الدراسات البحثيةالمتخصصة

تطور وسائل الاعلام في افريقيا والتحديات التي تواجهها : دراسة لحالة جمهورية أفريقيا الوسطى

اعداد : عفاف ممدوح – باحثة دكتوراه في العلوم السياسية بكلية الدراسات الافريقية العليا – جامعة القاهرة – مصر

  • المركز الديمقراطي العربي

 

ظهرت الصحافة الأفريقية في ظل الاستعمار وقد أثرت القوى الاستعمارية بقوة على تطور الصحافة في القارة الأفريقية من خلال إدخال مفهوم سلطوي إلى حد ما للصحافة وتقييد نمو الصحافة المحلية ، وبعد الاستقلال كان ينظر للصحافة الوطنية على انها أداة ستعزز التكامل الوطني والتنمية والمساهمة في تلبية الحاجات الاقتصادية الأساسية كما كانت وسائل الإعلام ينظر اليها كأداة ثورية في النضال من أجل التحرير الإفريقي ، وتعد بنية مجال الإعلام في افريقيا الوسطى ضعيفة وهشة وهى سمة من سمات البلدان شديدة الفقر حيث يعيق الفقر المزمن تطور وسائل الإعلام ويمنع تطوير أغلى وسائل الإعلام مثل الصحافة المكتوبة والتلفزيون في جمهورية أفريقيا الوسطى  فكما هو الحال في معظم البلدان الفقيرة فإن الوسيلة الأقل تكلفة هي الراديو باستثناء المحطات الإذاعية المجتمعية في المقاطعات ، حيث تم إنشاء جميع وسائل الإعلام الأخرى في العاصمة بانغي حيث يتواجد غالبية جمهورها ويتميز المشهد الإعلامي في جمهورية إفريقيا الوسطى بنقص الإمدادات والمركزية حيث تحتل وسائل الإعلام العامة مكانة مركزية تقتصر فقط على العاصمة بانغي ، ومن خلال ما سبق سيتطرق هذا المقال إلي دراسة نشأة وتطور وسائل الإعلام في جمهورية أفريقيا الوسطى والتحديات التى تواجهها وذلك عبر عدة محاور وهما كالتالي ؛

المحور الأول : نشأة وتطور وسائل الاعلام في جمهورية افريقيا الوسطى

جمهورية إفريقيا الوسطى هي دولة غير ساحلية يبلغ عدد سكانها حوالي 5 ملايين نسمة استقلت عن فرنسا في عام 1960 ، وقد ابتليت جمهورية إفريقيا الوسطى منذ استقلالها بسلسلة من الانقلابات والصراعات والأزمات المرتبطة بالحكم السيئ والصراع كما تعد جمهورية إفريقيا الوسطى واحدة من أقل البلدان نمواً في العالم ، حيث تحتل المرتبة 180 من أصل 187 في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة لعام 2012 ، فقد اسفر معدل التنمية المنخفض والأمية والافتقار إلى البنية التحتية للاتصالات على صعوبة المجتمعات المحلية الوصول إلى المعلومات ، ويوجد في جمهورية إفريقيا الوسطى وزارة مسؤولة عن الاتصالات وتشرف هذه الوزارة على حسن سير عمل الجميع بالإضافة إلى ذلك هناك هيئات تنظيمية تليها هياكل اتصالات مهنية بالإضافة إلى المجلس الأعلى للاتصالات ومهمته ضمان وفرض حماية الصحافة وضمان احترام الأخلاق في مسائل الإعلام والاتصال والتأكد من أن أجهزة الصحافة المكتوبة وبرامج الإذاعة والتلفزيون لا تحتوي على أي تحريض على الكراهية أو العنف.

وتعد المحطات الإذاعية هي أكثر المنافذ الإعلامية الوطنية التي تتمتع بأعلى نسبة متابعة من الجمهور  حيث أن ثلاثة أرباع الأسر في افريقيا الوسطى لديها جهاز استقبال لاسلكي  وذلك بفضل انخفاض تكلفة اقتناء أجهزة الاستقبال وحقيقة أن استخدامها لا يتطلب مهارات معينة ، ولذلك يمكن القول ان الراديو لعب دورًا مهمًا في الحياة اليومية لشعب إفريقيا الوسطى هذا بالإضافة إلى ربط المناطق الريفية والحضرية ، فإنه يؤثر فعليًا على جميع الطبقات الاجتماعية في البلاد علاوة على ذلك يستخدمه السياسيون سواء من الأغلبية أو المعارضة بانتظام للوصول إلى سكان الريف لذلك يعتبر الراديو أكثر وسائل الإعلام استخدامًا ويمكن الوصول إليها .

وقد أنشأت الكنيسة الكاثوليكية ولاحقًا الحركات البروتستانتية معظم المحطات الإذاعية المجتمعية القديمة في المناطق الريفية والحضرية ولا توجد محطات إذاعية تجارية في جمهورية إفريقيا الوسطى بسبب ضعف سوق الإعلانات على المستوى الوطني ويعد الراديو هي الوسيلة المهيمنة في جمهورية أفريقيا الوسطى بسبب ارتفاع معدل الأمية والذي يصل إلى 80٪ وذلك حسب تقديرات لعام 2011 فالأمية سببًا في ان تظل الإذاعة هي وسائل الإعلام الرئيسية ، حيث يعتبر ارتفاع معدل الأمية عاملاً مقيدًا لتطور الصحافة المطبوعة كما أن تكلفة الإنترنت وانعدام الوصول إلى الكهرباء يحدان من عدد مشاهدي التلفاز حيث ان قلة من الناس يستطيعون شراء التلفاز كما يتسم قطاع الإعلام في جمهورية إفريقيا الوسطى أيضًا بالتخلف مقارنة بالدول المجاورة مثل الكاميرون أو جمهورية الكونغو الديمقراطية .

وتعد جمهورية إفريقيا الوسطى واحدة من أولى دول إفريقيا جنوب الصحراء التي أنشأت محطة تلفزيون عامة حيث تأسس جهاز الاعلام المرئي التليفزيون في 22 فبراير 1974 وهو مزود بجهاز إرسال بقوة 5 كيلو وات ، وهو يغطي فقط العاصمة بانغي والمدن الأخرى التي تبعد أقل من 200 كيلومتر، لذلك ، فإن وصول التلفزيون يقتصر عمليًا على المدن الكبرى وليس في جميع أنحاء الإقليم الوطني فحتى الان لا يزال يُنظر إلى أجهزة الاعلام المرئي الذي يعتمد إلى حد كبير على الكهرباء على أنه وسيلة إعلامية فاخرة مخصصة للطبقات الغنية والمتوسطة القادرة على توفير الكهرباء التي لا تصل إلا إلى جزء صغير من السكان ومعظمهم يقعون في العاصمة بانغي وخارج بانغي ، يمكن اعتبار الوصول إلى التلفزيون من وسائل الرفاهية حيث لا يتوفر سوى القنوات الفضائية المدفوعة .

وتحتكر الحكومة البث التلفزيوني المحلي ويبث التلفزيون العام لجمهورية إفريقيا الوسطى أربع ساعات فقط في اليوم وتقتصر عمليات البث التلفزيوني الوطني على الأنشطة الحكومية والأخبار والموسيقى والبرامج الدينية ،  وتوجد حزمة من القنوات الفضائية لكن الأثرياء فقط هم من يستطيعون تحمل تكاليفها ، ووفقًا لدراسة أجريت في عام 2014 ، كان هناك تلفزيون واحد لكل  6000 أسرة وهى نسبة مئوية ضئيلة للغاية مقارنة بالدول الأفريقية الأخرى فمعظم الأسر في إفريقيا الوسطى لا تستطيع تحمل الحصول على أجهزة التلفزيون وذلك لكونها باهظة الثمن ناهيك عن ازمة توفير الكهرباء

أما عن الإعلام المطبوع في جمهورية إفريقيا الوسطى فهو الأقل شعبية والأقل تأثيرًا من الإعلام المرئي والمسموع ، وذلك بسبب ارتفاع مستوى الأمية في البلاد وارتفاع تكاليف الصحف المطبوعة التي يصعب على المواطن العادي الوصول إليها ويرجع ذلك لأن وسائل الإعلام المطبوعة في جمهورية إفريقيا الوسطى تتمتع بتمثيل جغرافي منخفض حيث يقتصر قطاع الصحافة المكتوبة على العاصمة بانغي ، ولم يكن هذا القطاع تنافسيًا للغاية في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين (خمس جرائد يومية) ، فقد أصبح هذا القطاع أكثر أهمية منذ بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فهناك ما يقرب من 30-40 صحيفة يومية وأسبوعية في جمهورية إفريقيا الوسطى على الرغم من أن عددًا قليلاً جدًا منها يتم نشره بشكل منتظم وجميعها يتم نشرها في العاصمة بانغي “مع توزيع ضئيل على المناطق الداخلية  .

فالصحف تقتصر حصريًا على العاصمة وتترك المناطق الريفية في البلاد لوسائل الإعلام السمعية التي يسهل الوصول إليها كما ان الصحف مكتوبة حصريًا باللغة الفرنسية وليست بلغة السانجو ، فالفرنسية هي لغة الصحافة المكتوبة على الرغم من أن غالبية الناس لا يستطيعون قراءة اللغة ، ناهيك عن شراء الصحف في مثل هذا البلد الفقير بالتأكيد ليست أولوية بالنسبة لمعظم الأسر لذلك يمكن القول ان الصحف موجهة لموظفي الخدمة المدنية والطلاب والدبلوماسيون ، ولذلك فالصحف لديها تأثير محدود للغاية على السكان ويرجع لذلك لإن الغالبية العظمى من السكان أميون 80 بالمائة وفقًا لدراسة 2018 لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، ولذلك لم تتمكن شركات الإعلام المطبوع من ترسيخ نفسها كوسائل إعلام مرجعية متاحة لعامة الناس .

ومن الجدير بالذكر أن الصحف عادة لا تصل إلى المناطق الواقعة خارج العاصمة أو المناطق الحضرية الأخرى فوصولهم محدود بسبب انخفاض مستويات الإلمام بالقراءة والكتابة ونقص التوزيع في المناطق الريفية ويكاد يكون من المستحيل العثور على الصحف والمجلات الدولية في أفريقيا الوسطى بسبب صغر حجم السوق ووان وجدت فهي باهظة الثمن فلا تستطيع معظم الأسر في إفريقيا الوسطى دفع رسوم يوميًا لقراءة الأخبار وعلى الرغم من محدودية انتشارها على المستوى الوطني تخضع وسائل الإعلام المكتوبة لمراقبة صارمة من قبل سلطات البلاد منذ اندلاع الأزمة العسكرية والسياسية في عام 2013 مع إقالة الرئيس السابق فرانسوا بوزيزي وتكاثر الجماعات المسلحة على الأراضي الوطنية حيث تلجأ الجماعات المسلحة التي ليس لديها إمكانية للنشر في الصحافة المكتوبة إلى وسائل الإعلام على الإنترنت والشبكات الاجتماعية لإصدار بياناتها الصحفية أو الإدلاء ببيانات عامة .

المحور الثاني : دور وسائل الاعلام الجديد في جمهورية افريقيا الوسطى

شهدت وسائل الإعلام في إفريقيا تغييرات هائلة في العقدين الماضيين فقد كان هناك تقدم ملحوظ وتحول كبير نحو الديمقراطية والتنوع الإعلامي ، حيث ازدادت وسائل الإعلام التجارية والخاصة بشكل مطرد كما يرجع هذا النمو إلى المساحة التي أوجدها التحول من الأنظمة الديكتاتورية إلى الديمقراطيات المتعددة الأحزاب والانتخابات وكذلك انتهاء الحرب الباردة والدعوات الداخلية للإصلاحات وإرساء الديمقراطية كما بدأت وسائل الإعلام على الإنترنت في الظهور في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من خلال المدونات الثابتة وتجاوزت الراديو في أقل من 15 عامًا ، وذلك بفضل انتشار الإنترنت عبر الهاتف المحمول وظهور شبكات التواصل الاجتماعي .

وقد أدت التطورات في تقنيات الاتصال الجديدة وتحرير سوق وسائل الإعلام وتعميم الاتصال بالإنترنت إلى إحراز تقدم كبير في قطاع الإعلام في جمهورية إفريقيا الوسطى، ومع ذلك، فإن هذا التطور السريع لسوق وسائل الإعلام كان له عيوبه بعض الشركات الخاصة لما يسمى بالإعلام التقليدي ، التي لم تستعد لهذا التغيير ، اضطرت بالتالي إلى لعب دور هامشي أو ببساطة إغلاق أبوابها بسبب نقص مزمن في الظهور على الإنترنت وافساح المجال أمام العديد من المدونات الخاصة التي تتعامل مع الأخبار الوطنية والدولية بشكل مستمر .

مثل البلدان الأخرى في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ، وصلت خدمة الإنترنت الأولى إلى جمهورية إفريقيا الوسطى في عام 2000 في ذلك الوقت ، كان الاتصال بالإنترنت غير موجود تقريبًا وكان محجوزًا عمليًا لفئة هامشية من سكان وسط إفريقيا ومع ذلك ، بداية من عام 2005 ، ظهرت أولى المدونات الثابتة الخاصة التي تتعامل مع معلومات الدولة ، تم إنشاء هذه المدونات من قبل أفراد ليس لديهم معرفة بالصحافة ، ولا تزال جودة محتواها موضع شك وهي تشبه إلى حد ما مواقع الدعاية السياسية وبحلول عام 2012 ،  كان حوالي 3 في المائة من المواطنين متصلين بالإنترنت مع سرعة قصوى تبلغ 128 ميجابت / ثانية للبلد بأكمله  .

وتعد جمهورية إفريقيا الوسطى من بين آخر البلدان في العالم التي لديها إمكانية الوصول إلى الإنترنت فالاتصال بالإنترنت لا يزال محدودًا للغاية في المناطق الداخلية من البلاد كما ان المحتوى المنشور على مواقع الويب ، وهو حصري باللغة الفرنسية وليس بلغة السانجو الأصلية ، يمثل عقبة لانتشار الانترنت وتخضع الشبكات الاجتماعية لرقابة شديدة من قبل سلطات بانغي نظرًا لقدرتها على نقل المعلومات بسرعة كبيرة، وهي إحدى وسائل الاتصال الرئيسية في جمهورية إفريقيا الوسطى وتلعب دورًا رئيسيًا في الحياة اليومية لأبناء جمهورية إفريقيا الوسطى، على الرغم من قلة انتشار الإنترنت في البلاد معدل على الرغم من أن الشبكات الاجتماعية تحظى بشعبية بين شريحة من الشباب في المدن الرئيسية بالبلاد، إلا أن تأثيرها على السلوك الإعلامي لمستخدمي الإنترنت يتزايد باستمرار .

ويقدر مقدمو خدمة الإنترنت في جمهورية افريقيا الوسطى أن حوالي 40 بالمائة من مستخدمي الإنترنت هم من مستخدمي مواقع وسائل التواصل الاجتماعي ، حيث يعد موقع فيسبوك هو اكثر مواقع استخداما فهو يستخدم على نطاق واسع من قبل غالبية مستخدمي الإنترنت ، فهو أكثر الشبكات الاجتماعية شعبية في البلاد وهو مفتوح للجميع ، بما في ذلك الفئات المحرومة أو الفقيرة ، ويعد موقع تويتر ثاني أكثر الشبكات الاجتماعية شعبية ، الذي تستخدمه جميع الفئات الاجتماعية بشكل متزايد لكنه يظل الأداة المفضلة للصحفيين والسياسيين وموظفي المنظمات الدولية والمجتمع المدني وموظفي الخدمة المدنية .

بينما تتمتع الشبكات مثل يوتيوب أو لينكد ان بشعبية محدودة للغاية ويمكن القول انه وعلى صعيد الإعلام الجديد، تظل جمهورية إفريقيا الوسطى بلدًا لا يزال فيه العديد من الصحفيين ليس لديهم بريد إلكتروني، والعديد من المواطنين لا يعرفون حتى الآن كيفية استخدام الإنترنت ويقدر أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 35 عامًا هم الأكثر اتصالًا بالأنترنت عبر الهواتف المحمولة ، فلا توجد فجوة على أساس الجنس في معدلات الوصول إلى الإنترنت في البلاد ، ويعد الحصول على الكهرباء عقبة رئيسية أمام استخدام الانترنت عبر شبكات الهاتف المحمول في المناطق الداخلية من البلاد حيث ان شجن الهاتف المحمول يتطلب الولوج  إلى مولدات كهربائية لا تتوافر لدى معظم السكان هذا بالإضافة إلى نقص مهارات استخدام تكنولوجيا المعلومات ولا تزال المقاهي التي توفر الإنترنت هي الوسيلة الرئيسية للوصول إلى الإنترنت في جمهورية أفريقيا الوسطى .

وفي بداية عام 2000 ، أطلقت شركة الاتصالات السلكية واللاسلكية في إفريقيا الوسطى ، بقيادة السيد جوزيف زوكيتيا ، رسميًا أول خدمة اتصال بالإنترنت على الإطلاق لعموم الناس يعد نمو الاتصالات السلكية واللاسلكية في افريقيا الوسطى لا يزال منخفضًا حيث يتأثر بالتحديات التي تواجهها الدولة من ناحية معدلات التضخم القوي بالإضافة إلى البنية التحتية الضعيفة ، لا سيما بسبب الصراعات المعروفة منذ عام 2013 حيث أدى الوضع السياسي المتدهور مؤخرًا في جمهورية إفريقيا الوسطى الغير ساحلية إلى تقييد الاستثمار في شبكات الهواتف سواء الأرضية أو المحمولة بالإضافة إلى صعوبة الوصول إلى الكابلات البحرية العابرة للحدود ومع ذلك ، تظل خدمات الهاتف المحمول تتمتع بمستوى معقول من المنافسة ، فهناك أربعة مشغلين للهاتف المحمول وقد انطلقت خدمات أقدم مشغل في السوق عام 1996 لا تغطي شبكة الهاتف المحمول المنطقة بأكملها فوفقًا لورقة استراتيجية الحد من الفقر الخاصة بالبلد ، تمتلك 17 مدينة فقط إمكانية الوصول إلى خدمات الهاتف المحمول ، وهو ما يمثل معدل تغطية سكانية أقل من 30٪ بالإضافة إلى التغطية المحدودة للمناطق الريفية .

المحور الثالث : التحديات التي تواجه وسائل الاعلام في جمهورية افريقيا الوسطى

في أعقاب الاستقلال وطوال فترة الحزب الواحد التي استمرت منذ عام 1960 وحتى عام 1990، كانت الاتصالات الاجتماعية وحرية التعبير تحت سيطرة السلطات ، حيث تم حظر أي صحافة مستقلة بشكل صارم وفي عام 1990 تحت ضغط باريس التي اشترطت على جمهورية افريقيا الوسطى جعل المساعدات الاقتصادية مشروطة بالانفتاح الديمقراطي ، صدر قانون في عام 1992 لتحرير قطاع الإعلام وعلى الرغم من ان الدستور ينص على حرية التعبير والصحافة يبدو أن الحكومة تسيطر على الكثير من وسائل الإعلام ومحتواها كما ان الرقابة الحكومية منتشرة على نطاق واسع ويمكن القول ان العلاقات بين الحكومة والصحافة معادية ورغم ان دستور جمهورية إفريقيا الوسطى لعام 2004 يضمن حرية الصحافة وألغى قانون الصحافة الذي دخل حيز التنفيذ في 2005 عقوبة السجن للعديد من الجرائم مثل القذف والسب ومع ذلك لا تزال العقوبات الجنائية سارية ولا يزال الصحفيون في جمهورية إفريقيا الوسطى يواجهون ضغوطًا سياسية ، بما في ذلك أحكام السجن القاسية .

ففي بلد يرتفع فيه معدل الأمية إلى 80٪ وذلك حسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2018، تظل الإذاعة هي وسائل الإعلام الرئيسية، حيث يعتبر ارتفاع معدل الأمية عاملاً مقيدًا لتطور الصحافة المطبوعة كما أن تكلفة الإنترنت وانعدام الوصول إلى الكهرباء يحدان من عدد مشاهدي التلفاز قلة من الناس يستطيعون شراء التلفاز كما يتسم قطاع الإعلام في جمهورية إفريقيا الوسطى أيضًا بالتخلف مقارنة بالدول المجاورة مثل الكاميرون أو جمهورية الكونغو الديمقراطية .

فكما هو الحال في الكثير من البلدان الفقيرة فإن وسائل الإعلام الرئيسية في جمهورية إفريقيا الوسطى هي الراديو، والصحف لديها جمهور محدود للغاية والشبكات الاجتماعية آخذة في الازدياد إن الوضع المالي المتردي وغياب الأخلاق هي نقاط الضعف الرئيسية لوسائل الإعلام، ونتيجة لذلك يمكن بسهولة أن تصبح أداة للمصالح الأجنبية فمنذ انتشار الروس في جمهورية إفريقيا الوسطى في عام 2017 أولوا اهتمامًا كبيرًا لوسائل الإعلام ويستخدمون الراديو والشبكات الاجتماعية كأدوات دعائية ، فخلال عام 2013 “نُهبت مقار العديد من وسائل الإعلام بالكامل وتم الاستيلاء على المعدات من راديو نديكي لوكا على الرغم من موقعه المميز داخل المجمع الذي تستخدمه محطات الإذاعة المجتمعية التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في وسط البلاد، وكان عليها أن تغلق وواجهت المقاومة انتقامًا عنيفًا. أولئك الذين حاولوا المقاومة تم إسكاتهم أو نهبهم

وعلى الرغم من أن الإطار القانوني لوسائل الإعلام المنصوص عليه في الدستور مصمم لحماية الصحفيين وضمان حرية التعبير ، وبالرغم من صدور قانون بشأن حرية الإعلام في عام 2005 ، ونُزع تجريم جرائم وسائل الإعلام ، وأنشئت هيئة تنظيمية تسمى المجلس الأعلى للاتصالات ومع ذلك ، فإن انعدام الأمن المالي ، ونقص المعدات والتدريب ، والمضايقات من قبل المسؤولين الحكوميين، هددت استقلال وسائل الإعلام ، كما انه ومنذ بداية الأزمة السياسية التي ضربت افريقيا الوسطى تم تعليق احكام الدستور من قبل زعيم المتمردين ميشيل دجوتوديا في نهاية مارس 2013 وقد واجه الصحفيون مستوى عالٍ من التهديد (المضايقة والترهيب والعنف الجسدي) وفي هذا السياق ، تراجعت بشكل مطرد حرية الصحافة في جمهورية إفريقيا الوسطى .

فقد جعلت الأزمة الحالية من المستحيل عمليا على الصحفيين أداء وظائفهم لأنهم ببساطة لا يستطيعون التحرك بسبب المخاوف الأمنية ، بشكل عام ، يواجه الصحفيون نفس القضايا الأمنية التي يواجهها السكان بشكل عام ، ولا توجد حرية للتنقل بالإضافة إلى ذلك ، فأن بعض الصحفيين قد تم استهدافهم بسبب التقارير السياسية وحتى قبل الصراع الحالي ، واجهت وسائل الإعلام في جمهورية إفريقيا الوسطى ظروفًا صعبة بسبب المرافق المتداعية والحواجز التقنية ، ومن الجدير بالذكر انه ومع تدهور البيئة التي يعمل فيها الإعلاميون في البلاد غالبًا ما كان يتم إلقاء القبض على الصحفيين ومهنيين الاتصالات ، هذا بالإضافة إلى إغلاق مكاتب وسائل الإعلام الخاصة ونهب المعدات الصحفية .

كما اثرت القضايا الأمنية والنهب والانخفاض الحاد في دخل الإعلانات بسبب الصراع على جميع وسائل الإعلام في جمهورية إفريقيا الوسطى بطرق مختلفة. منذ مارس 2013 ، تتناقص قدرة إنتاج المحتوى الإعلامي بشكل مستمر فمنذ بداية المناوشات والمعارك بين سيليكا والقوات المسلحة لجمهورية أفريقيا الوسطى (القوات المسلحة لأفريقيا الوسطى أو قوات وسط أفريقيا) في النصف الثاني من عام 2012 ، انتشر انعدام الأمن في جميع أنحاء البلاد ، مما أثر بشكل مباشر على عمل جمهورية أفريقيا الوسطى الصحفيون تم إغلاق محطات الإذاعة بشكل تدريجي في جميع أنحاء البلاد فمنذ بداية النزاع ، أدى النهب الذي قام به مقاتلو سيليكا ومن ثم من قبل ميليشيات أنتي بالاكا إلى إغلاق ما يقرب من ثلث المحطات الإذاعية المجتمعية في جميع أنحاء البلاد فبينما كانت تكافح قبل اندلاع الحرب الأهلية في عام 2012 ، وجدت وسائل الإعلام في إفريقيا الوسطى نفسها بسرعة في قلب الصراع وعانت من آثاره المتعددة من ناحية، ووفقًا لمنظمة مراسلون بلا حدود ، فقد تراجعت حرية الصحافة بشكل كبير في جمهورية إفريقيا الوسطى منذ عام 2013 .

وتواجه جمهورية إفريقيا الوسطى العديد من التحديات لبذل جهد أكبر في التدريب وخلق الوعي فيما يتعلق باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات حيث تتمتع جمهورية إفريقيا الوسطى بمعدل منخفض نسبيًا للولوج إلى الإنترنت، مصحوبًا بأطر تشريعية ولوائح غير كافية لخلق بيئة مواتية لحرية التعبير ويعد معدل انتشار الإنترنت في جمهورية إفريقيا الوسطى من أدنى المعدلات في افريقيا برمتها فليس لدى جمهورية أفريقيا الوسطى سياسات ولوائح تتعلق بتعزيز الوصول إلى الإنترنت وإمكانية الوصول إليه كما تعد التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية لها تأثير مباشر على الوصول إلى المعلومات حيث تقتصر وسائل الإعلام والهواتف المحمولة والإنترنت في المناطق شبه الحضرية كما ان تقص المعرفة في مجال تكنولوجيا المعلومات هو السبب الرئيسي لصعوبة الوصول إلى المعلومات .

ولا تزال جمهورية أفريقيا الوسطى بحاجة إلى دعم تقني مباشر لتسهيل الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة ، ولا سيما من خلال إنشاء البنية التحتية والمرافق اللازمة ، بما في ذلك الوصول إلى تعمل الأطياف بموجب تراخيص مجانية أو غير مرخصة ، وإمدادات الكهرباء ، ومراكز تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المجتمعية ، والمكتبات الرقمية ، وهي أمور ضرورية لجعل الوصول إلى الإنترنت متاحًا وبأسعار معقولة للجميع ، ومع ذلك ، لم تتحسن إمكانية الوصول إلى الإنترنت في جمهورية أفريقيا الوسطى كثيرًا في السنوات الأخيرة في عدد المشتركين الذين يمكنهم الوصول إلى لا تزال بيانات الإنترنت 2G أو 3G منخفضة نسبيًا ويعد استخدام الإنترنت عبر الهاتف المحمول منخفضًا نسبيًا مقارنة بعدد حاملي الهاتف المحمول حيث تبلغ نسبة تغطية الهاتف المحمول 56٪ على الصعيد الوطني ، ونظرًا لأن جمهورية إفريقيا الوسطى بلد غالبًا ما يواجه أزمات سياسية ، فإن الحكومة تعمل على السيطرة على الولوج للإنترنت حيث تجبر مثل هذه الأزمات مستخدمي الإنترنت على العيش أحيانًا في خوف ورقابة ذاتية وفي مثل هذه الظروف يكون تحقيق الحريات الصحفية أمرًا صعبًا .

خاتمة

تعد البنية التحتية لوسائل الإعلام والاتصالات في جمهورية أفريقيا الوسطى محدودة السعة للغاية وتواجه العديد من التحديات على جانبي العرض والطلب فعلى جانب العرض، يتميز المشهد الإعلامي بنقص الأمن وشبكات التوزيع والموارد البشرية المؤهلة والقدرة المالية والمعدات هذا بالإضافة إلى نقص إمدادات الطاقة وحجم السوق في المناطق الريفية وشبه الحضرية مما يشكل قيودًا رئيسية على تطوير البنية التحتية للمعلومات والاتصالات المستدامة ومن ناحية الطلب، يتعذر الوصول إلى الجمهور بشكل عام بسبب معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة المنخفضة والافتقار إلى شبكات الهاتف الموثوقة ومعدلات الفقر المرتفعة ونقص الموارد المالية بالإضافة إلى محدودية الوصول إلى خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وارتفاع تكاليفها وغياب البنية التحتية الأساسية على المستوى الوطني ونتيجة لذلك فخارج العاصمة بانغي تمتلك عدد قليل جدًا من الأسر أجهزة تلفزيون أو أجهزة كمبيوتر وتعد إمكانية الوصول إلى الإنترنت محدودة للغاية كما يتم إنتاج وتوزيع الوسائط المطبوعة أيضًا حصريًا في العاصمة بانغي .

قائمة المراجع

A-DOCUMENTS

1.     Central African Republic’s Constitution of 2016.

B_ARTICELS

  1. Karim Benard-Dende, Media Content in the Central African crisis : an overview and solutions for further peace-building and governance interventions, Internews, July 2014.
  2. Sylvie CapitantMarie-Soleil Frère, Africa’s Media Landscapes A Thematic Introduction, Afrique contemporaine (Brussels :Volume 240, Issue 4, 2011).
  3. Marie-Soleil Frère, MAPPING DIGITAL MEDIA: NEWS AND NEW MEDIA IN CENTRAL AFRICA. CHALLENGES AND OPPORTUNITIES, REFERENCE SERIES (Cambridge: open society foundations, NO. 19, December 2012) .

D-PAPERS

  1. Girard (ed.), Th e One to Watch: Radio, New ICTs, and Interactivity, Friedrich Ebert Foundation/Food and Agricultural Organization of the United Nations (FAO), Rome, 2003 .
  2. CAMEROON, CHAD, CENTRAL AFRICAN REPUBLIC, SÃO TOMÉ AND PRÍNCIPE Internet and Mobile Connectivity: Central African Back Bone Program (APL 1A and APL 2), world bank group, Report No. 126034, June 4, 2018 .
  3. ICT Policy in Central African Republic, Association for Progressive Communications (APC) 2015.
5/5 - (2 صوتين)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى