الجريمه الدولية:

من التقسيمات التى تبناها الفقهاء فى تصنيفهم للجرائم تقسيم ثلاثى تنشطر الجرائم بمقتضاه هرميا الى ثلاث طوابق :

  • الطابق الأول: ويضم جرائم القانون العام.
  • الثانى:يضم الجرائم السياسيه.
  • الثالث : ويضم الجرائم التى لايقبلها الضمير العالمى .
  • تندرج الجرائم الدوليه تحت طائفة الطابق الأخير.

ويضيف بعض الفقهاء طابقا رابعا يضم جرائم تسمى بالجرائم العالميه ، وطابقا خامسا يضم الجرائم التى ترتكبها الدول والتى تشكل انتهاكا للقانون الدولى وهى تخضع لما يسمى بالقانون العقابى العالمى أو قانون العقوبات بين الدول .

وللتعرف على معالم الجريمه الدوليه يتعين علينا ان نفرق بينهم وبين الجرائم التى تندرج تحت كل طابق من الطوابق المشار اليها فيما سلف..

أولا:جرائم القانون العام أو الجرائم العاديه وعلاقاتها بالجريمه الدولية:

يشير الفقهاء أحيانا الى هذا النوع من الجرائم باصطلآحات شتى. فيسمونها بالجرائم العاديه، أو الجرائم الداخليه،

أو الجرائم الوطنيه وكلها تعبيرات تنصرف الى الأفعال التى تضع مرتكبها تحت طائلة قانون العقوبات الداخلى و القوانين المكمله له والتى أفضل ان اسميتها بالجرائم الجنائيه..

وقلما تعنى التشريعات بالنص على تعريف عام للجريمه الجنائيه أكتفاء بحصر الجرائم فى نصوص تبين مختلف انواعها ..

  • الدكتور/ عبد الرحيم صدقى، دراسه للمبادىء الأصوليه للقانون الدولى الجنائى – المجله المصريه للقانون الدولى 1984، المجد 40 ، ص.
  • انظر مؤلف الأستاذ الدكتور / محمود محمود مصطفى ، فى شرح قانون العقوبات – القسم العام الطبعه التاسعه 1974- مطبعة جامعة القاهره ، ص.

وتشترك هذه الجرائم كلها فى أنها أفعال تشكل عملا أو أمتناعا عن عمل يرتب القانون على أرتكابها عقوبه جنائيه لما ينطوى عليه هذا العمل أو ذلك الامتناع من مساس بمصلحه داخليه يحميها قانون العقوبات المحلى، . والجريمه الجنائيه جريمه يرتكبها فاعلها باسمه ولحسابه ، ويوقع العقاب عليه -عند ثبوت مسئوليته عنها باسم المجتمع الوطنى. فالجريمه الجنائيه أمر يعتبره القانون مخلا بنظام وأمن المجتمع فيحدد ويقرر له عقوبه .. وهى فى ذلك تختلف عن الجريمه الدوليه التى يكون النص على صفتها الغير مشروعه من صيغ العرف الدولى الذى يقد يحظى بالتسجيل فى معاهده مكتوبه وقد لا يحظى .. وتختلف الجريمتان من حيث اسباب الاباحه وأحكام المسؤليه وان كانتا تتحدان فى استلزامهما ركنا معنويا لانعقاد مسؤلية الجانى .

وفى تقديرى تتطابق الجريمه الدوليه مع الجريمه الجنائيه فى العناصر التى تتطلبها الأخيره. فعناصر الجريمه الجنائيه ثلاثه:

  • عنصر مادى : وهو الواقعه أوالمظهر المادى للجريمه ويتمثل فى نشاط الفاعل والنتيجه التى     يصيبها وعلاقة لسببيه بينهما . ويكاد يكون هذا العنصر واحدا فالجريمتين فيما عدا ماتعلق بالنتيجه التى يصيبها الفاعل أو المصلحه المعتدى عليها .

فالنتيجه التى يصل اليها الفاعل فى الجريمه الجنائيه هى العدوان على مصلحة لفرد أخر أو مصلحه للدوله ..أما النتيجه التى يصيبها الفاعل فى الجريمه الدوليه فهى العدوان على مصلحه دوليه …..

  • عنصر معنوى : وهو خطأ الفاعل فهو عنصر يتطلب الأمر وجوده -فى نظرى فى كل من الجريمه الجنائيه والجريمه الدوليه .
  • أما العنصر الثالث فهو العنصر الشرعى: وهو النص على الجريمه وعقابها فى القانون . ومن مقتضى هذا العنصر والذى يسمى بالركن الشرعى للجريمه الاجريمه ولاعقوبه ألا بنص من القانون .فالجريمه فى القانون العام تنص عليها القوانين الداخليه المكتوبه والصادره عن الشارع . وتتضمن هذه القوانين العقوبات التى تطبق عند وقوع الجريمه . وتنظر الجرائم الجنائيه امام المحاكم الوطنيه فهى لاترتكب باسم الدوله وانما باسم الافراد ولحسابهم ويوقع الجزاء عليها باسم المجتمع الداخلى..

 

  • الأستاذ الدكتور / محمود محمود مصطفى، المرجع السابق ص 37، ” فى شرح قانون العقوبات – القسم العام – الطبعه التاسعه-1974″..
  • ألاستاذ الدكتور/ حسنين أبراهيم عبيد ، الجريمه،الدوليه ،المرجع السابق ص 8 ،( القضاء الدولى الجنائى ) .

أما الجريمة الدولية ، فهى تستمد صفتها الجنائيه من العرف مباشرة او من نصوص المعاهدات والأتفاقيات أى من القانون الاتفاقى .اذ لا يوجد فى المجتمع الدولى مشرع يسن القوانين التى تنطبق نصوصها فى شأن الجرائم الدوليه.. ولصفتها الدوليه ، فان هذه الجرائم قد ترتكب بأسم الدوله أو بناء على طلبها أو بتشجيعها أو رضائها، . وقد يرتكب الافراد لحسابهم ، كذلك ضد الدوله أو عدة دول أو أفراد ويوقع الجزاء هنا باسم المجتمع الدولى لما تضمنه هذه الجرائم من أنتهاك للنظام العام الدولى وقيمه الأساسيه . ولهذا فان هذا النوع من الجرائم لا ينظر أمام المحاكم الوطنيه. وأنما يحتاج الى محاكم دوليه خاصه ..

ويترتب على الفروق الظاهره بين الجريمه الدوليه والجريمه الجنائيه العاديه عدة نتائج . فبينهما الجهل بالقانون ليس بعذر فى القوانين الداخليه نجد انه يجوز أخذ بهذا الدفع فى النطاق الدولى نظرا للطبيعه العرفيه للقانون الدولى. فيجوز للمتهم فى جريمه دوليه ان يدفع بجهله بالقانون اذا لم يكن اساس تجريم الفعل الذى ارتكبه نصا مكتوبا.

ولما كانت أسباب الاباحه من موضوعات الركن الشرعى ومن الامور المتعلقه به. ولما كان الركن الشرعى مختلفا فى كل من الجريمه الدوليه والجريمه الجنائيه فاننا نجد ان الاسباب المبيحه للجريمه الدوليه مختلفه عن نظيرتها فى الجريمه الجنائيه . وأن استندت فكرة الاباحه فى المجاليين الى نفس السند وهو عدم انطواء الفعل المرتكب- فى الظروف التى ارتكب فيها- على عدوان على المصلحه التى يكفلها الشارع بحمايته .(2)

ومن الاسباب المبيحه للجريمه الدوليه: ماجرى عليه العرف ، والمعامله بالمثل ، وحالة الضروره ، وأمر الرئيس الأعلى ، واحيانا رضاء المجنى عليه .وبعض هذه الأسباب متفق عليها ، والبعض الأخر متنازع عليه مثل حالة الضروره ، وأمر الرئيس ورضاء المجنى عليه.. ولعل السبب المشترك بين الجريمتين الجنائيه والدوليه هو الدفاع الشرعى وهو سبب لايختلف بصدده الفقهاء ولغموض الجريمه الدوليه وصعوبة تعريفها كثيرا ما يتطرق الى ذهنى أنها ماهى الا جريمه جنائيه يرتكبها أفراد عاديون- بغض النظر عما اذا كان ارتكابهم لها لحساب دوله أو بتحريض منها -وان كانت تفوق الجريمه الجنائيه العاديه خطورة وجسامة لمساسها بالمصالح العليا للمجتمع الدولى فضلا عن سمو القانون الدولى الذى يقضى بعدم شرعيتها على نصوص القانون الداخلى..

(1)انظر رسالة الأستاذه الدكتوره / عائشه راتب حول وضع الفرد فى القانون الدولى العام .

(2) وانظر الدكتور/ محمد بهاء الدين باشات ، المعامله بالمثل فى القانون الدولى الجنائى، رسالة دكتوراه القاهره 1974-ص 209-213 وما بعدها ..

ولا يمنعنى من الاسترسال والقول بانه من الممكن اخضاع الجريمه الدوليه للاختصاص المكانى لقانون العقوبات الذى وقعت الجريمه فى دائرته الا احتمال واحد وهو ان الفعل قد يعد جريمه دوليه دون ان تكون له هذه الصفه فى القانون الداخلى .. بل وقد يخلو القانون الداخلى من الاشاره اليه كلية.

ثانيا- الجريمة الدولية والجريمة السياسية:

تستلزم التفرقه بين الجريمه الدوليه والجريمه السياسيه التقليدية بيان الصله بين الأخيره والجريمه العاديه ،والجريمة السياسية فى نظر بعض الفقهاء – جريمه داخليه ينص عليها قانون العقوبات السياسى الوطنى .الذى ينظم مباشرة الدولة حقها فى العقاب بالنسبه للجرائم الموجهه نحو شكل الحكومه والنظام السياسى الداخلى فيها . ويرون ان هذا النوع من الجرائم يتعلق فقط بالنظام السياسى للدولة .

ولكن غالبية الفقه يرى ان اصطلاح الجريمه السياسيه انما ينطبق على الجرائم التى يعتدى بهاعلى نظام الدوله السياسى خارجيا أوداخليا .والنظام الخارجى هو الخاص باستقلال الدوله وسلامة اراضيها وبصلاتها مع غيرها من الدول . كالألتحاق بالقوات المسلحه لدولة العدو،أو تسهيل دخول العدو فى البلاد ، أو التخابر مع دولة اجنبيه للقيام بأعمال عدائيه ضد الوطن  .أما النظام الداخلى فهو ماتعلق بشكل الحكومه وبنظام السلطات العامه فيها وبحقوق الافراد ، كالشروع فى قلب نظام الحكم بالقوه أو تغيير دستور الدوله أو شكل الحكومه . وكذا بعض جرائم الاجتماعات والمظاهرات السياسيه ، وجرائم الانتخابات .

وعلى ذلك تخرج الجرائم التى تكون موجهه ضد النظام الاجتماعى فى مصر وليس ضد شكل معين من أشكال الحكم مثل جرائم الدعايه للشيوعيه وكزا جرائم الأرهاب من نطاق الجرائم السياسيه .

وتدق التفرقه بين الجريمه السياسيه والجريمه العاديه فى الجرائم المختلطه كالقتل بغرض سياسى والجرائم المرتبطه.

ويعتمد أصحاب النظريه الشخصيه على الغرض أو الهدف الذى يرمى اليه الفاعل فتكون الجريمه سياسيه اذا ما كان الهدف منها سياسيا وتكون عاديه اذا لم يكن الأمر كذلك . وقد أخذ القانون الايطالى بهذا المذهب اذا عرف الجريمه السياسيه بأنها ” الجريمه التى تمس مصالح الدوله أو حقوق الفرد السياسيه ” ويعتبر الجريمه العاديه سياسيه اذا ” أوحت بها كليا أو جزئيا بواعث سياسيه “.

  • الاستاذ الدكتور / محى الدين عوض، دراسات فى القانون الدولى الجنائى ، مجلة القانون و الاقتصاد ، سبتمبر سنة 1965 ، العدد الثالث ، ص.
  • ألاستاذ الدكتور/ محمود محمود مصطفى ، المرجع السابق ص 53-55 .

أما أصحاب المذهب المادى فلا يرون فى الدافع أو الغايه مقياسا للتفرقه بين الجريمه العاديه والجريمه السياسيه .ويستبعدون من نطاقها الجرائم المختلطه ويرون ان العبره بطبيعة الحق المعتدى عليه أو موضوع الجريمه . فاذا كان الحق المعتدى عليه هو حق الدوله كسلطه عامه فهو جريمه سياسيه.أما اذا كان الحق المعتدى عليه لفرد من الناس أو للدوله باعتبارها فردا فالجريمه عاديه ولو كان الغرض منها سياسيا .

وقد أثبت التاريخ أن الجريمه السياسيه مرت بمراحل تتفاوت بين الشده والتخفيف فبعد ان كان المجرم السياسى يعامل اسوا معامله فى ظل نظام الحكم المطلق، أصبح مميزا ومكرما فى عصور الثورات الوطنيه .وامتدت أثارهذه المعامله الخاصه لتجد مكانها فى بعض التشريعات المعاصره. ومن امثلة ذلك حظر تسليم المجرمين السياسيين بينما تسليم المجرمين العاديين أمر لاخلاف فيه اذا ماوجدت اتفاقيات بهذا الصدد. وقد تميز بعض التشريعات المجرم السياسى بعقوبات خاصه بل وباجراءات خاصه مثل فرنسا.. بينما تجنح بعض التشريعات الى القوه فى عقوبات الجرائم السياسيه ومنها ايطاليا . أما القانون المصرى فلا يخص الجرائم السياسية بقواعد معينه ، وان كان طابع الشده ظاهر فى العقوبات المقرره للجرائم السياسيه البحته . كما أنه جعل الباعث السياسى ظرفا مشددا فى بعض الجرائم .(3)

وياخذ الشارع المصرى بالمذهب الشخصى فيشترط ان يكون الباعث سياسيا لتكون الجريمه سياسيه .وعلى ذلك فالأعتداء عللى النظم الاجتماعيه أو الاقتصاديه او الدينيه يظل فى نطاق الجرائم العاديه . ولهذا فقد أخرج جرائم الشيوعيين والفوضويين والارهابيين من نطاق الجرائم السياسيه .

ومجاراة للاتجاه الحديث فى القانون المقارن أخذ مشروع القانون الموحد فى مصر بالمعياريين الشخصى والمادى واستبعد بعض الجرائم من عداد الجرائم السياسيه مع دخولها فيها وفقا لاحد المذهبين كما راعى المجرم السياسى فى الجزاء.وأصبحت الجرائم السياسيه فى عرفه هى ” الجرائم المقصوده التى اقدم عليها الفاعل بدافع سياسى ،وهى كذلك الجرائم الواقعه على الحقوق السياسيه العامه والفرديه.ولا يعد من الجرائم السياسيه الجرائم التى انقاد مرتكبها لباعث أنانى أو دنىء والجرائم الماسه بامن الدوله الخارجى والجرائم التى تكون من أشد الجنايات خطوره فى نظر الاخلاق والقانون” .(م 55 من المشروع الموحد)..

  • الأستاذ الدكتور / محمود محمود مصطفى ، المرجع السابق ص (شرح قانون العقوبات – القسم العام- الطبعه التاسعه).
  • وبهذا اخذ المؤتمر الدولى لتوحيد قانون العقوبات فى اجتماعه بكوبنهاجن سنة 1935 . وبناء عليه سار قضاء النقض فى فرنسا على هذا الرأى .
  • المادة 102 ب من قانون العقوبات .
  • أنظر الاتفاق الدولى الذى عقد فى جنيف فى 16 مايو سنة 1937 لمكافحة الارهاب..
  • الأستاذ الدكتور/ محمود محمود مصطفى ، المرجع السابق من ص 57- 62 .

، ويقودنا هذا التعريف الى عناصر المقارنه بين الجريمه السياسيه والجريمه الدوليه مع التسليم أولا بأن كلتيهما عمدى.

فبينما تستتبع الجريمه السياسيه معامله خاصه للمحكوم عليه نجد ان مرتكب الجريمه الدوليه لا يتمتع بهذه الميزه.

وبينما يخضع مرتكب الجريمه السياسيه لأحكام قانون العقوبات الداخلى نجد ان الجريمه الدوليه جريمه تستمد صفتها الجنائيه من العرف الدولى أو المعاهدات وترتكب ضد النظام العام الدولى ولا شأن لها بالنظام السياسى الداخلى لأية دولة وان كانت تقع على النظام السياسى الدولى وتحدث اضطرابا فى العلاقات الدوليه لدرجه قد تعرض السلام الدولى للخطر كالجريمه ضد السلام والجرائم ضد الأنسانيه.

وأن كان عدم التسليم مبدأ مستقر فى الجرائم السياسيه الا ان الفقه قد استقر على ان هذا المبدأ يجب ألا يسرى على الجرائم الدوليه مثل جرائم الحرب وجريمة أبادة الجنس ، وبتر الاعضاء ، والاستعباد وغير ذلك من الجرائم زات الخطوره الجسيمه فتلك لايجوز ان يتمتع مرتكبوها بحق الاتجاء وعدم السليم أسوه بالجرائم السياسيه . بل ولقد ذهب الفقه الى استثناء الجرائم السياسيه التى يكون الدافع  الى ارتكابها خسيسا او التى يجرى تنفيذها بطريقه مخزيه من هذه المزايا واجازة التسليم فيها .

وتكمن صعوبة تكييف الجريمه الدوليه عنما تكون مصحوبه أو مرتبطه بجرائم وطنيه سياسيه . كالحال فى الجرائم التى ترتكب ضد الانسانيه وجرائم الاضطهاد والاباده الواقعه على جماعه سياسيه ويقول بعض الفقهاء أن منفذو هذه الجرائم مجرمون عاديون فهم مجرد أدوت لتنفيذ الجريمه الدوليه.. أما الذين أمروهم بارتكابها فهم مجرمون دوليون بالنظر الى مساهمتهم فى الجريمه الدوليه، وفى نفس الوقت يعدون محرضين أى شركاء فى الجرائم الوطنيه السياسيه.

ثالثا – الجريمة الدولية والجريمة العالمية وجرائم قانون الشعوب:

الجريمه العالمية جريمه داخليه تمثل عدوان على القيم الأساسيه فى النظام الاجتماعى فى كل دوله متمدينه. ومن هذه القيم احترام حقوق الانسان وحرياته الاساسيه .ولذلك فالافعال التى تشكل عدوانا على هذه القيم تجرمها القوانين الجنائيه فى كافة أنحاء العالم .ولذلك سميت بالجرائم العالميه.ومن اجل مكافحتها نشأت فكرة القانون الجنائى العالمى،

وتتعاون الدول على مكافحة الجرائم العالميه عن طريق الاتفاقيات الدوليه التى تضع الشروط التى تنتجها قوانين العقوبات الداخليه للدول الاطراف فى العقاب على هذه الجرائم . ومن أمثلة هذه الجرائم والوارد تنظيمه فى اتفاقيات دوليه : تداول المطبوعات الشائنه، وتداول المخدرات ،وتزييف النقود ، والارهاب ، والاتجار بالرقيق الابيض ، والاتجار بالنساء والاطفال ،والاتجار فى الاشخاص واستغلالهم فى الدعارة..

ومن هذه الجرائم العالميه ما يطلق عليه الفقه تعبير جرائم قانون الشعوب كما هو الحال بالاتجار بالرقيق.

وتتحد كل هذه الجرائم فى عدوانها على القيم الاجتماعيه والاساسيه للنظم الاجتماعيه لجميع الدول . فهذة القيم واحده فى كل الامم المتمدينه وتنبع من اسس واحده يشترك فيها كل الجنس البشرى . ومن هنا نشأت فكرة التعاون الدولى فى مكافحة هذه الجرائم بالتعاون بين الدول.(1)

وتتميز الجرائم العالميه عن الجريمه الوطنيه أو الجريمه الجنائيه العاديه فى ان الجناة يزاولون نشاطهم فى عدة اقاليم تابعه لعدة دول .وواقع الامر ان جرائم مثل تداول المخدرات وتزييف النقود والاتجار فى الرقيق الابيض قلما تكون محصوره فى اقليم دوله بعينها . بل أنه من الملاحظ ان نشاط الجانى فيها يكون دوليا ومنتشرا فى اقاليم عدة دول ، ولذلك فهى تشكل خطرا- ليس فقط بالنسبه لمصالح بلد معين – ولكن بالنسبه لمصالح المجموعه الدوليه بأسرها وهذا هو السبب الذى تتعاون من اجله الدول فى مكافحة هذا النوع من الجرائم . ولذلك يقال ان القانون الجنائى العالمى مستمد من فكرة التضامن الدولى ، ونجد ان كثيرا من الفقهاء يعتبرون الجرائم العالمية من قبيل الجرائم الدوليه. فالجريمه الدوليه وان كان من الممكن تصور حدوثها فى اقليم دوله واحده الا انه جريمه ذات عنصر دولى .وهى جريمه ينص عليها القانون الدولى لمساسها بالنظام العام الدولى أو لتعريضها السلام والامن الدوليين أو الحقوق الاساسيه للمجتمع الانسانى للخطر. وعلى ذلك فهى تكتسب صفتها الدوليه من الطبيعه الدوليه للقانون الذى ينظم أحكامها ومن الطبيعه الدوليه للمصلحه المعتدى عليها .

(1)الأستاذ الدكتور/ محى الدين عوض، المرجع السابق “دراسات فى القانون الدولى الجنائى، مجلة القانون والاقتصاد ص 967- 1968 .

(2)الأستاذ الدكتور / محى الدين عوض ، المرجع السابق ،ص 968-969 .

(3)دكتور محمد مؤنس محب الدين ، الارهاب فى القانون الجنائى على المستويين الزطنى والدولى / مكتبة الأنجلو المصريه ،1987 ، ص 138 .

نخلص من العرض المتقدم والذى قارنا فيه الجريمه الدولية بغيرها من الجرائم بالنتائج التالية:

  • أن الجريمة الدوليه جريمه من جرائم القانون الدولى العام فهى جريمة تهدد النظام الدولى أو النظام الاجتماعى العام .
  • أنه لا يشترط أن يكون الفعل محظورا فى القانون الداخلى أولا حتى ينطبق عليه وصف الجريمة الدولية .
  • أن موضوع الجريمة الدولية هو انتهاك المصالح التى يحميها القانون الدولى . وبالتالى فهى ضارة بالمجتمع الدولى ونظامه ذلك ان محلها العدوان على المصالح العليا للمجموعه الدوليه.ويستوى فى ذلك ان يكون مرتكبها فرد أو دولة.
  • أن القانون الواجب التطبيق على هذه الجرائم هو القانون الدولى الجنائى وليس القانون الجنائى الوطنى لأية دوله. وهو يتكفل ببيان الجرائم التى ينطبق عليها وصف الجريمة الدولية استنادا الى العرف أو الاتفاق. كما أنه يتكفل ببيان العقوبات الى توقع على مرتكبى هذه الجرائم وان كان ذلك يتم بالرجوع الى القواعد والمبادىء العامه للعقاب فى قوانين العقوبات السائده فى العالم .
  • يطبق القانون الدولى الجنائى على مرتكب الجريمة الدولية أو فاعلها وهو عادة فرد أو مجموعة من الافراد. ولا تثير هذه النوعيه من الفاعلين الاصليين أية مشكله فى التطبيق .وانما الذى يثير التساؤل هو كيفية تطبيق العقوبات الدولية الجنائية على الأشخاص الاعتباريه العامه والخاصه اذا ماكان لهم دور فى أرتكاب الجريمة الدولية، ويرى اصحاب المذهب الواقعى والمدرسه الوضعيه الايطاليه وجوب مسائلتهم وعقابهم شأنهم شأن الافراد.

وتقودنا هذه النتائج الى بذل محاوله لتعريف الجريمة الدولية أو على الاقل ازالة الغموض الذى يكشف تعريفها . ومن المفيد فى ذلك أن نستعرض مختلف الجهود التى بذلت فى هذا الصدد..

(1)تقرير اللجنه الرابعه للمؤتمر الأول للجمعيه المصرية للقانون الجنائى (13-17 مارس سنة 1917 وهذا  التقرير الذى أعده الأستاذ الدكتور/ محمد محى الدين عوض ، ص 6 .

(2)الأستاذ الدكتور/حسنين ابراهيم عبيد ، القضاء الدولى الجنائى – المجله المصريه للقانون الدولى ،1984، المجلد 40 .

المبحث الثانى : فى تعريف الجريمة الدولية :

أثار موضوع تعريف الجريمة الدولية جدلا كبيرا بين الفقهاء ، كما تعددت التعريفات .وقد خدم هذا التعدد قضية التعرف على معالم الجريمة الدولية وعناصرها وتحديد أركانها ولذلك نرى أنه من المفيد أستعراض هذه التعريفات ..

المطلب الأول : التعريفات الفقهية:

تعددت التعريفات الفقهية واليكم بيانها-

يقول الفقيه بيلا ان الجريمة الدولية هى الفعل أو الامتناع عن الفعل المعاقب عليه باسم المجموعه الدوليه . وعلى ذلك فهو يرى ان الجريمة تكون دولية اذا كانت عقوبتها تطبق وتنفذ باسم الجماعه الدولية . وقد نادى الفقيه – بعكس غيره من الفقهاء بوجوب الاخذ بالمسؤليه الجنائيه المزدوجه للفرد والدوله عن الجريمه الدولية .

ويعتبر هذا الراى سلبيا من الناحيه النظريه ولا غبار عليه خاصه اذا اخذنا فى الاعتبار أن الاصل فى الجريمة الدولية أنها ترتكب باسم دولة أو برضاها أو بتشجيع منها لتحقيق مصالحها التى تتعارض مع مصالح المجتمع الدولى الأمر الذى يثير المسئوليه الدولية للدولة فضلا عن مسئولية الفرد أو الافراد التى اتخذتهم أدوات لتنفيذ مأاربها الاجراميه. ويتفق رأى “بيلا” مع مانصت عليه لائحة لندن لسنة 1945 التى قررت مسؤلية الافراد ورئيس الدولة عن الجرائم الدولية.

أما الفقيه جلاسير فقد عرف الجريمة الدولية بأنها ” الفعل الذى يرتكب أخلالا بقواعد القانون الدولى للاضرار بالمصالح التى يحميها هذا القانون مع الأعتراف له قانونا بصفة الجريمة واستحقاق فاعله العقاب” ولم يشترط الفقيه ان يكون التجريم وارد بنص اتفاقى اكتفاء بما جرى عليه العرف الدولى .وأضاف أن الفرد أى الشخص الطبيعى وحده هو المسؤل عن الجريمة الدولية سواء ارتكبها لحسابه الخاص أو باسم دولة أو لحسابها . وبذلك رفض المسؤليه الجنائية الدولية للاشخاص المعنويه .

وقد عرف الاستاذ الدكتور/ محى الدين عوض الجريمة الدولية بأنها ” كل مخالفة للقانون الدولى – سواء كان يحظرها القانون الوطنى أو يقرها – تقع بفعل أو ترك من فرد محتفظ بحريته فى الاختيار (مسئول اخلاقيا) اضرارا بالافرد أو بالمجتمع الدولى بناء على طلب الدولة او بتشجيعها أو رضائها فى الغالب ويكون من الممكن مجازاته جنائيا عنها طبقا لاحكام ذلك القانون “..

(1)تقرير اللجنه الرابعه للمؤتمر الاول للجمعية المصرية للقانون الجنائى للاستاذ الدكتور/ محى الدين عوض ، ص 6 .

، وأسهم الأستاذ الدكتور/ حسنين عبيد فى هذه الجهود الفقهيه بتعريف الجريمة الدولية جاء بها أنها ” سلوك ارادى غير مشروع ، يصدر عن فرد باسم الدولة او بتشجيع أو رضاء منها ويكون منطويا على مساس بمصلحه دولية تحميه قانونا ” .

أما الأستاذ ” سبيرو بولوس ” فقد عرف الجرائم الدولية ” الافعال التى ترتكبها الدولة او تسمح بها مخالفة بذلك القانون الدولى . وتستتبع المسؤليه الدولية ” وعلى ذلك ففكرة الجريمة الدولية عنده لا تنطبق الا على أفعال ذات جسامه خاصه ويكون من شأنها احداث الاضطراب فى الامن والنظام العام للمجموعة الدولية .

ولست أرى داعيا أن تضمن تعريفات الفقهاء الاشارة الى عنصر العمد فى ارتكاب الجريمة ولا الى أهلية فاعلها كأن يكون مسؤلا اخلاقيا. فالجريمة الدولية لا شك فى أنها جريمة عمدية بطبيعتها . كما ان مسؤلية صاحبها واهليته مفترضه الى أن ينبت العكس . وعلى ذلك فالنص على أنتفاء الخطأ أو على أنتفاء موانع المسئوليه ليس بلازم ان يظهر فى التعريف . كما لايوجد داعيا لذكر امكانية مجاذاة مرتكب الجريمة الدولية جنائيا . فقد أثبت التاريخ أن المجتمع الدولى لم تعجزه الوسيلة عن تشكيل محالكم دولية خاصة لمحاكمة مجرمى الحرب . وليس بمستبعد أن تثمر جهود الفقهاء وتنشأ محكمة دولية جنائية دائمة للنظر فى الجرائم الدولية . ويكفى فى نظرنا أن يكون فى الامكان محاكمة مرتكبى هذه الجرائم دوليا وجنائيا – كما لايهم متى يتم ذلك ، اذ لا اظن أن مثل هذه الجرائم فى خطورتها وجسامتها يمكن ان يسرى عليها تقادم ما سواء من حيث الجريمة او العقوبة . أذ يجب أن يظل فى رأى – الباب مفتوحا أمام المجتمع الدولى لتعقب مرتكبى الجرائم الدوليه خاصة اذ كانت مؤاخذة هؤلاء قد استحالت لسبب قهرى كاختفاء المجرم أو هربه لسنوات عديدة. فمثل هذه الجرائم تقديرى ويجب ألا تسقط بمضى المدة  اذ تبقى أثارها عالقه بأذهان الناس – على المستوى العالمى – لمدد أطول بكثير من المدة التى يستغرقها نسيان المجتمع وغفرانه للجريمة الجنائية العادية.(3)

وهناك بعض عناصر يجب ان يتضمنها تعريف الجريمة الدولية منها بيان القانون الواجب التطبيق عليها ونوع المصلحة المعتدى عليها .

(1)الأستاذ الدكتور/ محمد محى الدين عوض- دراسات فى القانون الدولى الجنائى – مجلة القانون والاقتصاد – العدد الثالث ص 632 .

(2)الأستاذ الدكتور/ حسنين ابراهيم عبيد- الجريمة الدولية – المرجع السابق ص 5 وهناك تعريفات اخرى للاستاذ الدكتور/محمود نجيب حسنى  ” دروس فى القانون الجنائى الدولى ” ودروس للدكتوراه – القاهره 1959 .

(3)دكتور/ حميد السعدى : مقدمه فى دراسات القانون الدولى الجنائى – الطبعه الاولى -بغداد – سنة 1971 ص 133 .

(4)الأستاذ الدكتور/ محى الدين عوض – دراسات فى القانون الدولى الجنائى – مجلة القانون والاقتصاد العدد الثانى ص 294-  1950 .

وفى تقديرى ليس بشرط أن يكون للدولة دور فى أرتكاب الجريمة الدولية سواء بالتشجيع أو بالتحريض أو بالتدبير . وبمعنى أخر بأى صورة من صور الاشتراك كالاتفاق الجنائى أو المساعدة أو التحريض . ذلك أن الدولة باعتبارها شخصا معنويا لا يتصور أن تكون فاعلا أصليا . فالذى ينفذ الجريمة هو الفرد أو مجموعة من الافراد أى الاشخاص الطبيعيين .

ومازلت أتصور جريمة دولية يرتكبها فرد أو مجموعه من الأفراد دون أن يكون لأية دولة دور فى تحريضهم أو تشجيعهم أو تايدهم بأى وجه . ومن هذه الجرائم الجرائم التى ترتكب ضد الانسانيه والتى تنبع من الكراهيه الشخصية لجنس من الأجناس أو من التعصب الدينى أو العرقى . فيكون الدافع فى هذه الجرائم شخصيا ولكن الفعل يمس مصلحة دولية ويعتدى عليها ومن ثم فتكون الجريمة دولية من حيث موضوعها .

ويشترط بعض الفقهاء لتوافر الصفة الدولية للفعل الأجرامى أن يكون هناك عنصر أجنبى أو خارجى. سواء تعلق هذا العنصر بجنسية الفاعل أو شركائه أو بجنسية الضحايا أو بمكان تنفيذ الجريمة أو بالمصالح التى تضررت من جراء ذلك أو بالمكان الذى لجأ اليه مرتكبوا هذه الافعال والتى تشكل جرائم دولية .(1)

وبمعنى أخر يشترط بعض الفقهاء أن يتعلق عنصر أو أكثر من عناصر الجريمة بأكثر من دولة حتى يمكن وصفها بالدولية . ويتضح ذلك من المعايير الذى أخذ بها بعض الفقهاء فى التفرقة بين الأرهاب الداخلى والأرهاب الوطنى . ونحن نستخدم هذه الصورة من الجرائم الدولية للدلالة على أتجاه الفكر بالنسبة لتحليل صفة الدولية فى الجرائم الدولية .

وفى تقديرى لا يتطلب الآمر تعلق الجريمة الجنائية بأكثر من دولة أو أحتوائها لعنصر أجنبى أو خارجى . ويكفينى لوصف هذه الجريمة بالجريمة الدولية أن يكون ارتكابها بالمخالفة لاحكام القانون الدولى وأن يترتب على ارتكابها الاضرار بمصلحة دولية . فاضهاد هتلر لليهود الألمان وتعقبه لهم وابادتهم اباده جماعية كل هذا حدث فى حدود دولة واحدة وعلى طائفة من الشعب الألمانى لم تكن غريبه عنه بجنسيتها . والذى يجعل من هذه الجريمة جريمة دولية ليس فقط أنها أرتكبت بتحريض من الدولة وبأمر منها لمن نفذو هذه الجريمة البشعة وانما لمخالفتها للقانون الدولى الأنسانى ولعدوانها على مصلحة من اهم مصالح المجتمع الدولى الامر الذى أدى الى تعريض الأمن والسلام الدوليين للخطر.

(1)تقرير الأستاذ الدكتور/ رمسيس بهنام ” الجرائم الدولية ” اللجنة الرابعة للمؤتمر الأول للجمعية المصرية للقانون الجنائى – القاهرة من 13-17 مارس سنة 1987 .مجموعة تقارير المؤتمر ..

المطلب الثانى: الجهود الدولية التى بذلت فى أطار المنظمات الدولية والقضاء الدولى لتعريف بعض الجرائم الدولية:

ولالقاء مزيد من الضوء على العناصر المكونة لتعريف الجريمة الدولية يتعين علينا التعرف على الجهود الدولية التى بذلت فى أطار المنظمات الدولية والقضاء الدولى لتعريف بعض الجرائم الدولية كنموذج للفحص .

1 – تعريف جريمة أبادة الجنس فى أطار الأمم المتحدة :

تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة – بالأجماع اتفاقية حول منع جريمة أبادة الجنس والعقاب عليها فى 9 ديسمبر سنة 1948 .

وقد دخلت هذة الأتفاقيه طور التنفيذ فى 12 يناير سنة 1951 .

وقد وصل عدد الدول المنضمة اليها حتى 31 ديسمبر سنة 1977   82 دولة .

واصطلاح genocide اصطلاح معناه باللغه العربية ” الأبادة الجماعية ” وهو مشتق من كلمتين لاتينيتين هما : genus   بمعنى ” جماعة ” ، a group بمعنى يقتل ، وتعتبر تسميه حديثه نسبيا اختيرت لتطلق على جريمة كبدة الأنسانية خسائر جسيمة على مدى التاريخ – ومن صورها الابادة الجماعية لجماعات وطنية أو عرقية أو عنصرية أو دينية أو ماشابه ذلك ..

وفى الفترة التى سبقت الحرب العالمية الثانية مباشرة وأثناءها استخدمت حكومة المانيا النازية أسلوب الأبادة الجماعية كسلاح ضد جماعات معينه ، وطنيه او عرقيه أو عنصرية أو دينيه بغرض القضاء عليها كلية . وكان لهذه الجريمة رد فعل هائل فى الرأى العام العالمى . وقد دفعت فظائع النازيين فى ألمانيا الجماعة الدولية الى التعاون فى وضع واتخاذ الاجراءات الكفيلة بالحيلولة دون وقوع مثل هذه الجرائم البشعه مرة أخرى .

فكان من بين المسائل الأولى التى تناولتها الجمعية العامة سنة 1946 – عقب أنهاء الحرب العالمية الثانية – موضوع منع جريمة الابادة الجماعية والعقاب عليها . وفى ديسمبر سنة 1946 أصدرت الجمعية العامة قرار أكدت فية أن الابادة الجماعيه جريمه بمقتضى القانون الدولى ، يدينها العالم المتحضر وأن مرتكبيها أيا كانوا ومهما كانت دوافعهم ، يستحقون العقاب . وقد دعمت الجمعيه العامة الدول الأعضاء الى اصدار التشريعات الازمه لمنع هذه الجريمة والمعاقبة عليها ، وأوصت بوجوب وجود تنظيم دولى من أجل هذا الغرض .

واستجابة لقرار الجمعية العامة اتخذ المجلس الأقتصادى والأجتماعى الترتيبات الازمة لاصدار مشروع أتفاقية بشأن الابادة الجماعية ، يقوم باعداده الامين العام ، وتقوم بمراجعته لجنة خاصة تتألف من ممثلى سبع دول . وبعد ذلك قامت الجمعية العامة بدراسة المشروع ومراجعته ووافقت عليه .. وهكذا خرجت الأتفاقيه الى حيز الوجود وطرحت للتوقيع والتصديق عليها فى اليوم التاسع من ديسمبر سنة 1948 أى قبل اقرار الاعلان العالمى لحقوق الأنسان بيوم واحد ..

وتحتوى الأتفاقية الخاصة بمنع الابادة الجماعية والمعاقبة عليها – على ديباجة وتسعة عشر مادة .. وقد أدانت الديباجه هذه الجريمة باعتبارها جريمة وفقا للقانون الدولى العام تتنافى مع روح وأهداف الامم المتحدة ويدينها العالم المتحضر .

وقد نصت المادة الأولى من الأتفاقية على ان هذه الجريمة جريمة تقع تحت طائلة القانون الدولى سواء ارتكبت فى زمن السلم أو فى زمن الحرب . وأن أطراف الآتفاقية يتعهدون بمنعها والعقاب عليها .

أما المادة الثانيه – وهى مادة لها أهميه خاصة فى موضوعنا  فهى المادة التى حددت الافعال المكونة لجريمة الأبادة الجماعية .

فقد نصت على أن اصطلاح genocide انما ينصرف الى اى من الأفعال الاتيه والتى ترتكب عن عمد بقصد الأبادة الكلية أو الجزئية لجماعه وطنية أو عرقيه أو عنصريه أو دينيه :

(أ) قتل أعضاء الجماعه .

(ب) الحاق أضرار جسيمة أو ذهنية بأعضاء الجماعة .

(ج) تعمد فرض ظروف معيشية محسوبة على الجماعة تؤدى الى تحقيق أبادتها كلية أو جزئيا .

(د) فرض أجراءات أو تدابير يقصد منها منع التناسل داخل الجماعة .

(ه) نقل أطفال الجماعة قسرا الى جماعة اخرى .

–وقد قامت أنجلترا بأدراج هذه الجريمة  فى قانونها المتعلق بالابادة الجماعية سنة 1969 .

(1) الأمم المتحدة وحقوق الأنسان ومكتب الأعلام العام – الأمم المتحدة  – نيويورك سنة 1978 ، ص 87 .

–ثم أوردت امادة الثالثة قائمة بالافعال التى تدخل تحت طائلة العقاب وهذه الأفعال هى :

(أ) الابادة الجماعية ذاتها .

(ب) التأمر لارتكاب الابادة الجماعية .

(ج) التحريض المباشر والعام على أرتكاب الأبادة الجماعية .

(د) الشروع فى أرتكاب الابادة الجماعية .

(ه) الأشتراك فى ارتكاب الابادة الجماعية .

– ثم نصت الفقرة الرابعة على معاقبة مرتكبى جريمة الابادة الجماعيه من الأشخاص وكذا مرتكبى الافعال التى عددتها المادة الثالثة سواء أكانوا حكاما مسئولين دستوريا أو موظفين عموميين أو أفراد عاديين .

وفى المادة الخامسة دعت الأتفاقية أطرافها من الدول كل بحسب نظامها الدستورى الى أصدار التشريعات اللازمة لنفاذ الأتفاقية ، وعلى وجه خصوص النص على عقوبات فعالة توقع على من تثبت أدانتهم من الأشخاص فى جريمة الابادة الجماعية أو أى من الافعال الأخرى التى ورد ذكرها فى المادة الثالثة .(1)

وتنص المادة السادسة على أن الأشخاص الذين يتهمون بجريمة الابادة الجماعية أو أى من الأفعال التى تتصل بها ، يحاكمون أمام محكمة من محاكم الدولة المختصة ، فى المكان الذى أرتكب فيه الفعل أو أمام محكمة دولية عقابية مختصة بالنسبة للدول الأعضاء التى تقبل اختصاص هذه المحكمة .

وتوضح المادة السابعة أن الابادة الجماعية والأفعال الأخرى التى وردت فى المادة الثالثة – لايمكن اعتبارها جرائم سياسيه وذلك فيما يتعلق بالتسليم .

وانه لهذا السبب لا يمنح المتهمون بها حق اللجوء السياسى .وتتعهد الدول المتعاقدة بتسليم المجرمين فى مثل هذه الحالات .

وتعطى المادة الثامنه لكل دولة من الدول الأطراف الحق فى دعوة الاجهزة المختصة للأمم المتحدة بأن تقوم – وفقا للميثاق – با تخاذ العمل الذى تراه ملائما لمنع أو قمع أعمال الابادة الجماعية …..

  • الأمم المتحدة ، وحقوق الانسان ، المرجع السابق ، ” مكتب الاعلام العام ” نيويورك ص 88 سنة  1978 ..

وتفوض المادة التاسعة محكمة العدل الدولية فى شأن ما يثور بين الدول الأطراف من خلافات حول تفسير أو تطبيق أو تنفيذ الاتفاقيه بما فى ذلك مسئولية دولة من الدول عن أعمال الابادة الجماعية أو ما يتصل بها من أعمال وذلك بناء على طلب أى طرف من الأطراف النزاع .

وقد دعيت لجنة القانون الدولى الى دراسة الرغبة فى أنشاء محكمة عقوبات دولية- وامكانية أنشاء مثل هذة المحكمة على نحو ماورد بالمادة السادسه من الاتفاقيه . ومع ذلك فان مثل هذه المحكمة لم تنشأ بعد.

ومن استقراء مواد هذه الاتفاقية يتضح لنا مايلى :

أولا : ان الابادة الجماعية ماهى الا عمليات قتل مركبة . والقتل من أخطر الجنايات التى يعاقب عليها قانون العقوبات الداخلى فى جميع البلاد دون أستثناء . وتجريم القتل له جدوره فى الشرائع السماويه كلها قبل ان يكون له مكان فى القوانين الوضعية . فجميع الديانات تحظر على الانسان قتل أخيه الانسان . وقد ورد هذا الحظر بكل اللغات المختلفة . فنصت عليه ألواح ابراهيم الخليل ووصايا موسى العشر وتعاليم المسيح والقرأن الكريم .

وتكمن خطورة الابادة الجماعية فى تعدد الفعل بقصد القضاء على جماعات معينة وطنية كانت أم عرقية أم دينيه . وفى هذا التعدد يكمن شذوذ فاعلها أو فاعليها فالابادة الجماعية نوع من السادية يبرز اخطر مافى النفس البشرية من وحشية ضارية .

ثانيا : أن الابادة الجماعية بحكم قرارات الجمعية العامة للامم المتحدة وبمقتضى نص الاتفاقية جريمة دولية يدينها العالم المتحضر .  وانها وصفت بالدولية حسبما جاء فى نصوص هذه الوثائق – بصرف النظر عن مرتكبيها ودوافعهم .

ومعنى ذلك أن صفتها الدولية ليست مستمدة من أن فاعلها دولة وأن أساس هذا الوصف انما يكمن فى امرين أولهما نوع المصلحة المعتدى عليها . فالحفاظ على الجنس البشرى والابقاء على حياة الافراد بلا تميز بينهم من حيث الدين أو العنصر أو الاصل أو غير ذلك من الامور من اهم المصالح الجديرة بالحماية فى المجتمع الدولى . وثانيهما أن هذه الجريمة جريمة ضد قانون الشعوب ومن ثم فتخضع فى أحكامها للقانون الدولى العام .

(1)الأستاذ الدكتور / محمود محمود مصطفى ، شرح قانون العقوبات – القسم العام – الطبعه التاسعة – 1974   ، مطبعة  جامعة القاهرة ..

ثالثا : أن المادة الثانية حددت الأفعال المكونة لجريمة الابادة الجماعية ، ونصت على ان لفظ genocide انما ينصرف الى اى من هذه الافعال التى ترتكب عن عمد بقصد الابادة الكلية أو الجزئيه لجماعة وطنية أوعرقيه أو عنصرية أو دينية . وعلى راس هذه الافعال القتل والحاق الاضرار الجسمانية أو الذهنية بأعضاء الجماعة المقصودة بالفعل .

ويستفاد من ذلك أن جريمة الابادة الجماعية هى جريمة عمدية لاترتكب بطريق الخطأ . وهذا أمر طبيعى فلست أتصور أن يبيد شخص او مجموعه من الاشخاص جماعة من الجماعات – أيا كان نوعها بطريق الخطأ . فالقنبلة الذرية لم تسقط عفوا على جزيرتى هيروشيما وناجازاكى فى سنة 1945 وقد أدى هذا الحدث الخطير الى ابادة سكان هذه المناطق بصرف النظر عن انتمائهم الى اية جماعة لمجرد أنهم مواطنون لدولة العدو .  ومن نجى منهم انجب اجيالا من المشوهين وبالتالى لم تنته الجريمة فى وقتها وانما أضحت جريمة مستمرة .(1)

ورغم أن القاء القنبلة الذرية الاولى فى التاريخ بمعرفة الولايات المتحدة الامريكية – فى نظرى من أخطر جرائم الابادة الجماعية التى ارتكبت فى هذا العصر – الا اننى لااجد اشارة واحدة فى مراجعى الى تكييف هذا الفعل كجريمة دولية أو على الأقل كجريمة حرب . وعلى العكس من ذلك كان الحلفاء للولايات المتحدة الأمريكية من الشاكرين لانهاء الحرب العالمية على هذا النحو لصالحهم .

ومن صور جريمة الابادة الجماعية فى العصر الحديث مافعله هتلر فى ألمانيا النازية باليهود والاقليات ، وما ترتكبة الان حكومة جنوب افريقيا فى حق المواطنين السود . والفظائع التى ارتكبتها فى ناميبيا وروديسيا . ومن اهم الصور الجديرة بالاشارة ماترتكبه اسرائيل تجاه الفلسطينيين فى أرض الانتفاضه والمناطق المحتلة .

رابعا : طبقا للمادة الثالثة من الأتفاقية فان جريمة الابادة الجماعية ليست فقط جريمة دولية جنائية عمدية وانما هى جريمة مستحقة العقاب . ويعاقب فاعلوها الاصليون وشركائم أيا كانت صور الاشتراك أو سواء تم ذلك بالاتفاق الجنائى التأمر أو التحريض أو المساعدة . كما ان الشروع فيها يأخذ حكم الجريمة التامة ويستوجب عقاب مرتكبيه.

(1) يلاحظ ان القاء القنبلة الذرية على جزر اليابان فى 5 اغسطس سنة 1945 لايشكل جريمة ابادة جماعية فحسب وانما يشكل فى تقديرى عدة جرائم دولية منها جريمة احداث التلوث التعمدى للبيئة . فقد افسدت الاشعاعات التى أنبعثت من انفجار هذه القنبلة اجواء اليابان لسنوات طويلة .

ولنا وقفة عند كلمة ” الاشخاص ” . فهذه الجريمة فاعلها الاصلى لايكون شخصا اعتباريا كالدولة وانما هو شخص طبيعى وفرد عادى .ولهذا السبب لاينال من الاتفاقية أنها لم تحدد العقوبة الواجبة التطبيق – خاصة وان القانون الدولى الجنائى لم يدخل طور التدوين بعد اذ من المتصور القياس على عقوبات القتل العمد مع سبق الاصرار والترصد  – واقصى عقوبة له الاعدام – للوصول الى العقوبة المناسبة للفاعلين الاصليين وشركائهم . ولا اتصور رغم ان جريمة الابادة الجماعية كما سبق وان قلنا جريمة مركبة ان تتشدد فيها العقوبة عن الاعدام .

خامسا : لم تبين الاتفاقية نوع الغقوبة التى توقع على مرتكبى جريمة الابادة الجماعية . واقتصر دور المادة الخامسة على دعوة الدول الاطراف فى الاتفاقية الى اصدار التشريعات اللازمة لنفاذ الاتفاقية ، وعلى وجه الخصوص النص على عقوبات فعالة توقع على من تثبت ادانتهم من ” الاشخاص ” فى جريمة الابادة الجماعية أو أى من الأفعال الاخرى التى ورد ذكرها فى المادة الثالثة .

فماذا نحن فاعلين أكثر من هذا ؟ وماهى العقوبات الاكثر فاعلية من الاعدام ؟ ولكنا لانستطيع توقيع هذه العقوبة فى الدول التى الغت العمل بعقوبة الاعدام ولها ان تحكم على من تثبت ادانته فى جريمة مثل الابادة الجماعية بالأشغال الشاقة مدى الحياة . وينطق القاضى بهذه العقوبة عادة فى الجرائم الجسيمة وينص منطوق الحكم على يمضى المتهم بقية حياته الطبيعيه فى السجن وقياسا على مايحدث فى هذه الجرائم فان الدول التى لا تأخذ بعقوبة الاعدام لا خيار لها سوى ان تلجأ الى هذه الوسيلة الرادعة .

سادسا : يستفاد من نص المادة السادسة من الاتفاقية أن المحكمة المختصة بمحاكمة مرتكبى جريمة الابادة الجماعية قد تكون المحكمة المختصة فى المكان الذى وقعت فيه الجريمة ، أو محكمة دولية جنائية تختص بالنظر فى هذه الجرائم على نحو مايقضى به الاتفاق بين الدول الاطراف فاذا وقعت الجريمة على أرض دولة معينة فلاجدال فى ان الاختصاص الاول معقود لمحاكمها بمقتضى القواعد التى تحكم سريان قانون العقوبات من حيث المكان .

فاذا قبض على مرتكبى هذه الجرائم فى دولة اخرى وجب على الدولة الاخيرة تسليم هؤلاء الى الدولة التى وقع على ارضها الفعل موضوع التجريم . ولا تسرى هنا احكام التسليم الخاصة بالمجرمين السياسيين والمحظور تسليمهم ، ذلك ان التسليم هنا جائز بصريح نص المادة السابعة والتى تصف جريمة الابادة الجماعية بأنها جريمة غير سياسية .

(1)رسالة الأستاذة الدكتورة / عائشة راتب ، حول وضع الفرد فى القانون الدولى العام ، القاهرة 1959  ..

، ولما كان تسلييم المجرميين العاديين تحكمه قواعد واتفاقيات معينة ، فالراجح  ان بديل التسليم فى هذه الحالة أن تقوم الدولة التى تم القبض فيها على المتهمين بارتكاب هذه الجريمة بمحاكمتهم امام محاكمها المختصة .

فاذا أستبعدنا محاكمتهم امام محاكم الدولة التى وقع على أرضها الفعل وكذا محاكم الدولة التى تم القبض فيها على المتهم يبقى لنا الخيار الثالث والذى اعترفت به المادة السادسة من الاتفاقية وهو مبدأ القضاء الدولى الجنائى .

والاتفاقية نفسها أشارت فى المادة التاسعة منها الى الاحتكام الى محكمة العدل الدولية فى شأن الخلافات التى تثور بين الدول المتعاقدة فى شأن تفسير أو تطبيق أو تنفيذ الاتفاقية بما فى ذلك الخلافات التى تتعلق بمسئولية دولة من الدول عن أعمال الابادة الجماعية أو مايتصل بها من اعمال . فهذه الامور كلها تعرض على محكمة العدل الدولية بناء على طلب اى طرف من أطراف النزاع .

ومعنى أن جريمة الابادة الجماعية اذا ما انطوت على فعل يشكل مسئولية دولية لدولة ما كأن تكون حرضت على الفعل أو امرت بارتكابه أو سهلت له فان أمرهذه الدولة وتحديد مسئوليتها يقع فى أختصاص محكمة العدل الدولية أما مرتكبى الجريمة من الافراد فيمكن محاكمتهم أمام المحكمة الدولية الجنائية التى يختارها الاطراف . وان كان اللجوء الى القضاء الدولى الجنائى للمحاكمة عن هذه الجرائم قد جاء بصفة اختيارية . فضلا عن خلو الاتفاقية من نصوص عملية تنظم انشاء هذا النوع من القضاء .

هذه هى خواطرى حول أوصاف الجريمة الدولية المستشفة من الاسترشاد بالقواعد التى تحكم أخطر هذه الجرائم على الاطلاق وهى جريمة الابادة الجماعية . وتغرينى أوصاف هذه الجريمة بمحاولة وضع تعريف للجريمة الدولية مع خطورة هذه المحاولة خاصة اذا ما أردنا أن يكون تعريفنا جامعا مانعا وهو أمر غير سهل .

فالجريمة الدولية فى رأيي : ” جريمة جنائية ترتكب بالمخالفة لاحكام القانون الدولى العام بهدف المساس بمصلحة من المصالح العليا للمجتمع الدولى وتستوجب توقيع العقوبة على مرتكبها باسم الجماعه الدولية ” .

فالجريمة الدولية فى نظرى هى جريمة جنائية يتكفل ببيان عقوبتها القانون الجنائى وذلك الى ان يكتمل تدوين القانون الدولى الجنائى . وهى ترتكب بالمخالفة لاحكام القانون الدولى من حيث انه هو القانون المكون من مجموعة القواعد القانونية العرفية والاتفاقية التى أثمت العدوان على المصلحة الدولية محل الجريمة .

والجريمة الدولية – فى تعريفنا هدفها المساس بمصلحة من المصالح العليا للمجتمع الدولى . وقد تكون هذه المصلحة الحفاظ على الأمن و السلم الدوليين ، أو حماية الانسانية أو احترام قوانين أو أعراف الحروب . وأخيرا فان الجريمة الدولية كما هو ظاهر من التعريف جريمة تستوجب العقاب . والعقوبة فى هذه الحالة توقع على مرتكبها باسم الجماعة الدولية .

ولم نر داعيا لتعريف الجريمة بأنها فعل أو امتناع عن فعل ، أو بأنها فعل أو ترك واكتفينا بتعريفها – مباشرة : بأنها جريمة جنائية .  فقد خاض شراح القانون الجنائى فى تعريف الجريمة بما يكفى . ولذلك فتعريفنا لها بالجريمة الجنائية فى نظرنا من قبيل الدخول فى الموضوع مباشرة فهى ليست فعلا يرتب مسئولية مدنية ولا هى جريمة تأديبية بل هى بحق من الافعال التى توصف بأنها جرائم جنائية بحكم طبيعتها ونوع العقوبات المتصور تطبيقها على مرتكبها أو مرتكبيها و شركائهم .

وقد تعمدنا أغفال الاشارة الى ارتكاب الدولة للجريمة لأن هذا غير متصور عملا بالنسبة للاشخاص المعنوية . وعلى ذلك فالجريمة الدولية – فى تقديرنا جريمة يرتكبها أفراد عاديون سواء أكانت لهم صفة رسمية أم لم تكن . ويستوى فى ذلك أن يكون الفعل قد تم بتحريض من المسئولين فى الدولة من عدمه . أما اشتراك الدولة فى الجريمة فيثير موضوع المسئولية الدولية وهو موضوع يخرج عن دائرة هذا البحث .

(1)الأستاذ الدكتور/ حسنين ابراهيم عبيد ، الجريمة الدولية دار النهضة 1979 .

(2)الأستاذ الدكتور/ محمد نجيب حسنى ” دروس فى القانون الجنائى الدولى ” ، دروس للدكتوراه – القاهرة 1959 .

المبحث الثالث : “فى القانون الواجب التطبيق على الجريمة الدولية “

  • (( فض الاشتباك بين القانون الدولى الجنائى و القانون الجنائى الدولى ))

-أدى التقدم فى ميدان تكنولجيا الأتصالات الى تسهيل الاتصال بين المجتمعات الانسانية ، وتدعيم الترابط بين الأمم . وقد أدى هذا الترابط الى رفع مستوى الضمير الاجتماعى العالمى والى خلق مثل عليا مشتركة للسلوك الانسانى. ولقد فرضت هذه المثل المشتركة على أعضاء الجماعة الدولية واجبا بالالتزام بحد أدنى من السلوك لتحقيق أهداف الامن الجماعى والفردى .

ويواجه النظام القانونى الدولى مختلف التحديات على طريق حماية المجتمع العالمى من أنمطة السلوك التى تهدد كيانه وسلامته .

وبينما يتكفل القانون الجنائى الداخلى بتحديد المصالح الجديرة بالحماية الجنائية ، وباسباغ صفة التجريم على كل سلوك ينطوى على عدوان على احدى المصالح التى يحميها ، وبتقرير الجزاء الواجب التطبيق .

نجد ان القانون الدولى الجنائى هو الذى يحدد أهم مصالح المجتمع الدولى وأولاها بالرعاية والحماية ، وهو الذى يحدد أنماط السلوك الضار بهذا المجتمع ، وأخيرا هو القانون الكفيل بفرض العقوبات الجنائية على مرتكبى الفعال الضارة والتى تمس المصالح العليا للمجتمع الدولى. ويتم تنفيذ العقوبات التى يفرضها هذا القانون على مخالفيه أما من خلال نظام قمع جماعى تعاونى ، أو من خلال الأنظمة العقابية الوطنية .(1)

ولما كان القانون الدولى الجنائى هو ذلك الجزء من النظام القانونى الدولى الذى يمثل استراتيجية من الأستراتيجيات المستخدمة لتحقيق أحترام المصالح الأساسية للمجتمع الدولى التى أوجبت أهميتها ضرورة حمايتها جنائيا . لذلك فقد حق القول بأن هذا القانون انما هو نتاج للتزاوج بين العنصر الدولى للقانون الجنائى الداخلى مع العنصر الجنائى للقانون الدولى . ومن يريد تتبع نشأته وتطوره انما عليه أن يفعل ذلك من أجل هذين الفرعين من القانون .

(1)الأستاذ الدكتور/ حسنين ابراهيم عبيد : ” فكرة المصلحة فى قانون العقوبات ” ، المجلة الجنائية القومية ، سنة 1969 ، العدد الثانى ، ص 257 وما بعدها .

المطلب الأول : صلة القانون الدولى العام بالقانون الجنائى الدولى و القانون الدولى الجنائى

يقضى التقسيم التقليدى للقانون بتقسيمه الى قسمين رئيسيين :

أولهما قسم القانون الخاص ، وثانيهما قسم القانون العام . ويندرج القانون الدولى العام – طبقا لهذا التقسيم تحت قسم القانون العام باعتباره فرعا من فروع القانون الداخلى ينظم الناحيه الخارجية للدولة فى علاقاتها مع الدول الأخرى .

ولكن ظهر فى الفقه الحديث تقسيم أخر للقانون بصفة عامة يعتمد على المحيط الذى ينظمه القانون وما اذا كان ذلك المحيط داخليا أم خارجيا . وعلى ذلك ينقسم القانون – طبقا لهذا الاتجاه- الى قسم القانون الداخلى ويشمل القانون المدنى ، والتجارى ، والبحرى والمرافعات والاحوال الشخصيه والمالى والدستورى والادارى والجنائى والاجراءات الجنائيه . وهى القوانين التى تنظم احوال الدولة داخليا .

أما القسم الثانى فقد سماه اصحاب هذا التقسيم بقسم القانون الدولى ويشمل :

  • القانون الدولى الخاص .
  • القانون الجنائى الدولى .
  • القانون الدولى العام .

،والقانون الأخير أى القانون الدولى العام هو مجموعة القواعد المستمدة من العرف الدولى ، والمعاهدات الشارعة والمبادىء العامة المتفق عليها بين الأمم ، والسوابق القضائية الدولية والتى تنظم العلاقات بين الدول . وهو بدوره ينقسم الى عدة أقسام منها :

  • القانون الدولى الدستورى.
  • القانون الدولى الأدارى .
  • القانون الدولى البحرى .
  • القانون الدولى الجنائى . ، ، ،

(1)الأستاذ الدكتور / محى الدين عوض ، درسات فى القانون الدولى الجنائى ، مجلة القانون والأقتصاد ، العدد الأول ، مارس سنة 1965 ص 189 – ص 191 .

، ولم أرى فى حياتى أرتباكا سببه اى تقسيم للقانون مثلما سببه هذا التقسيم الأخير . فالقانون الجنائى الدولى – بمقتضى هذا التقسيم – فرع من فروع قسم القانون الدولى . والقانون الدولى الجنائى – وهو موضوع دراستنا – فرع من فروع القانون الدولى العام . فكيف تتم التفرقة بينهما ؟

وأرى السبيل الوحيد لفض الأشتباك بين القانونين المذكورين – وكلاهما يوصف بأنه دولى لا يكون الأ بالاستغراق فى تعريف كلا منهما مع بيان صلة كل منهما بالقانون الدولى العام منعا لأى لبس فى شأن نطاق تطبيقهما .

المطلب الثانى : تعريف القانون الجنائى الدولى وتحديد نطاقه :

يوصف هذا القانون بوصفين : فهو أولا قانون جنائى ، وثانيا هو دولى ، ومن المعروف أن القانون الجنائى الداخلى هو ذلك القانون الذى يتكفل باسباغ صفة التجريم على كل سلوك ينطوى على عدوان على أحدى المصالح التى يحميها . وهى المصالح التى بلغت أهميتها فى نظر المشرع – مكانه جعلتهما جديرة بالحماية الجنائية . ويقوم القانون الجنائى أيضا بتقرير الجزاء الواجب التطبيق على مرتكب السلوك محل التجريم .

ويفترض القانون الجنائى الداخلى وقوع الجريمة داخل أقليم الدولة، وتمتع كلا من الجانى والمجنى عليه بجنسيتهما ، كما يفترض افراد القضاء الوطنى بالفصل فى الجريمة اعمالا لمبدأ السيادة فى مجال التشريع والقضاء .

ولكن تشابك العلاقات الدولية كشف لنا عن فروض أخرى لظروف أرتكاب الجريمة . ظروف أكثر تعقيدا من الصورة السابق عرضها . فكثيرا مايكون للجريمة عنصر أجنبى . وقد يمثل هذا العنصر فى كون أحد طرفى الجريمة أجنبيا ، أو فى وقوعها خارج اقليم الدولة . ومن هنا برز الدور الذى يمكن للقانون الجنائى الدولى القيام به .فالقانون الجنائى الدولى فى تعريف للأستاذ الدكتور/ محى الدين عوض هو ذلك العلم الذى يحدد الاختصاص القضائى الجنائى للدولة بالنسبة للقضاء الأجنبى . ويحدد قواعد تطبيق قوانين الدولة الجنائية للمكان والأشخاص بالنسبة الى القوانين الجنائيه الأجنبية ، ويبين كذلك سلطان الأحكام الجنائية الأجنبية على أقليم الدولة .

(1)الأستاذ الدكتور/ حسنين ابراهيم عبيد ، القضاء الدولى الجنائى ، دار النهضه العربية ، الطبعة الأولى ، 1977 ، ص 5 .

، والى هنا يوحى هذا التعريف بأن القانون الجنائى الدولى كان جديرا أن يضاف اليه وصف ” الخاص ” فيسمى بالقانون الجنائى الدولى الخاص لشدة الشبه بين عناصر تعريفه وعناصر تعريف القانون الدولى الخاص وان كان الاخير يحكم المسائل المدنية التى تتنازعها عدة قوانين داخلية فى دول مختلفة .

ويستطرد الأستاذ الدكتور/ محى الدين عوض فى تعريفه للقانون الجنائى الدولى فيقول أن من قواعده : ” قواعد تسليم المجرمين ، وقواعد تطبيق القانون الجنائى المصرى على الأجانب اذا ما ارتكبوا جرائم من خارج الأقليم  ، وقواعد تطبيقه على المصريين اذا ما ارتكبوا جرائم فى الخارج . وفى بعض الأحيان قواعد تطبيق القانون الأجنبى بمعرفة القاضى الجنائى الوطنى ” .

ويوقعنى النصف الأخير من التعريف فى مزيد من الأرتباك .

فكل هذه القواعد التى يتضمنها القانون الجنائى الدولى انما توحى دون شك بأنه فرع من فروع القانون الجنائى الداخلى ولا صلة له بالقانون الدولى العام . فوجود عنصر أجنبى للجريمة سواء أصاب هذا العنصر أشخاص الجريمة أى اطرافها أو مكان وقوعها لا يؤهل هذا القانون للتمتع بالدولية .(2)

وفى ختام مقدمته لدراساته فى القانون الدولى الجنائى قال الفقيه أنه يميل الى اطلاق تعبيرى ” القانون الجنائى الدولى ” و ” القانون الدولى الجنائى ” كتعبريين مرادفيين لبعضعهما ودالين على ذلك الفرع من فروع القانون الدولى والمسمى بالقانون الدولى الجنائى . وأضاف الفقيه انه يفضل أن تكون تسمية القانون الذى يحكم تنازع القوانين الجنائية الداخلية للدول بالقانون الجنائى لما بين الدول . أو قواعد تنظيم النطاق المكانى لسلطان القوانين الجنائية الداخلية أى مدى تطبيقها على الجرائم التى تقع خارج الأقليم وذلك لأن قواعد القانون الجنائى لما بين الدول ان هى الآ قواعد تنظيميه وليست قواعد عقابية أو موضوعية ، فهى تحدد اختصاص محاكم الدول الاخرى حتى لا يقع نزاع بين قوانين الدول المختلفة ، وهى بهذه الصفة قواعد داخلية وليست قواعد دولية ، كما أنها قواعد اجراءات وليست قواعد عقوبات .

(1)تعريف الأستاذ الدكتور/ محى الدين عوض ، المرجع السابق ، ص 190 .

(2) يلاحظ أن تعريف الأستاذ الدكتور/ محى الدين عوض للقانون الجنائى لما بين الدول يكاد يكون متطابق بحيث يقوم كلا منهما بذات الدور الذى يقوم به الأخر وفقا لهذين التعريفين . مع ملاحظة أن تعريف الفقيه للقانون الجنائى لما بين الدول مخالف لتعريف غيره من الفقهاء .

(3) تقريرالأستاذ الدكتور/ رمسيس بهنام ”  الجرائم الدولية ” – اللجنة الرابعة للمؤتمر الاول للجمعية المصرية للقانون الجنائى – القاهرة من 13 -17 مارس  سنة 1987 – مجموعة تقارير المؤتمر .

، ولأن ما يهمنا  فى هذه الدراسة هو تحديد قواعد العقوبات التى تنطبق على الجرائم الدولية وليس قواعد الأجراءات فلا مناص من الاستمرار فى عرض مختلف التعريفات التى ترد على قانونين مختلفين هما القانون الدولى الجنائى والقانون الجنائى الدولى واللذان يستخدم بعض الفقهاء أحدهما للتعبير عن الأخر ربما للحيرة التى وقعوا فيها ازاء صعوبة التفرقة بينهم بشكل حاسم . ومن هؤلاء الفقهاء بيلا ، ودونديو دفابر ، ودوماس ، وجلاسير ، وجيستيك .

وفى تعريف الفقيه الرومانى بيلا قال ان القانون الجنائى الدولى هو ذلك الفرع من القانون الذى يعاقب على الأفعال غير المشروعة أو الجنائية التى ترتكبها الدول فى علاقاتها المتبادلة أثناء مباشرة سلطتها فى السيادة ، كما أنه يسرى أيضا على أفعال الافراد التى تؤثر على علاقات حسن الانسجام والوئام التى يجب أن تسود المجتمع الدولى .(1)

وقد أقترب ” بيلا ” فى هذا التعريف من الأختصاص المعترف به للقانون الدولى الجنائى ، مع ملاحظة أن بيلا من الفقهاء الذين يخلطون بين التسميتين .

وقد عرف الفقيه ” جرافن ” القانون الجنائى الدولى بأنه مجموعة القواعد المقررة للعقاب على مخالفة أحكام القانون الدولى العام. وأن الحكمة منه هو حماية المصالح العليا للدولة عامة والتى يحميها ذلك القانون .

ومع ذلك فقد أعلن ” جرافن ” انه مكن الأوفق اطلاق تعبير القانون الجنائى الدولى على القانون الذى تعد الأتفاقيات الدولية التى تحظر أفعالا معينه تسمى بالجرائم العالمية والعقاب عليها مصدرا لها ومثالها : تجارة الرقيق الابيض ، وتداول المطبوعات الشائنه والاتجار فى الأشخاص واستغلالهم وتزييف العمله . وقال أن هذه الجرائم لا يطلق عليها اسم الجرائم الدولية لأن الأخيرة من الجرائم التى تكون مخالفة لقانون الشعوب وليس للقانون الجنائى الدولى . وعلى ذلك فقد جعل ” جرافن ” الاختصاص بنظرالجرائم العالمية للقانون الجنائى الدولى بينما أخضع الجرائم الدولية للقانون الدولى العام .

(1)راجع فى تفضيل احدى التسميتين على الأخرى مقال جرافن فى المجلة الدولية لقانون العقوبات ، العددين 1 ، 2 سنة  1964 ص 35 .

(2) راجع ” بيلا ” فى كتابه  ، الأجرام الجماعى للدول وقانون عقوبات المستقبل ، 1926 ، الطبعة الثانية ، ص 175 .

(3) جلاسير ، مقدمة دراسة القانون الدولى الجنائى  ، سنة 1954 ص 7 .

وحيث أن القانون الدولى الجنائى هو من احدث فروع القانون الدولى العام فيكون الفقيه ” جرافن ” قد قضى بطريق غير مباشر – باختصاص القانون الدولى الجنائى بالجرائم الدولية .

ولست أوافق على هذه التفرقة والمبنية على الفروق بين الجرائم الدولية والجرئم العالمية . فلست أعترف بأن هناك فروق بينهما .فكلاهما فيه عدوان على المصلحة الدولية وكلاهما ينطوى على عنصر دولى ، بل وكلها عابرة للحدود الوطنيه . وفى نظرى كلا الفئتين خاضع للقانون الدولى الجنائى وليس القانون الجنائى الدولى .

وقد كان أحد العلماء السوفيت على حق عندما عرف القانون الجنائى الدولى بقوله : ” القانون الجنائى الدولى مقارنا بغيره من العلوم القانونية الأخرى هو العلم الذى يعتبر اسمه وموضوعه محل نظر وبحث ” .

ويعرف الأستاذ الدكتور/ حسنين عبيد القانون الجنائى الدولى بأنه ” مجموعة القواعد التى تحكم تنازع القوانين الجنائية من حيث الأشخاص والمكان ” وأن مجال تطبيقه يكون عندما تكون الجريمة من او على شخص أجنبى ، أو اذا وقعت خارج اقليم الدولة . وهنا يقوم القانون الجنائى الدولى بذات الدور الذى يقوم به القانون الدولى الخاص فى المسائل المدنية ألا وهو تحديد القانون الواجب التطبيق .

ولكن المبادىء التى تحكم تطبيق قانون العقوبات من حيث المكان منصوص عليها فى صدر كل قانون .فهى قواعد قانونية وضعيه تحتويها كافة التشريعات ، ووضعت خصيصا لمواجهة الوقائع التى تحوى عنصرا أجنبيا . ومعظم هذه القواعد تعد استثناء على قاعدة الأقليمية ويسميها البعض بقواعد الامتداد الاقليمى . وغاية هذه القواعد المتفق عليها عالميا – تمكين الدول من تعقب الجناة . سواء تم ذلك عن طريق تطبيق قانون الجانى ، أو قانون المجنى عليه أو أعمال مبدأ الاختصاص العالمى الشامل الذى يرى أباحة تطبيق أى قانون من أية بقعه من الأرض .

(1)الأستاذ الدكتور/ محى الدين عوض ، المرجع السابق ، هامش ص 192 .

(2) الأستاذ الدكتور/ محى الدين عوض ، المرجع السابق ، هامش ص 193 .

(3) الأستاذ الدكتور/ حسنين عبيد ، القضاء الدولى الجنائى ، دار النهضة العربية ، 1977 ، ص 6 .

الدكتور / حميد السعدى – تعرفة فى دراسة القانون الدولى الجنائى – الطبعة الاولى – بغداد – سنة 1971 ص 20 وما بعدها .

ومعنى هذا أن القانون الجنائى الدولى – فى هذا التعريف جزء من القانون الجنائى الوضعى . وهو قول أقرب للواقعية والمنطق من غيره .

ويزيد الدكتور/ عبد الرحيم صدقى هذا التعريف ايضاحا بقوله ” أن القانون الجنائى الدولى يعنى بوضع تنظيم للجرائم الواردة فى قانون العقوبات الوطنى المتميزة بوجود عنصر دولى أو أجنبى .

وقد يتعلق هذا العنصر الأجنبى بمكان الجريمة أو بجنسية الجانى أو الضحية .  وهنا يهتم بتبيان اختصاص الدولة فى عقاب الجرائم المرتكبه خارج حدوده الأقليمية أو التى ترتكب بواسطة رعاياها على أقاليم دول أخرى ، وأخيرا فى عقاب من يرتكب جرائم اضراربها أوبرعاياها ” .

ويتضح من هذا البيان أن كل المسائل المشار اليها والتى تدخل فى دائرة القانون الجنائى الدولى انما هي مسائل متعلقة بتنازع الأختصاص الجنائى .وأن الدول المتنازعه هى التى تحدد القواعد القانونية الواجبة التطبيق . وعلى ذلك فالقانون الجنائى الدولى هو قانون وضعى من صنع الدول وهو قانون مدون شأن كل القوانين الداخلية بينما القانون الدولى الجنائى مصدره العرف والأتفاقيات ولا يستمد قواعده من التشريعات الداخلية وما زال فى طور التدوين وهو بلاشك فرع من فروع القانون الدولى العام .

المطلب الثالث : تعريف القانون الدولى الجنائى وبيان صلته بالقانون الدولى :

يقول الفقيه scharzenberger أن تعبير ” القانون الدولى الجنائى “له أكثر من ست معان على الأقل . فقد يرتبط هذا التعبير بموضوع الاختصاص الآقليمى لقانون العقوبات ، أو بقواعد قانون العقوابات الداخلية المعترف بها دوليا ، أو بالتعاون الدولى فى ادارة القوانين الجنائية الوضعية وغيرها من الموضوعات الى جانب المعنى المحدد للتعبيركفرع من فروع القانون الدولى .

ويضيف الفقيه ” شوارزنبرجر” أن تعبير ” القانون الدولى الجنائى ” يستخدم أيضا للدلالة على التزاوج بين الأفعال الخاضعة للقانون الجنائى الداخلى وبعض العناصر الأجنبية فيقترب دوره من القانون الدولى الخاص أو القانون المتعلق بتنازع الأختصاص . (1)

وأنه يتناول ضمن ما يتناوله من الموضوعات والأفكار والنظريات المقارنة المشتركة بين النظم العقابية للدول المتمدينة وعلى ذلك فهو يعد حقلا من حقول القانون المقارن .

(1)الدكتور/ عبد الرحيم صدقى ، دراسة للمبادىء الأصولية للقانون الدولى الجنائى فى الفكر المعاصر ، المجلة المصرية للقانون الدولى ، الجلد 40 ،1984 ، ص  504 .

وتقترن تسمية هذا القانون – أى القانون الدولى الجنائى – أيضا بمجموعة القواعد القانونية التى يقرها القانون الدولى نقلا من القوانين الجنائية الوضعية والتى تسمح للدول بممارسة صور غير عادية من صور الأختصاص الجنائى تمكينا لها من الأشتراك فى حملة مكافحة الجرائم الدولية .

ومن العرض السابق يتضح لنا – بسهولة أن الفقيه ” شوارزنبرجر ” انما يستخدم تعبيرى القانون الدولى الجنائى والجنائى الدولى للدلالة على تعبير واحد هو القانون الدولى الجنائى .

وربما يرجع ذلك الى أنه لا مجال فى اللغة الانجليزية لقلب هذا الأصطلاح رأسا على عقب بحيث نقول criminal international law   فضلا عن أن القانون الدولى يجب,, القانون الوطنى – خاصة فى الفكر الأنجلوسكسونى – ولذلك يجى ذكر الوصف الدولى أولا فى جميع الحالات . بينما تسمح اللغة الفرنسية بالتعبيرين فيطلق على القانون الدولى الجنائى droit international penal  بينما يطلق على القانون الجنائى الدولى تعبير droit penal international ويجب ذكر اللفظ الدال على الطابع الدولى الذى يتمتع به هذا القانون قبل الوصف الجنائى .(1)

فهذا القانون أى القانون الدولى الجنائى انما يتميز بطابعه الدولى فى المقام الاول على حين يتمتع القانون الجنائى الدولى بطابعه الوطنى . ولهذا السبب لا غرابة فى أن غالبية الفقه تذهب الى أنه فرع من فروع القانون الدولى العام . ومن هؤلاء الفقيه ” جلاسير ” فى حين أنه يعتبر القانون الجنائى الدولى فرع من فروع القانون الداخلى أو الوطنى على أساس أن قواعده تجد مكانها فى التشريعات الجنائية الوطنية .

ومن الفقهاء من يعارض نسبة القانون الدولى الجنائى الى القانون الدولى العام ،  ويقول هذا الفريق المعارض أنهم يخشون أن يعتقد البعض أن القانون الدولى الجنائى  قانون عرفى – أتفاقى شأنه شأن القانون الدولى العام ، وحقيقة الامر أن القانون الدولى الجنائى قانون قائم بالفعل على العادة والعرف الى جانب اعتماده على ما يجىء بالأتفاقيات الدولية من قواعد مكتوبه تنقلها الدول بعد التصديق عليها الى تشريعاتها الوضعية فتأخذ حكم القانون الوضعى . ولاينال هذا من قوة القانون الدولى الجنائى فهناك دول تعتمد اعتمادا أساسيا على العرف والسوابق القضائية كمصدر أساسى لقضائها ومثالها الدول الأنجلوسكسونيةمثل أنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية وهى الدول التى تتبع نظاما يسمى بنظام . the common law system   ،

(1)وأنظر أيضا الدكتور/ عبد الرحيم صدقى ، المرجع السابق ، السابق ص 5 .

ومن التعريفات التى وضعت للقانون الدولى الجنائى تعريف يقول أنه مجموعة القواعد القانونية التى تحكم الجرائم الواقعة بين الدول فيما بينها وأنها قواعد تتميز بوجود عنصر أجنبى كما هو الحال فى القانون الجنائى الدولى وأن كانت تختلف عنها فى كون أطراف الجريمة دولا وليست أشخاصا عاديين . وأنه يترتب على ذلك أن العلاقات بين الدول هى التى تتأثر بتلك الجرائم التى غالبا ماتحرك مسئوليتها الجنائية ممثلة فى قادتها وأولى الأمرفيها .

ويضيف التعريف أن القانون الدولى الجنائى هو الذى يحدد القواعد المقررة للعقاب على انتهاك القانون الدولى العام ، ومن ثم فهو يلعب فيما بين الدول عين الدور الذى يلعبه القانون الجنائى الداخلى بين الأفراد الطبيعين .

ولست أتفق مع هذا التعريف فى بعض الأمور لعل أولها أن هذا التعريف خلط بين القانون الدولى الجنائى والقانون العقابى العالمى أو قانون العقوبات فيما بين الدول .

والذى يطبق على الدول فى حالة انتهاكها لقواعد القانون الدولى العام . وثانيهما أن القانون الدولى الجنائى لا تحكم قواعده الجرائم الواقعة بين الدول فيما بينها فقط وانما تسرى قواعده على مرتكبى الجرائم الدولية أيا كانت صفتهم وأيا كانت دوافعهم حتى ولو لم يكونوا من أولى الأمر والقادة . فقد ترتكب الجريمة الدولية بدوافع شخصية بحتة كأن يكون مرتكبها شاذا تتسلط عليه كراهيته للانسان ، وقد يكون محبا لتعذيب الأخرين ، وما الى ذلك من الأمراض التى يصاب بها البشر من ضعاف النفوس .ولذلك فمن الأوفق أن يكون التعريف شاملا لهذه الفئه من الناس سواء قامت بارتكاب الجريمة لحسابها أو لحساب دولة من دولة وبتشجيع منها أو بمساعدتها بحيث يمكن تعريف القانون الدولى الجنائى بأنه مجموعة القواعد القانونية التى تسرى على الأفعال التى تشكل أنتهاكا خطيرا للقانون الدولى العام والتى تتولى عقاب مرتكبيها باسم المجتمع الدولى .(2)

لهذه الأسباب أن تعريف الأستاذ ” جلاسير ” من أنسب التعريفات التى قيلت فى هذا الشأن . فقد عرف الفقيه القانون الدولى الجنائى بأنه ” مجموعة القواعد القانونية المعترف بها فى العلاقات الدولية والتى تهدف الى حماية النظام القانونى والاجتماعى الدولى ، بواسطة العقاب على الاعمال الماسة به ” . فالقانون الدولى الجنائى – والحال كذلك – هو ” مجموعة القواعد القائمة لعقاب مخالفات فروض القانون الدولى العام ” .

(1)الأستاذ الدكتور/ حسنين ابراهيم عبيد ، القضاء الدولى الجنائى ، ص 6 .

(2) الدكتور/ محمد بهاء الدين باشات ، المعاملة بالمثل فى القانون الدولى الجنائى الأعمال الانتقامية وفكرة العقاب الدولى ، الهيئه العامة للمطابع الأميرية ، 1974 ، ص 4 .

(3) رسالة الأستاذة الدكتورة/ عائشة راتب حول وضع الفرد فى القانون الدولى العام ، القاهرة 1959 .

وترجع نشأة القانون الدولى الجنائى – بهذا المعنى الى الفترة مابين الحربين العالمتين ولكنه لم يعرف تطبيقا عمليا أو حقيقا الا فى أعقاب الحرب العالمية الثانية عندما أنشئت محكمتان عسكريتان دوليتان ، احداهما لأوربا وهى محكمة نيورمبرج والتى أنشئت بمقتضى ميثاق لندن الصادر فى 18 أغسطس سنة 1945 ،  والثانية للشرق الأقصى وهى محكمة طوكيو وقد أنشئت بموجب تصريح القيادة العليا لقوات الحلفاء الصادر فى 19 يناير سنة 1946 . وقد حوكم امام هاتين المحكمتين الدولتين مجرمو الحرب لدول المحور ( اليابان – ايطاليا – ألمانيا النازية ) . وقد شمل اختصاصهما ثلاث طوائف من الجرائم : الجرائم التى أرتكبت ضد السلام ، وجرائم الحرب والجرائم ضد الأنسانية .

وقد أخذت القواعد التى سارت عليها تلك المحاكمات مكانها كقواعد للقانون الدولى وكانت نقطة تحول فى القانون . فقد حوت اللوائح المنشئة لمحكمتى نيورمبرج وطوكيو والأحكام الصادرة عنها مجموعة من المبادىء أكدت وجود فرع جديد فى القانون ألا وهو القانون الدولى الجنائى .

وقد تأكدت صلة هذا الفرع الجديد بالقانون الدولى العام .

فصفة ” دولى ” هنا لاتعنى مجرد وجود عنصر أجنبى يظهر فى مجال القانون أو العقاب الجنائى كشأنها مع القانون الجنائى الدولى وانما الصفة الدولية هنا بالنسبة للقانون الدولى الجنائى تعنى أن هذا القانون جزء من القانون الدولى وأكثرأرتباطا به من القانون الجنائى الدولى  .

ومن ثم فالقانون الدولى الجنائى يقوم على ذات الأساس الذى يقوم عليه القانون الدولى وله نفس مصادره . بل أنه مازال مثله قانونا عرفيا فى طور التدوين . ومع ذلك فهو لايعد قديما قدم القانون الدولى العام بل أنه وباعتباره فرعا حديثا للأخير ما زال طريق التكوين .(4)

(1)الدكتور/ محمد بهاء الدين باشات ، المعاملة بالمثل فى القانون الدولى الجنائى الأعمال الأنتقامية وفكرة العقاب الدولى ، الهيئة العامة للمطابع الأميرية ، 1974 ، ص 4 .

(2) الأستاذ الدكتور/ محمود نجيب حسنى ” دروس فى القانون الجنائى الدولى ” ، دروس للدكتوراه ، القاهرة 1959 .

(3) الأستاذ الدكتور/ محمد محى الدين عوض – دراسات فى القانون الدولى الجنائى ، مجلة القانون والأقتصاد يونية سنة 1965 العدد الثانى ، السنة الخامسة والثلاثون ص 517 – ص 682  ” محاكمات الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945 ” .

(4) الأستاذ الدكتور/ محمود محمود مصطفى  ، شرح قانون العقوبات – القسم العام  – الطبعة التاسعة  ،1974  ، مطبعة جامعة القاهرة .

الخاتمة :

نخلص من العرض المتقدم الى أن الجريمة الدولية فعل أو امتناع عن فعل يقع بالمخالفة لأحكام القانون الدولى ويصل الى درجة من الاضرار بمصالح أو بقيم المجتمع التى يحميها هذا القانون ، الأمر الذى يقوم معه الاقتناع لدى الدول بيقين بأن هذا الفعل أو ذلك الامتناع يتعين المجازاة عنه جنائيا . وأن الجريمة الدولية بهذا المعنى قد يتم ارتكابها باسم دولة ولحسابها مثل جرائم اشعال الحروب العدوانية أو الأنتهاكات الصارخة للارتباطات الدولية ، كما أنه من الممكن ارتكابها بمعرفة أفراد بصفتهم ولحسابهم كجرائم تزييف وترويج العملة دوليا أو تجارة الرقيق واستغلال الأشخاص فى الدعارة دوليا .

وأن من الجرائم الدولية ما يقع وقت السلم ، ومنا مايقع وقت الحرب ، بل وهناك صور منها يمكن أن تقع وقت الحرب أووقت السلم على السواء ومنها الجرائم التى ترتكب ضد الأنسانية .

وأيا كانت صورة الجريمة الدولية فان القانون الواجب التطبيق عليها هو القانون الدولى الجنائى حتى ولو كان مرتكب الفعل دولة . أوبعبارة أدق حتى ولو كانت الجريمة قد ارتكبت باسم ولحساب دولة . وأنه لايمكن القول بانطباق قانون العقوبات بين الدول على هذه الحالة اذ انه لايمكن تصور وجود قانون بهذا المعنى لعدم وجود هيئة أعلى من الدول يمكنها تطبيق جزاءات زاجرة عليها فى حالة انتهاكها للقانون الدولى .

كما أنه لايتصور أن تطبق العقوبات الجنائية التقليدية على دولة من الدول . فلا يتصور الحكم بحبس دولة أو اعدامها. فالشخص الطبيعى هو وحده الذى يتصور أن يرتكب الجريمة الدولية . وهو وحده فاعلها الاصلى ، وهو وحده الذى يمكن اخضاعه للعقوبات الجنائية العادية . أما الدولة – باعتبارها أكبر الأشخاص الاعتبارية فى الوجود فتعلق بها المسئولية الدولية بكل مايترتب على ذلك من أثار .

ومع ذلك فيمكن – اذا كتب لمشروع المدونة العقابية العالمية التى تسعى بعض المؤسسات العلمية المتخصصة الى تبنيها الوجود على نحو ما أشرنا فى صدر هذا البحث أن نتصور أن توقع فى يوم من الايام بعض العقوبات الجنائية على الدول . ولكن خيالى لايصل الى أكثر من تصور توقيع عقوبات بعضها أصلى ومعظمها احتياطى أو تبعى كالغرامة أو المصادرة أو الحراسة وهى لاتتعدى كونها عقوبات تصيب الذمة المالية للدولة ، ومع ذلك فغالبية الفقه – وهى على حق فى ذلك – ترى أن الجزاءات التى يمكن أن توقع على الدول لا يمكن أن تتسم بالطابع العقابى نظرا لتعارض هذا الطابع مع مبدأ سيادة الدول .

وعلى أي حال يبقى القانون الدولى الجنائى صاحب الأختصاص الأصيل فى حماية النظام العالمى الدولى من أى أعتداء أيا كانت صورة هذا الاعتداء جرائم حرب كانت أو جرائم ضد السلام أو ضد الانسانية .

ويظل نطاق القانون الجنائى الدولى – من ناحية أخرى محصورا فى مواجهة المشاكل الجنائية التى يكون ضمن عناصرها عنصر أجنبى سواء فيما تعلق بجنسية الجانى أو بجنسية المجنى عليه أو بمكان ارتكاب الجريمة أو بنتائجها وأثارها . وهو قانون وان سمى بالدولى فهو قانون وطنى فى جزوره .

وهكذا تصبح الحدود الفاصلة بين القانون الدولى الجنائى والقانون الجنائى الدولى واضحة بعد أن التبس على الكثيرين فهم الفروق بينهما . ويرجع اللبس فى تقديرى الى ذهاب كثير من الفقهاء الى الأشارة الى القانون الجنائى الدولى كفرع مستقل من فروع القانون .

وفى تقديرى أن الامر ليس كذلك فالقواعد التى يحويها ذلك القانون قواعد عالمية متفق عليها فى جميع التشريعات الجنائية الوضعية  .

وأن مشاكل التنازع فى الأختصاص يتم حلها اتفاقا بين الدول . ومعظمها يتم حله ثنائيا كمشاكل تسليم المجرمين العاديين . وقد يغضب الكثيرون أن أقول أن الادعاء بأن القانون الجنائى الدولى بالذات فرع مستقل من فروع القانون أدعاء غير قائم على أساس علمى سليم . فقواعده جزء من القواعد القانونة الجنائية الوضعية فى كل دولة ولا تحتاج لعملية تدوين أو خلق خاصة .

ويكفينا المشاكل المحيطة بتدوين القانون الدولى الجنائى فهو وحده حاليا الخليق بأن يكون فرعا مستقلا من فروع القانون ذلك أن موضوعه وهو الجريمة الدولية موضوع لاتغطيه كل التشريعات الوضعية الموجودة فى العالم ومن ثم فتقنين القواعد التى تحكم تأثيمها والعقاب عليها أمر ضرورى على المستوى الدولى .

-هذا رأى وليس بلازم أن يكون أسلم الأراء وأقواها حجه . ولكن يكفينى أنه رأى صادق نابع عن أقتناع وبعد تأمل .

والله ولى التوفيق .

قائمة المراجع :

(1)تقرير بأعمال المؤتمر الأول للجمعية المصرية للقانون الجنائى  الذى أنعقد فى القاهرة فى الفترة من 13 – 17 مارس سنة 1987  ويتضمن  :

(أ)تقرير الأستاذين  أوتو تريفترير ، وليشن جارودوكسى فى شأن الجرائم الدولية  وقانون العقوبات الوطنى – تقرير بولندا أمام اللجنة الرابعة للمؤتمر الأول للجمعية المصرية للقانون الجنائى – القارة 13 -17 مارس سنة 1987 .

(ب) تقرير الأستاذ الدكتور/ رمسيس بهنام ” الجرائم الدولية ” اللجنة الرابعة للمؤتمر الاوا للجمعية المصرية للقانون الجنائى – القاهرة من 13 -17 مارس سنة 1987  – مجموعة تقارير المؤتمر .

(ج) الأستاذ الدكتور/ محمد محى الدين عوض ، ” الجرائم الدولية تقنينها والمحاكمة عنها  – تقرير اللجنة الرابعة للمؤتمر الأول للجمعية المصرية للقانون الجنائى – مجموعة تقارير المؤتمر – القاهرة من 13 -17 مارس سنة 1987 .

(2) الأستاذ الدكتور/ محمد محى الدين عوض – دراسات فى القانون الدولى الجنائى ، مجلة القانون والاقتصاد – مارس سنة 1965 – العدد الاول – السنة الخامسة والثلاثون -من ص 189 – ص 367 ” القانون الدولى الجنائى ” .

(3) الأستاذ الدكتور/ محمد محى الدين عوض –  دراسات فى القانون الدولى الجنائى ، مجلة القانون والاقتصاد – يونية سنة 1965 – العدد الثانى السنة الخامسة والثلاثون ص 517 – ص 682 ” محاكمات الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945 ” .

(4) الأستاذ الدكتور/ محمد محى الدين عوض – دراسات فى القانون الدولى الجنائى ، مجلة القانون والاقتصاد – سبتمبر سنة 1965 – العدد الثالث السنة الخامسة والثلاثون – من ص 847 – ص 972 ” فى العنصر المادى أو النشاط الاجرامى ” .

(5) الأستاذ الدكتور/ محمد محى الدين عوض – دراسات فى القانون الدولى الجنائى – مجلة القانون والاقتصاد ، ديسمبر سنة 1965 – العدد الرابع  – السنة الخامسة والثلاثون – من ص 1031 – 1102 ” أنواع الجرائم الدولية الخاصة ” .

(6) الأستاذ الدكتور/ حسنين ابراهيم عبيد ، الجريمة الدولية ، دار النهضة العربية ، 1979 .

(7) الأستاذ الدكتور/ حسنين ابراهيم عبيد ، القضاء الدولى الجنائى ، دار النهضة العربية ، 1977 .

(8) الأستاذ الدكتور/ عبد الرحيم صدقى ، دراسة للمبادىء الأصولية للقانون الدولى الجنائى – المجلة المصرية للقانون الدولى ، 1984 ، المجلد 40 .

(9) الأستاذ الدكتور/ محمود محمود مصطفى ، شرح قانون العقوبات  – القسم العام – الطبعة التاسعة ، 1974 ، مطبعة جامعة القاهرة .

(10) رسالة الأستاذة الدكتورة / عائشة راتب حول وضع الفرد فى القانون الدولى العام ، القاهرة 1959 .

(11) الدكتور/ محمد بهاء باشات ، المعاملة بالمثل فى القانون الدولى الجنائى . رسالة دكتوراه – القاهرة 1974 .

(12) الدكتور/  محمد مؤنس محب الدين ، الارهاب فى القانون الجنائى على المستويين الوطنى والدولى ، مكتبة الأنجلو المصرية 1987 .

(13) الأستاذ الدكتور/ محمود نجيب حسنى ” دروس فى القانون الجنائى الدولى ”  ، دروس للدكتوراه ، القاهرة 1959 .

(14) الدكتور/ حميد السعدى ، مقدمة فى دراسات القانون الدولى الجنائى ، الطبعة الأولى  – بغداد – سنة 1971 .

(15) الأمم المتحدة وحقوق الأنسان – مكتب الاعلام العام – الأمم المتحدة – نيويورك ، 1978 .

(16) الأستاذ الدكتور/ حسنين ابراهيم عبيد ” فكرة المصلحة فى قانون العقوبات” – المجلة الجنائية القومية – سنة 1969 – العدد الثانى

  • خاص – المركز الديمقراطي العربي
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق