الجماعات الاسلاميةالدراسات البحثية

مستقبل علاقة إخوان السودان بالكيان الأم للتنظيم في ظل تحركات وتكتيكات حكومة الانقاذ

اعداد الباحث :  مسلم محمد هنيدي – المركز الديمقراطي العربي

إطلاله:

لم تمر ثورة الشعب المصري في 30 يونيو، وإنهاء حكم جماعة الإخوان المسلمين في عقر مقر تنظيمهم الأم بالأراضي المصرية، إلا وبدأت بعض الدول الراعية للتنظيم والإرهاب في المنطقة في الكيد لمصر، بتقديمها دعماً مباشراً ومتعاظماً منذ ما بعد الثورة وحتى اليوم، وكان في مقدمة هؤلاء الداعمين نظام “الحمدين” في قطر و”أردوغان” في تركيا ونظام الإنقاذ بقيادة الرئيس “عمر البشير” في السودان، حيث استغل هذا الثلاثي ثورة 30 يونيو للكيد لمصر والمصريين، عبر أدواتهم المختلفة، كأعضاء وروعاه بارزين لتنظيم الإخوان المسلمين في المنطقة، فوفروا للعناصره كافة السبل والأدوات لمهاجمة الدولة المصرية ما بعد ثورة 30 وحتى تاريخه.

فعلى مستوى الساحة السودانية (وهو ما يهمنا هنا كنقطة جغرافية للبحث)، فقد اختار نظام الإنقاذ الانحياز لصف الجماعة، فنُظمت في الخرطوم منذ اليوم الأول المظاهرات التي رفعت شعار “رابعة” بدعم وتأييد الحزب الحاكم وبحضور الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي ورئيسه آن ذاك “ابراهيم السنوسي”، وهما الحزبين اللذين انبثقا عن جماعة الإخوان السودانية، بل وتعدى الأمر ذلك لحصار السفارة المصرية، وتسليم السفير طلب بالإفراج عن الرئيس المعزول “محمد مرسي” بل وإعادته لكرسي الحكم ، كما فتحت الخرطوم أبوابها لاستقبال أفراد الجماعة الفارين مما ارتكبوه من جرائم في حق الشعب المصري، ومناصريهم، وكان أبرزهم النائب “محمد الجزار”، و”وجدي غنيم”، وغيرهم العشرات من أبناء جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية، غير التسريبات عن تلقيهم تدريبات عسكرية على أرض السودان(1).

وهكذا؛ ظل الموقف السوداني بين شدٍ وجذب الى أن تغيرت طبيعة الخريطة السياسية الداعمة للإخوان في الداخل والخارج السوداني، حيث ضاق السودانيون زرعاً بهكذا دعم متواصل للإخوان على حساب العلاقات والمصالح التاريخية والمصيرية بين الخرطوم والقاهرة. وفيما يبدو وكأنه صدى صوت واستجابة طبيعية لقطري وادى النيل، حيث لا يحدث شيء في القاهرة إلا وتجد صداه في الخرطوم؛ فقد كانت ثورة 30 يونيو جامعة بين أبناء الشعبين، وكما أسقط المصريون نظام الإخوان في مصر، تحرك أبناء السودان ضد حكمهم في الخرطوم، لتشهد الذكرى الخامسة للثورة المصرية في يونيو 2018، مظاهرات ضد التنظيم في السودان تسعى لإزاحته عن صدارة المشهد العام في البلاد، ما دفع “البشير” ـ تحت الضغط المتزايد من القيادة المصرية وشركائها في الخليج ـ الى البدء في إجراء مراجعة سريعة لموقفه الداعم والراعي لفلول الإخوان الفارين من مصر، كخطوة لاحتواء الموقف الداخلي والخارجي الرافض لهكذا وضع ملتبس لدى الشعب السوداني، من دعمه المتواصل لعناصر الحركة المرفوضة في الخرطوم والقاهرة، بما إستتبع ذلك من تحركات وتغيرات تنظيمية وبنيوية داخل تنظيم الإخوان في السودان خارج وداخل السلطة(2).

وعليه تستهدف تلك الورقة تسليط الضوء على تلك الأجواء التي سبقت وتلت هذا التحرك السوداني، الذى استهدف منه حكم الإنقاذ مراجعة موقف الدولة السودانية من دعمها للإخوان، حتى تلبى بتحركها هذا جزءاً من تطلعات الداخل وضغوطات الخارج. ولذا تسعى الورقة لاستعراض حجم وتأثير الوجود الإخوانى في السودان داخل وخارج مؤسسات الدولة، ومن ثم ستسلط الضوء على مدى تأثير هذا الوجود الإخوانى في السودان على تفاعلات التنظيم الدولي خارج السودان مع القوى الدولية ذات الصلة، وذلك للوقوف على مدى حقيقة وجدية دعاوى فك ارتباط إخوانيو السودان بالتنظيم الأم للإخوان من عدمه، ثم استشراف مستقبل دور إخوان السودان في ضوء تطورات وتحركات الكيان الأم في المستقبل، في ظل ما تموج به الساحة السودانية والعربية والدولية من تغيرات سريعة وفاعلة على كل المستويات.

حجم الوجود الفعلي للتنظيم في السودان:

كان من المتوقع أن يكون فرع حركة الإخوان في السودان من أول الفروع التي تنشأ خارج مصر، خاصة في ظل توافق عناصرها هناك مع بقية أطياف الحركة الوطنية المصرية حول شعار وحدة وادي النيل آن ذاك. وبالفعل تمت محاولات مبكرة لإنشاء مثل هذا الفرع عبر إرسال وفود إلى السودان بدءاً من عام 1945، كما كانت هناك قنوات أخرى لكسب الأنصار السودانيين للحركة، إما من الطلاب والمهاجرين السودانيين في مصر، أو عبر نشاط بعض أعضاء الحركة المصريين المقيمين في السودان.

وبعد أن حُلت جماعة الإخوان في مصر عام 1948، هاجر عدد كبير من الإخوان المصريين إلى السودان من مختلف التخصصات، فساهم ذلك في بناء حركة إخوانية شاملة لكل قطاعات المجتمع السوداني، وأدى ذلك إلى ظهور أول تنظيم قاده رموز حركة التحرير الإسلامي بقيادة “بابُكر كرار” و”ميرغني النصري”، وأطلق على هذه المجموعة اسم “الحزب الاشتراكي الإسلامي”، وذلك حفاظًا على استقلاليتها عن جماعة الإخوان المسلمين(3).

ويمكن إجمال المرتكزات الفكرية لجماعة الإخوان في السودان، بعرض أول لائحة عامة للجماعة هناك، حيث طرحت الجماعة في مطلع سبتمبر 1945، اللائحة الخاصة بها والتي حددت من خلالها شكلها التنظيمي وأهدافها، حيث وافقت الجمعية العمومية للإخوان المسلمين المنعقدة في هذا التاريخ بدار المركز العام للشبان المسلمين على قانون النظام الأساسي لهم، وأصبح نافذا منذ هذا التاريخ. وحددت اللائحة العامة لإخوان السودان الشروط الواجب توافرها في اخيار العضو وهي: أن يكون مسلم عرف مقاصد الدعوة ووسائلها وتعهد بأن يناصرها ويحترم نظامها وينهض بواجبات عضويتها ويعمل على تحقيق أغراضها، ثم وافقت إدارة الشعبة التي ينتمي إليها على قبوله وبايع على ذلك وأقسم عليه.

وفي المقابل أدت كثرة الانشقاقات التي وقعت داخل تنظيم الإخوان في السودان، إلى ظهور العديد من الحركات التي تحمل فكر الإخوان لكن بمسميات مختلفة، حيث تغير اسمها أكثر من مرة، ومن أبرزها:

  • الحزب الاشتراكي الإسلامي: والذى تأسس عام 1949 ـ 1954، بمجهود طلاب جامعة الخرطوم بقيادة “بابكر كرار” و”ميرغنى النصرى” وغيرهم، ولكن لم يكن لهم ارتباط مباشر بجماعة “الإخوان”، ولكنهم تأثروا بالكتيبات والمجلات الصادرة اليهم من مصر، وجاء الحزب كردة فعل ضد موجة الشيوعية والإلحاد بالجامعة والمجتمع السوداني آن ذاك.
  • الإخوان المسلمين في السودان: 1954 ـ 1964، وجاء اختيار الاسم بعد المؤتمر الأول، واختيار المراقب العام الأول الأستاذ “محمد الخير عبد القادر”.
  • جبهة الميثاق الإسلامي: تأسست عام 1964 ـ 1969، كتحالف إسلامي بين “الإخوان المسلمين” و”السلفيين” والطريقة “التيجانية” الصوفية، وتكون هذا التحالف لخوض انتخابات 1964، ولم يلغ التحالف اسم الإخوان المسلمين، بل كانوا جزءًا منه، وكان يقود المكتب التنفيذي حينها وزير الثروة الحيوانية “محمد صالح عمر”. وانتخبت جبهة الميثاق الإسلامي أو “الإخوان” في العام 1969 “حسن الترابي”، أمينًا عاما للجماعة، لكن خرج البعض على هذا الانتخاب رافضين ذلك، ومن بين هؤلاء “محمد صالح عمر”، والشيخ “محمد مدني سبال”، والشيخ “جعفر الشيخ إدريس”، والشيخ “على جاويش”، حيث كانوا بعد ذلك النواة لجماعة “الإخوان” الموجودة حالياً بعدما انضم إليهم الشيخ “صادق المهدي”.
  • الجبهة الإسلامية القومية: أسسها “حسن عبد الله الترابي” عام 1986 ـ 1989، لتصبح حزباً إسلامياً عصرياً، واستطاع من خلالها اختراق البرلمان والحكومة والجيش والمنظمات المحلية والإقليمية ومنظمات رعاية المرأة والشباب.
  • جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة: انشقاق آخر وقع في جماعة “الإخوان” عام 1991 حيث تم انتخاب الشيخ “سليمان أبو نارو” رئيسًا لجماعة الإخوان، إلا أن الكثيرين ظلوا مع قيادات الإخوان التقليدية “صادق عبدالله عبدالماجد”، الذي أيدته أيضا الجماعة العالمية والمرشد العام، فقامت جماعة “أبو نارو” بحل نفسها، وتغيير اسمها إلى جماعة “الاعتصام بالكتاب والسنة.”
  • حزب المؤتمر الشعبي: أسسه “حسن الترابي” عام 1999، ليكون حزباً معراضاً للرئيس “البشير”، الذي لطالما وجه اتهامات لـ”الترابي” بالتسبب في أزمة إقليم “دارفور”.
  • حزب المؤتمر الوطني الحاكم: تأسس عام 1994، حين تمكن الرئيس “عمر حسن البشير” كأحد أبرز قيادات “الجبهة الإسلامية”، من تغيير اسم الجبهة إلى حزب “المؤتمر الوطني”، حيث اعتبره وعاء يضم جميع الطوائف والأديان السودانية، لكن تنازل الإسلاميون الحاكمون من المؤتمر الوطني عن كثير من طموحاتهم بعد اتفاقية “نيفاشا” للسلام (2005)(4).

وهكذا تطور مسار التنظيم داخل المجتمع السوداني وفى مؤسسات الدولة على مدار تلك العقود، ليكتسب عناصره بعض الخبرات في مجالات مختلفة لإدارة الدولة، كان أزهى موجاتها من خلال مشاركتهم لنظام الرئيس “جعفر نميرى” عقب المصالحة الوطنية في 1977م، فزرعوا كوادرهم في جسد الدولة بشكل تدريجي وانتشروا في الهيئات والمؤسسات المدنية والوزرات المختلفة وقاموا بضخ كوادرهم في أفرع ومؤسسات الجيش، ثم التفوا على التنظيمات المتواجدة داخل الجيش نفسه فأدخلوا بعض كوادرهم ضمن كوادر بعضها داخل الجيش، مما وفر لهم معلومات كافية عن القوات المسلحة، ثم أدخلوا بعض كوادرهم في جهاز الشرطة وجهاز الأمن بل إستطاعوا بأموالهم أن يستقطبوا بعض كبار ضباط جهاز أمن الدولة الذى تم حله وتفكيكه عقب انتفاضة الشعب السوداني على نظام “جعفر نميرى” في العام 1985م(5).

وعلى مستوى التواجد الاقتصادي، فقد أنشأ  الإخوان المسلمين في مصر شركات إسلامية خاصة لهم في السودان، كما شاركوا في شركات تابعة للإسلاميين هناك، وكانت أبرز تلك الشركات؛ الشركة المصرية الإسلامية، وشركة كنانة، والشركة المتحدة للحديد والصلب، وكانوا من أسباب الانهيار الاقتصادي في السودان، وذلك لأنهم ضاربوا بأموالهم في الدولار، كما بدئوا يسحبون أموالهم من السوق ويضخونها في عمليات نوعية. كما توسع النشاط الاقتصادي للإخوان في السودان، واتجه للولايات السودانية، وخاصة مجال السلع الاستهلاكية والسلع الكمالية، ولهم حاليًا نشاط اقتصادي بالمدن الريفية كمدينة “كسلا” و”مدني” و”الأبيض”، وذلك بعد قرار إبعاد نشاطاتهم الاقتصادية عن العاصمة، ليتمثل وجودهم الاقتصادي قاعدياً في تلك المدن بورش ومكابس حديد، ومحال تجارية(6).

ولكن الى جانب كل هذا التوغل والانتشار، لم تكن العلاقة بين النظام السوداني الحالي والإخوان المسلمين جيدة دائماً على عكس ما يظن البعض، فالنظام السوداني ينتمي إلى فرقة منشقة عن الإخوان تسمى “الجبهة الإسلامية القومية”، وكثيراً ما تعالت بينهم صيحات الرفض والاعتراض على بعض التحركات والسياسات بين المد والجزر. وذلك رغم الدعم المتبادل بين النظام السوداني والتيار الإسلامي في النهاية، فلـ”البشير” جمهوره الذي كان رافضًا ولم يكن مرتاحًا لما حدث في 3 يوليو 2013م في مصر، كما لم يقدم النظام السوداني أي دعم مباشر أو غير مباشر للإخوان المصريين في السودان سوى بغض الطرف عن وجودهم في السودان أخذًا بمبدأ المعاملة بالمثل مع القاهرة، والتي تسمح للمعارضة السودانية بالتواجد في القاهرة.

دور إخوان السودان خارجياً داخل وخارج التنظيم:

أدى مرور الحركة في السودان بفترات اضطراب كبيرة إلى عدم التوازن بين التوجه الدعوى لإصلاح المجتمع، والذى تتطلب انتشارًا دعويًا في جميع فئاته لتتكون على إثره قاعدة صلبة يقوم عليها البناء والحكم الإسلامي المطلوب، وما بين النشاط السياسي الذي تطلب حركة يومية تحصر همها ونشاطها في كسب الأصوات والمعارك الانتخابية من ناحية واحتدام الصراع المتواصل داخل وخارج التنظيم في إطار التحالفات السياسية من ناحية أخرى، كان لهما بالغ الأثر في ضعف التربية، حيث اعتمدت الأشبال على المراوغة والكيد، ما أفضى في النهاية إلى أن تحولت الجماعة إلى منافس سياسي لبقية الأحزاب والتجمعات، تمارس نشاطها السياسي وفق كل ما يمكنها من بلوغ الغاية السياسية، متجاوزةً بذلك كل ما أعلنته من مبادئ في يوم هنا وهناك.

ولكن بصفة عامة لا يمكن الفصل بين مشكلة الحركة الإسلامية في السودان وغيرها مع التنظيم الدولي عن مشكلتها مع حركة الإخوان في مصر، نظراً لهيمنة الإخوان المصريين على هذا التنظيم حسب رأي عناصره في الخرطوم. فقد نص “النظام العام” على أن الحركات الإسلامية المنضوية تحت لواء التنظيم الدولي ملزمة بالمبادئ الأساسية الواردة في هذه اللائحة عند صياغة اللائحة الخاصة للقطر، والتي تشمل العضوية وشروطها ومراتبها، ضرورة وجود مجلس للشورى إلى جانب المكتب التنفيذي، والالتزام بالشورى ونتيجتها في جميع أجهزة الجماعة .. الخ(7).

وكذلك أدى غياب الدور الواضح للحركة في مصر في رعاية الدعوة في السودان في بعض الأوقات، إلى تقوقع الحركة في الخرطوم محلياً، فأثناء نمو الجماعة بالسودان كان الإخوان في مصر في السجون والمعتقلات، وحينما تم تأسيس التنظيم دولياً في بداية السبعينيات كان “الترابي” ـ الذي سيطر على الجماعة في السودان ـ لا يريد أي صلة بالحركة الأم في مصر تنظيمياً وتربوياً وفكرياً، وهذا ما جعل الحركة العالمية تتهيب حركة “الترابي”، على الرغم من اتصال الدعم المعنوي والمادي، حتى انقطعت هذه الصلة في عام 1988م حينما حاول “الترابي” أن ينشئ تنظيماً موازياً للتنظيم العالمي ووصفته الجماعة الأم آنذاك بـ” تنظيم الضرار”، وأصبحت حركة “الترابي” منفلتة وبعيدة عن النبض الإخواني العام للتنظيم.

ثم تطور الموقف وصار للسودانيين حضور كبير في التنظيم الدولي، خصوصاً بعد نجاح مكتب العلاقات الخارجية في الحركة السودانية في الوصول إلى وفاق حول صيغة للتنسيق مع التنظيم الدولي، وعاد إخوان مصر وعرضوا على السودان الرجوع إلى علاقة توحيدية تضع التنظيمات في مختلف الأقطار موضع سياسات الجماعة وموقفها، كما يحددها مكتب الإرشاد العام ومجلس الشورى العام والالتزام بالحصول على موافقة مكتب الارشاد العام، قبل الإقدام على اتخاذ أي قرار سياسي هام(8).

ومع تطور الأحداث وتوالى الفاعليات والتجاذبات داخل السودان وخارجها وصولاً الى أحداث الربيع العربي، وما تلاها في مصر عقب ثورة 30 من يونيو، عاد إخوان السودان من جديد الى الصدارة في صناعة المشهد الإخوانى ما بعد سقوط حكمهم في مصر على يد ثورة هذا الشعب العظيم.

فشكلت السودان نقطة التقاء وبيئة مناسبة لجمع شتات الإخوان الهاربين من الملاحقات الأمنية والشعبية في مصر، وكذا شكلت بيئة مناسبة لجمع وحشد كل العناصر الحركية التي تستهدف الداخلين المصري والليبي أو غيرهما في أفريقيا والمنطقة العربية بالمشاركة في عملية الخراب والتدمير. كيف لا وقد شكلت السودان واليمن على مدار حياة التنظيم أفضل بيئة مناسبة يهوى اليها عناصر وقيادات التنظيم وقت الصدام والأزمات. ومن ثم لعب إخوان وجغرافيا السودان دوراً حيوياً، شكل طوق النجاة لفلول التنظيم الهاربين من مصر ما بعد ثورة 30 من يونيو وحتى اليوم.

ففتح “البشير” البلاد للراغبين بالإقامة الدائمة من الإخوان وذلك بعد أن وجه التنظيم الدولي للإخوان أتباعه في مصر وقطر وتركيا ومناطق أخرى بالسفر للسودان للإختباء والاستقرار، أو حتى العمل فيه بعقود بسيطة، لتصبح السودان مقر إقامة دائمة للعديد من عناصر الإخوان المسلمين، بعد أن كانت مجرد منفذ للخروج من مصر هرباً إلى قطر وتركيا بعد تورطهم في عمليات إرهابية في مصر(9).

ومن ثم برزت أهمية القطر السوداني في معادلة إعادة الاحتواء والتشكل لكيان الإخوان على يد قيادة التنظيم الدولي في الخارج، وبالتنسيق مع القوى الدولية التي لازالت ترى في الإخوان “حصان طروده”  لتدمير ما تبقى من الدول العربية، في إطار تنفيذ مخطط الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الكبير.

لتتحول العلاقة بين التنظيم الدولي للإخوان المسلمين ونظام الرئيس “البشير” الى علاقة تكاملية أكثر من أي وقت مضى لحاجة الطرفين الى بعضهما البعض لا سيما وأنهما يتشابهان في المعاناة من تضييق الحصار الدولي عليهما بشكل يمنعهم من حرية الحركة والتنقل بسبب ما يسلط عليهما من ملاحقات قضائية وتضيق سياسي واقتصادي متعدد الأطراف.

حيث استفاد إخوان مصر الهاربون الى الخرطوم من اتفاقية الحريات الأربعة التي يتمتع بها المصريون في السودان إضافة للسماح لهم بالتحرك بحرية للعمل والدراسة وتسهيل الإجراءات الأمنية وتصحيح أوضاعهم من حيث الإقامة هناك بشكل شبه قانوني. ليبدأ على ضوء ذلك الوضع الجديد الذى شكلت فيه السودان نقطة التقاء جوهرية لعمل التنظيم في هذا الظرف العصيب عليه، فقد وجه التنظيم الدولي للإخوان العديد من نشاطاته إلى السودان خاصة بعد استقرار عدد كبير من عناصره وقياداته وخاصة المصريين منهم للاستفادة من التسهيلات الكبيرة التي تقدمها حكومة “البشير” لأنصار التنظيم من حرية التنقل والسماح للأثرياء منهم بناء عدد من المشروعات التجارية وتأمين وتوفير فرص الاستثمار لهم إضافة للسماح للطلبة الإخوان بالدراسة في الجماعات السودانية.

فاستغلت عناصر الجماعة هناك التسهيلات الكبيرة المقدمة لها من النظام السوداني لفتح عدد كبير من المشروعات في مجالات تجارية وزراعية، إذ ستكون الفرص متاحة للإخوان لاستثمار العديد من الأراضي في مناطق متعددة من السودان، والدخول في شراكات مع عدد من المؤسسات الاقتصادية السودانية، وذلك استغلالا للتسهيلات المقدمة وفرص الاستثمار الكبيرة، إضافة للتأمين على أنفسهم من احتمال تسليمهم للجهات القضائية التي تلاحقهم سواء في مصر أو في غيرها من الدول التي كانت الى وقت قريب تمثل مأوى آمن لهم مثل بريطانيا أو حتى تركيا وقطر.

وذلك ربما مقابل اتفاقاً أبرمه النظام السوداني مع الإخوان وداعميهم على الساحة الدولية والإقليمية، والذى كان يقضى بضرورة دعم نظام الرئيس “البشير” والترويج له في لندن والولايات المتحدة والدول الأجنبية والوقوف إلى جانبه ضد محاولات البعض فرض عقوبات عليه ومحاكمته أمام القضاء الدولي، كما عوّل نظام “البشير” على دور استثمارات الإخوان في خلق نوع من الدعم والإنعاش للاقتصاد السوداني في لحظة حرجة يعانى فيها المواطن هناك من تأثير العقوبات والكساد وغلاء الأسعار (10).

دوافع ومؤشرات فك الارتباط:

مع تصدر الأحزاب الإسلامية المنضوية تحت مظلة التنظيم الدولي للإخوان المشهد السياسي في المنطقة العربية كنتيجة مباشرة لثورات الربيع العربي في العام 2011 خاصة بعد صعود إخوان مصر غير المسبوق، إلا أنها واجهت في الفترة الأخيرة حالة من الركود السياسي النسبي، وذلك تأثرًا بما شهدته كل البلدان العربية بسقوط الإخوان حين أُطيح بهم من سدة الحكم في مصر صيف 2013 وتوصيف الجماعة بـ”الإرهابية” في مصر والإمارات والسعودية، لتدفع تلك التحولات المهمة في المشهد السياسي العربي، الجميع الى إعادة صياغة وهندسة العلاقات والتحالفات العربية من جديد، كما شكلت دافعاً للحكومات والحركات السياسية لتعيد هيكلة علاقاتها وتحركاتها وترتيباتها التحالفية والسياسية في الداخل والخارج القٌطري للتماشى مع هذا الواقع الجديد، ومن ثم لم يكن إخوان السودان من هذا التوجه ببعيد.

وفي هذه الأجواء، جاءت شبه المراجعة الإخوانية وفق عدد من الإعتبارت التي شكلت قناعة متخذ القرار في الخرطوم، ويأتي في مقدمتها:

  • تمثل الجماعة أهمية للبشير في سياق الحديث عن كونها أحد الأوراق الرابحة والتي يجيد توظيفها في علاقته غير المستقرة بالمجتمع الدولي والعربي، بالإضافة إلى أهميتها كسلاح ضبط يستطيع من خلالها إحداث نوع من التوازن مع المعارضة الداخلية لنظامه، والتي باتت أكثر قوة في المرحلة الراهنة بعد انضمام الحركة الطلابية إليها بشكل يهدد مستقبل النظام. ومن ثم حاول النظام في السودان فيما يبدو وكأنه استجابة منه لضغوطات الداخل والخارج، أن يستغل الموقف ويحقق الكثير من الأهداف بتحرك واحد؛ فبقراره هذا يرضى القاهرة والرياض وأبوظبي، في سياق بحثه عن طوق نجاه اقتصادي يقدم له الدعم المالي لداخله المأزوم، كما يدفع أجنحة الداخل في الحركة والحزب الحاكم الى إعادة ترتيب مواقفهم بما يدفعهم للاصطفاف خلفه حتى يضمنوا بقائهم في مواقعهم دون تبديل أو اقصاء.
  • تشهد العلاقة المصرية السودانية موجات من الصعود والهبوط خلال السنوات الأربعة الأخيرة بسبب تباين وجهات النظر حيال بعض الملفات المشتركة بين الجانبين، وأمام هذا الجمود في العلاقات وفي ظل المستجدات الطارئة هنا وهناك، ارتأت سلطات البلدين الحصول على هدنة لوقف هذا السجال، في محاولة لتخفيف حدة التوتر وتقريب وجهات النظر، فكان الاجتماع الرباعي المشترك لوزيري الخارجية ورئيسي جهاز المخابرات في البلدين، الذي عقد بالقاهرة مؤخرًا، وخلص إلى وضع خريطة طريق لاستعادة زخم وقوة العلاقات المصرية السودانية وذلك من خلال الجدية في التعاطي مع الملفات العالقة بين البلدين، ومحاولة إثبات حسن النوايا كمقدمة نحو تكسير الجمود الذي شاب تلك العلاقات، وهو ما دفع الخرطوم إلى ضرورة الالتزام بما اتفق عليه الجانبان خلال الاجتماع. فاختارت أقل الضررين وهو مغادرة الإخوان للسودان. ولكنها احتفظت من زاوية أخرى بالحد الأدنى من علاقتها بالجماعة، إذ تعهدت بعدم تسليم أي من أعضاء الإخوان للقاهرة بمن فيهم الصادر بحقهم أحكام بالحبس، لكن هذا في مقابل أن يغادروا البلاد في أسرع وقت(11).
  • جاء قرار السلطات السودانية بالإعلان عن إبعاد الإخوان المصريين من البلاد على خلفية علاقتهم بأطراف الصراع الدائر داخل أجنحة الحزب الحاكم، والذي يمكن أن يصل إلى مفاصلة جديدة كالتي حدثت في عام 1999، بين “البشير” و”الترابي”، ولكن تلك المرة بين جناح الرئيس “البشير” وجناح “نافع علي نافع” نائب رئيس المؤتمر الوطني الحاكم، وما يسمى بالحرس القديم، فجاء قرار السلطات في الخرطوم بطرد الإخوان المسلمين المصريين من أراضيها، على خلفية هجوم عناصر جماعة الإخوان المسلمين بالسودان على الرئيس السوداني “عمر البشير”، واتهام عناصرها له بتقديم تنازلات كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية.
  • بهذا التحرك بدى النظام السوداني وكأنه معادياً للإخوان في العلن ومسايراً لتوجهات أمريكية كانت مرتقبة لتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية، فيما يقصد توجيه رسالة إلى إخوان السودان بعدم الذهاب بعيداً في معارضته حتى لا يكون مصيرهم مثل مصير الجماعة الأم، ليضرب بذلك عصفورين بحجر واحد: مسايرة الموقف الدولي ضد الإخوان وردع أي قلق يحوم حول نظامه(12).
  • سعى “البشير” ببرجماتية معهودة ـ وفقًا لتفاهماته مع الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس “ترامب”ـ للتخلص من العناصر الإسلامية والتي تضعه في دائرة داعمي الإرهاب، لإسقاط تهم جرائم الحرب عنه وإفلاته من العقاب، وهو قرار غير مؤذي لأفراد الإخوان الموجودين بالسودان، لأن أصحاب العمل الميداني قد اتجهوا الى الداخل الليبي، بينما اتجه بعضاً من أصحاب الأعمال والتجارة والسياسيين الى قطر وتركيا(13).

مدى جدية وامكانية الالتزام والتنفيذ:

إذاً؛ مؤشرات عديدة يمكن الاستناد عليها في تفسير تلك المعلومات الملتبسة بشأن حقيقة موقف “البشير” من عناصر التنظيم الدولي للإخوان المسلمين خصوصاً الذين هربوا من مصر في أعقاب ثورة 30 يونيو وفتحت لهم السودان أراضيها كمراكز إيواء وتدريب وتسليح، أو موقفه من أجنحة الحركة في الداخل، والذين لطالما ناكفوا تحركات الحكومة السودانية في الداخل والخارج بشكل بات يؤرق رجالات الصف الأول في نظام الإنقاذ وفى مقدمتهم الرئيس “عمر البشير”. فهل يمكن للرئيس السوداني أن يغامر في ظل الظروف الراهنة ويقطع علاقته مع جماعة الإخوان؟ أم أن ما تردد من أنباء عن طرد الخرطوم لبعض عناصرها الهاربين ليس سوى خطة لمواكبة التطورات الحاصلة على المستويين الإقليمي والدولي حتى تتبدل الظروف والسياقات؟!.

فبرغم ما أعلن عن إبلاغ السلطات السودانية لقيادات الجماعة الموجودة هناك بمغادرة أراضيها في أقرب وقت ممكن، فقد أكدت الخرطوم أنها لن تسلم أيً منهم للقاهرة، ولكن عليهم فقط مغادرة الأراضي السودانية، بما يعد مراوغة مبكرة من “البشير” على طريقه الى إعادة بناء الثقة بين القاهرة والخرطوم. بالإضافة الى ذلك، ورغم ما تم تداولته وسائل الإعلام حينها من أخبار عن اتخاذ السلطات السودانية قراراً بطرد العشرات من جماعة الإخوان الإرهابية من أراضيها في نهاية ديسمبر 2017، بل إن الجانبين السوداني والمصري قد خرجا ببيانات في 2018 تفند وتدحض صحة هذه الأخبار، حيث نفى الجانب السوداني وجود مطلوبين مصريين من الإخوان على أراضيه، كما نفت الخارجية المصرية تلقيها أي مكاتبات من الجانب السوداني تفيد بترحيل أو طرد عناصر الإخوان خارج البلاد(14).

وفى الواقع؛ لم تطرد السلطات السودانية فعلياً أي عنصر من العناصر الإخوانية المصرية هناك، وكل ما حدث أن ألقى الأمن السوداني القبض على بعض العناصر عام 2016 والتي تسللت بطريقة غير شرعية للبلاد، وسريعاً ما تم إخلاء سبيلهم بعدما تبين أنهم ينتمون لجماعة الإخوان، بل أجرت جبهة “محمود عزت” الموجودة بالسودان انتخابات هيكلية داخلية في نفس العام، تحت سمع وبصر الأمن السوداني، وصدر بيان رسمي من الجماعة حول هذه الانتخابات ونشرته وسائل الإعلام في السودان حينها دون أي حساسيات.

وهو ما يدحض فكرة استبعاد العناصر الإخوانية من الأراضي السودانية، حيث لازال هناك المئات منها في البلاد، من التي صدر ضدهم أحكاماً قضائية في مصر، ومطلوب تسليمهم، يتحركون بحرية ولم تستجب السلطات السودانية لطلب مصر بتسليمهم حتى الآن. وبهذا سيظل وضع الإخوان وخصوصًا جناح “محمود عزت” الذين يتمتعون بحسن سير وسلوك مقارنة بأقرانهم من جماعة “محمد كمال” الذين يجلبون إليهم أنظار الإعلام كل مرة بتحركاتهم هنا أو هناك. ومن ثم سيستمر النظام السوداني في غض الطرف بحق الإخوان المسلمين المصريين هناك، ما لم يثيروا المشاكل، وربما سيتم الطلب منهم أن يتجهوا ليعيشوا حياة طبيعية وليعملوا في التجارة أو في أي مجال لا يجذب الضوضاء(15).

أما فيما يتعلق بتطورات وسجالات الشد والجذب والانشقاق والانشقاق المضاد داخل الحركة السودانية ذاتها، فلا جديد في ذلك؛ كونه أمراً معتاداً لطالما تعرضت له أجنحة الحركة وفصائلها وأحزابها وقياداتها في الداخل، منذ الإرهاصات الأولى للتأسيس التنظيم في السودان مطلع خمسينيات القرن الماضي وحتى اليوم. بل بات من معهودات الأمر أن يتعاقب على الحركة عبر فصائلها انشقاقاً وتحزباً تلو الأخر، ثم تعاود فتلملم شقاقها وتعيد ترتيب تحالفاتها وفق التطورات ومقتضيات المصالح والرغبات، فيما يشبه حركة الكتل والأنساق، التي يعيد فيها كل طرف النظر في علاقاته بالأطراف الأخرى داخل الكيان الواحد، فيترك التحالف مع فصيل ليعيد وفق مقتضيات الظرف والمصلحة علاقته بطرف أو فصيل آخر. وهكذا تمر الحركة السودانية بموجات من الصعود والهبوط في سياقات الرواج والاضمحلال التي تمر بها الحركة الأم على الساحة المصرية والدولية وفى باقي الأقطار، تأثيراً وتأثرا بمجمل علاقات أجنحتها السودانية في السلطة وخارجها داخل السودان وخارجه، بكل التطورات التي تؤثر في تحركات الساسة من قيادات الحركة وأعضاء نظام الانقاذ في السودان باستمرار.

ومن ثم تأتى هذه الضوضاء والضجيج داخل الحركة الإخوانية في السودان وخارجها هذه الأيام متأثرة بمجمل سجالات ومشاكل الواقع التنظيمي داخلها، في سياق تطورات مستقبل الحكم في الخرطوم ما بعد نظام الإنقاذ أو ما بعد تجاوز البلاد والمرحلة لشخص الرئيس “عمر البشير” في المستقبل المنظور، كما تأتى تلك التطورات متأثرةً بمجمل تفاعلات الداخل السوداني في ضوء ثورات الربيع العربي، وما تلاها من انعكاسات طبيعية لسقوط حكم الإخوان في مصر في ثورة 30 من يونيو، ثم محاصرة داعميهم على الساحة العربية والإقليمية في سياق دفع الجميع بمن فيهم الرئيس “البشير” الى إعادة ترتيب حسابات وفق أولويات هذا الظرف الاستثنائي بشكل براجماتي دقيق(16).

5ـ سيناريوهات إعادة التشكل والتوظيف:

تخضع حركة الإخوان السودانية كحركة بشرية إنسانية لما تخضع له الحركات البشرية الأخرى من وجود رؤى مختلفة ومن تشكيل أجنحة وفق هذه الرؤى. وبالتالي لطالما كان هناك وسيظل صراع مكتوم، وإن كان من أدبيات الحركات الإسلامية عموماً اخفاء الصراع ونفيه وعدم الرغبة في اشتراك أطراف خارجية في متابعته، لكن هذا النفي لا يلغي وجوده داخل الجماعة في الخارج وداخل السودان.

وتلخيصاً، فقد لعب فرع حركة الإخوان في السودان دوراً في العمل الإسلامي أكبر بكثير من حجمه وحجم السودان السياسي على مدار العقود الماضية، ثم ها هو يخوض جولةً من جولات هذا الدور هذه الأيام، ومن ثم لا يمكن النظر إلى الحركة ودورها بمعزل عن واقع السودان وظروفه، حيث يتميز السودان بتعددية دينية وعرقية لا توجد في أي بلد عربي آخر، كما عانى ولازال من حرب أهلية متطاولة اندلعت لأول مرة في عام 1955 والبلد لم ينل استقلاله بعد، وتجددت مرة أخرى في عام 1983 بعد فترة هدوء نسبي أعقبت توقيع اتفاقية أديس أبابا للسلام في عام 1972.

وإذا كانت الحركة واقعة اليوم في أزمة خانقة وقعت في براثنها وهي في أوج نجاحها السياسي منذ عقود، فستبقى الحركة السودانية حاضرة في المشهد السياسي والشعوبي والحركي العام داخل وخارج السودان، كيف لا وقد راكمت ـ رغم مشاكلها ـ على مدى عقودها الماضية رصيداً كبيراً من التحالفات والتغلغلات داخل المجتمع السوداني على المستوى الشعبي والمؤسسي للدولة، ما مكنها من الاستحواذ والسيطرة على مفاصل الدولة بشكل كبير. وهو الواقع الذى لطالما مكن عناصر الحركة في السلطة وخارجها من إجادة المناورة والمراوغة تلو المراوغة، كلما استدعت الظروف الداخلية والأجواء الخارجية الحاجة لهكذا تكتيك، حتى تمر الظروف والأحداث، ثم تقوم الحركة بإعادة بعث وإحياء نشاطها الحركي والسياسي من جديد، ولكن وفق سياقات وترتيبات تقتضيها المتغيرات والظروف وفق كل جديد(17).

ومن ثم لن يخرج المستقبل التنظيمي والحركي للإخوان في السودان، حتى وإن أبدى أعضائها رغبتهم في الانسحاب والانكماش عن صدارة المشهد في هذا التوقيت، كاستجابة للضغوط المحلية والاقليمية والدولية، عن ثلاث سيناريوهات محتملة، وهى:

  • الدخول في حالة من الكمون والإنكماش: كما هو الوضع الآن، وانتظار انفراج الأوضاع الإقليمية والدولية غير المواتية لاستمرار فكرة تنظيم دولي إسلامي راديكالي، على أمل العودة إلى تنشيط دور التنظيم الدولي للإخوان في حالة حدوث هذا التحسن والانفراج. أو التخلي بشكل نهائي وشجاع عن فكرة التنظيم وإحياء شكل التنسيق وتبادل الأفكار، ومن ثم هناك متطلبات للإصلاح وإعادة الهيكلة تتضمن تجديد الخطاب والرؤى الفكرية والسياسية والتخلي عن فكرة الهيمنة والتفرد والسعي إليها والتعامل كأحد مكونات المجتمع، وإدراك المخاطر المحيطة بالأمة وكل قواها بما فيها الأنظمة الحاكمة والانحياز لمصلحة الأمة وتقديمها على مصلحة التنظيم والجماعة. ولكن طبقاً لطبيعة فكر وعمل الجماعة كتنظيم يتبع حركات الإسلام السياسي لن يحدث هذا التحول في الأجل القريب، بل وربما لن يحدث على الإطلاق، نظراً لسوابق التجارب وتعقد المشهد السوداني وتعقد تشابكات الواقع الدولي والإقليمي مع قوى الإسلام الحركي والسياسي باستمرار.
  • إحداث تطوير وتغيير كبير في الجماعة: على مستوى الفكر والهيكل والتعامل مع السلطة والأطراف السياسية الأخرى وإجراء مصالحة تاريخية، وحل إشكالية التحالفات والانشقاقات وخروج الحرس القديم، فتنجو الجماعة وتتطور وتستمر وتعطي فرصة تاريخية لقيادات جديدة أصغر سنا من القيادات الحالية التي تدور أعمارها فوق السبعين عاما، وهي أكثر كفاءة (أي القيادات الأصغر سنا) وإدراكاً للوضع المحلي والإقليمي والدولي. وهو الأخر سيناريو لن يحدث سريعاً بين يوم وليلة، بل ربما لن يحدث هو الآخر على الإطلاق، اللهم إلا وفق قوة الأمر الواقع التي تضع الصف الثاني والثالث أمام أدور يفرضها الواقع عليهم فرضاً، يوم أن تتوارى عن المشهد عناصر وقيادات الصف الأول للتنظيم، ويوم أن يستقر لدى ذهنية هؤلاء الأشبال ضرورة تجاوز فكرة مثالية وعالمية تنظيم الإخوان، وحينها لن يسعف عناصر التنظيم جمودهم الفكري والحركي في إعادة صناعة المشهد السوداني وفق مقتضيات الظرف الجديد. ومن ثم سيطرون الى إعادة حساباتهم بشكل شخصي وفردي، ليغرد كلاً منهم في طريقة ووفق مقتضيات تحقيق مصلحته الذاتية حتى وإن كان ذلك على حساب التنظيم.
  • استمرار الحال على ما هو عليه: واستمرار حالة الجمود في الأوضاع الفكرية والتنظيمية ومع استمرار حالة السيولة التحالفية والانشقاقات، وبالتالي توقع حدوث صدام لأى جناح مع السلطة الحالية، أو وقت أن يسعى نظام الإنقاذ عبر “البشير” أو من خلاله لمواصلة البقاء في الحكم لفترة تالية في المستقبل القريب. وهى اللحظة التي ربما ينتظرها الجميع للتعبير عن مطالبة ومكنوناته الذاتية وفق قنواته وتكتيكاته المنفردة، والتي قطعاً لن يستطيع أي نظام قادم للحكم في السودان تلبيتها تحت أي مساومات أو شروط، خصوصاً إذا ما أضيف لها تأثير ضغوطات الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المأزوم، واحتمالية خروج أعداد مؤثرة عن الجماعة خاصة من الأجيال الناضجة والواعية، وبالتالي استمرار الجماعة في حالة ضعف مستمر وحصار ووضعها تحت السيطرة، مما يؤدي إلى مستقبل مجهول وغير محمود العواقب لكل الأطرف.

وختاماً ورغم كل هذه الإرهاصات؛ ستظل هذه الجماعات السودانية من قوى الإسلام السياسي المنضوية أو المنشقة عن فكر وتنظيم الإخوان رصيد وبيئة خصبة لكنها معقدة وملغمة أمام أي بروز إسلامي سياسي مستقبلي أو تغيير جديد أو إصلاح سياسي جاد بين يدي الحزب الحاكم في المستقبل أو الآن، أو عبر غيره من قنوات التغيير السياسي للأنظمة والحكومات، وعليه ليس من المتوقع في المدى القريب أن تتأثر وضعية جماعات الإسلام السياسي في السودان تأثراً يئد أو يلغى وجودها في المشهد العام؛ لأن ما تم تحقيقه والحصول عليه من ترتيبات بنيوية وثقافية وتحالفية وشعبوية داخل السودان على مدار 70 عاماً في سياق سياسة التمكين، التي توطنت بموجبها هذه الجماعات في كل مفاصل الدولة والمجتمع السوداني، ليس من السهل تجاوز انعكاساته وتفاعلاته وتحديداً في السودان. وإنما قد يدفع واقع الأمر المتسارع على الساحة الدولية والإقليمية والمحلية المجتمع السوداني، وعبر عقود مقبلة الى تجاوز هذا العزو الثقافي والفكري الملفوظ، معززاً بتجربة وانعكاسات واقع الجوار المصري ما بعد ثورة 30 من يونيو وإزاحة حكم وفكر الإخوان عن صدارة المشهد الى غير رجعة في المستقبل القريب. فقطعاً سيكون لما حدث وسيحدث في القاهرة انعكاساته وتجلياته المتعاقبة ليس على إخوان السودان فحسب، بل على مجمل مكونات التنظيم في كل الأقطار والعقول. فالواقع السوداني يتهيأ ويتأهب للتغيير، ولن يخرج هذا التغيير سواء كان عسكرياً أو مدنياً أو مزيجاً منهما عن القواسم المشتركة التي يقوم عليها الاجتماع السياسي السوداني، وفق الخريطة السياسية والتحالفية والشعبوبية لهذا البلد العزيز.

  • المصادر والمراجع:

(1) ذكرى ثورة 30 يونيو .. “أهل الشر” دول حاربت مصر لأنها أسقطت تنظيم الإخوان، موقع المواطن 29/يونيو/2018 م.

https://www.elmwatin.com/464351/%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-30-%

(2) مظاهرات وإقالات وحشود عسكرية ومحاولات انقلاب.. ماذا يجري في السودان؟، موقع العدسة 21 يناير 2018.

http://thelenspost.com/2018/01/%D9%85%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A5%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-

(3) الإخوان المسلمون في السودان (طموحات “الترابي”..ورحلة الصعود والهبوط) 2 يونيو 2014، بوابة الحركات الإسلامية.

http://www.islamist-movements.com/2701

(4) تجربة حكم الاخوان المسلمين فى السودان، 23 يناير 2013، موقع مصر المدينة.

http://www.civicegypt.org/?p=34060

(5) إخوان السودان.. حسابات ربع قرن، 28 مايو 2014، الشرق الأوسط.

https://aawsat.com/home/article/105601

(6) بالوثائق.. خارطة جماعة الإخوان المسلمين في السودان، 21 فبراير 2018، موقع الأمصار.

http://www.alamsar-dostor.org/3920

(7) الإخوان في السودان: على أعتاب الانشقاق الرابع، 17 يونيو 2016، موقع إضاءات.

https://www.ida2at.com/the-brothers-in-sudan-on-the-threshold-of-the-fourth-split/

(8) التنظيم الدولي.. معالم التصدع ومظاهر الانشقاق، 24 أغسطس 2017، صحيفة الرياض.

http://www.alriyadh.com/1618927

(9) طرق هروب زعماء الإرهاب خارج مصر بالتعاون مع تجار مخدرات وسلاح للفرار إلى ليبيا والسودان..، 21 يناير 2014، اليوم السابع.

https://www.youm7.com/story/2014/1/21/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%B9%C2%BB-

(10) نظام البشير.. مواقف للإيجار وانبطاح لتركيا لإطالة عمر الإخوان، 16 أبريل 2018، موقع العرب.

https://alarab.co.uk/%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D9%8A%D8%B1-

(11) القاهرة.. اجتماع رباعي لخارجية ومخابرات مصر والسودان، 4 فبراير 2018، العربية نت.

https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/egypt/2018/02/04/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%

(12) أي مشروع للإخوان المسلمين في دولة السودان “الإسلامية”؟ : حوار مع الحبر نور الدائم المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين بالسودان، مرصد الحركات الاسلامية.

http://tammam.org/%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA/326–qq-.html

(13) سودان ما بعد رفع العقوبات الأمريكية.. تحسن بالأوضاع الداخلية والخارجية وارتفاع بأسعار النفط، 7 أكتوبر 2017.

https://www.youm7.com/story/2017/10/7/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-

(14) القاهرة تعلق على أنباء طرد الخرطوم لقيادات مصرية من جماعة “الإخوان المسلمين، 19 فبراير 2018، موقع  Sputnikعربى.

https://arabic.sputniknews.com/arab_world/2018021910301186%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-

(15) هل يستطيع البشير طرد الإخوان من الخرطوم؟، 1 فبراير 2017. بوابة الأهرام.

http://gate.ahram.org.eg/News/1387116.aspx

(16) الإخوان في السودان: على أعتاب الانشقاق الرابع، مرجع سبق ذكره.

(17) أصوليون يشرحون أصول الخلاف داخل الحركة الاسلامية السودانية، 30 مايو 2011، صحيفة البيان الإماراتية.

https://www.albayan.ae/one-world/2001-05-30-1.1160575

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق