الدراسات البحثيةالمتخصصةالنظم السياسي

أفكار تأسيسية لبناء دولة عراقية حديثة

اعداد الباحث : حسن سعد عبد الحميد عبد المجيد التحافي
اعداد الباحثة : زينب كريم ميحسن

المركز الديمقراطى العربي

المقدمة :
يعد العراق بلد تعددي تقطنهُ أديان وقوميات ومذاهب مختلفة تشكل نسب سكانية متفاوتة ، ولا يمكن لهذا البلد أن يحكمهُ توجه سياسي أو قومية أو مذهب واحد ، فالشراكة الوطنية هي أحدى السبل المثلى لحفظ الحقوق وأستتباب الأمن والأستقرار .
أن العراق اليوم في ظل المعطيات التي تشهدها ساحتهُ السياسية بحاجة إلى تعميق سياسة الأنفتاح كواحدة من أهم متبنيات الحكومة والبرلمان تجاه الوطن والمواطن ، وهذا المبدأ يمهد لهُ مبدأ الشراكة الوطنية ، ولا يمكن أن تكون شراكة بدون أنفتاح على شرائح المجتمع المختلفة بغض النظر عن أديانهم أو مذاهبهم أو قومياتهم .
أن العراق بحاجة إلى ديمومة التواصل مع الأمة وتوعيتها في سبيل مواجهة التحديات والمشاركة الفعلية في ميادين السياسة والأمن ، وبالخصوص المشاركة الفعالة في الأنتخابات والحفاظ على المنجزات المتحققة التي تعتبر أساسية في بناء الدولة العراقية .
وفي ظل الظروف الصعبة التي تشهدها العملية السياسية في العراق نجد أن الدولة العراقية بحاجة ماسة إلى تجذير الوحدة الوطنية التي تضمن عدم أنفراد عقد التعددية مع أختلاف القوميات والأديان التي تميز بها العراق .أن أحترام عادات وتقاليد وقوميات وأديان ومذاهب العراقيين كلاً حسب لونه وتوجهاته أمر كفلهُ الدستور ، وهو أمر كفيل ببناء دولة متكاملة متوازنة همها الوحيد تقديم الخدمات للمواطنين .
أن عملية بناء الدولة العراقية يجب أن يحتل الأولوية في التفكير بعيداً عن الأنتماء الحزبي أو السياسي أو الطائفي ، هذه الحقيقة يجب أن يؤمن بها الجميع لأننا لن نتمكن من بناء دولة عراقية حديثة يحظى من خلالها المواطن بكل حقوقه .فعملية بناء أي كيان أداري أو سياسي لا يستقيم إلاَ وفق معايير متنوعة وليس بشكل عفوي بل عبر أستراتيجية واضحة المعالم تفضي في النهاية إلى ظهور دولة ذات بناء رصين .
وفي سبيل عرض الموضوع بأسلوب علمي سيتم الأعتماد على المنهج الوصفي في هذا المجال ، وتقسيم البحث إلى محورين الأول محور عام والثاني يضم مجموعة الأفكار الخاصة ببناء الدولة العراقية ، منتهياً بالاستنتاجات والتوصيات المقدمة .
أولاً:
أن العراق كدولة قائمة وكأقليم تعددت عليه الأمبراطوريات والأمارات والحكومات ، فالعراق ليس مجرد بناء أقيم بعد الحرب العالمية الأولى ، بل هو البلد الذي شكلت تركيبةُ حضارات وجماعات مختلفة ومتنوعة ، فالعراق منذُ صدور أول دستور لهُ عام ( 1925م ) وإلى عام ( 1958م ) وهو فترة نهاية الملكية يمكن القول أنها فترة بناء مؤسسات الدولة ، على الرغم من أن الشكل النيابي لم يكتمل بشكله المتوازن إلاَ أن مؤسسات الدولة عرفت طريقها إلى النشوء والترسيخ ، حيث تولت الدولة بناء المؤسسة العسكرية منذُ عام ( 1921م ) وكذلك المؤسسة الداخلية وشرعت بأصدار تشريعات متعلقة بأجهزة الدولة الخدمية في طور الأنشاء .
عرف العراق أول تجربة دستورية وكان دستوراً ملكياً نيابياً أقامةُ الجمعية التأسيسية وصدر عام ( 1925م ) والنظام البرلماني الذي أقيم بموجبه كان نظاماً ضعيفاً حيث تم حل المجلس ( 14 مرة ) ، فغالباً ما كانت تلجأ الحكومة إلى حل البرلمان ولم يحصل أن حجب البرلمان الثقة عن الحكومة ، ولم يستمر هذا الدستور حين دخول العراق عام ( 1958م ) إذ حصلت ثورة وكان أول دستور جمهوري بتاريخ ( 27 \ تموز \ 1958م ) حيث تمثلت الرئاسة بوجود مجلس السيادة الذي يتكون من ( 3 ) أشخاص وكان هنالك مجلس للوزراء .هذا الدستور لم يستمر طويلاً حيث أزيح نظام ( عبد الكريم قاسم ) وأقيم بعده دستور مؤقت ( نيسان \ 1963م ) حيث لم يستمر هذا الدستور سوى ( 9 أشهر ) حيث تلاه دستور ( 1964م ) ثم دستور ( 1965م ) ثم تلاه دستور عام ( 1968م ) حيث لم يستمر هو الأخر سوى سنتين ، حيث جرت تعديلات عليه ليتم أثرها تبني دستور أخر عام ( 1970م ) أصدره مجلس قيادة الثورة السابق إلاَ أن المشرع العراقي أراد أن يطرح مشروع دستور دائم والذ تم طرحه عام
(1990م) لمناقشته ولكنه بعد مناقشات مستفيضة لم يتم قبوله إلى حين أزاحة النظام عام ( 2003م ) ليصار بعدها إلى تشكيل دستور دائم والذي تحقق فعلاً بعد أجراء أستفتاء شعبي عام (2005م) .وهنا يلاحظ على الدساتير العراقية اتسامها بطابع التوقيت ، فسمة التوقيت جاءت لمتطلبات الفترة الثورية التي لا تعتمد بالاستقرار ، وانما جاءت لمواجهة تحديات عديدة لمتطلبات كانت مشروعة بالنسبة للقائمين عليها كالقضاء على الاحتلال ، محاربة الأقطاع ، العدالة في توزيع الثروات ، تحقيق الأمن والأستقرار ……الخ.
وبأختصار شديد أن مشكلة بناء الدولة العراقية كانت ولا تزال هي كما كانت في السابق ، فمشكلة بناء الدولة العراقية بعد الأحتلال تكمن في أن المحتل قام بحل المؤسسة العسكرية والأمنية والأعلامية وقام ببناء مؤسسات جديدة ، ومن خلال ما تعلمناه من خلال الدراسة أن عملية بناء مؤسسات جديدة تستلزم سنوات أن لم نقل عقود لكي تترسخ مفهوم الدولة ، فما بالنا أن علمنا أنهُ تم بناءها في إيام معدودة ، وحسب المثل الذي يقول أذا عرف السبب بطل العجب نجد أن سياسة الفوضى الخلاقة التي أتبعها المحتل لا تتوقف حين حلول الأستقرار ، وهذا الأمر كي ندركهُ تتطلب سنوات وهو ما سيتم تناولهُ في وقت لاحق . شهد العراق منذُ تأسيس دولته حالة من اللأستقرار
أو الأستقرار البسيط الغير معمر ، وأن النظرة الأولى إلى المشهد السياسي العراقي بعد الأحتلال الأمريكي نظرة مثيرة للدهشة والأستغراب ، ففي تفاصيل المشهد مقاطع لايمكن فهمها وتفسيرها ، وفي مقدمتهِ الأنتشار الكبير للأحزاب والمنظمات الجديدة ، بعضها يعرفها الشعب العراقي ومخزونة في ذاكرته ، والآخر لم يسمع بها المواطن العراقي ولم تعرفه الحركة الوطنية منذُ قرون من الزمن …، فقد شهد المشهد السياسي العراقي أحزاب سياسية وطبقية وأجتماعية وأقتصادية وأحزاب دينية وفئوية وحتى أحزاب بأسم مدن وقرى وحيوانات ؟ ويعزز هذا الوجود صدور أكثر من ( 180 ) صحيفة يومية ونصف أسبوعية وأسبوعية إلى الشارع السياسي ، وتظهر هذه الصحف بأسم الأحزاب والمنظمات أو بأسم الأشخاص الذين يدعون تمثيلهم لهذا التيار أو ذاك(1) .
وبعيداً عن هذا نجد أن العهود الجمهورية الأربعة ( 1958م – 2003م ) أمتازت بخاصية الأستيلاء على السلطة في ظل غياب واضح لخاصية المشاركة في السلطة ، وعليه فالعنف كان قرين لخاصية الأستيلاء على السلطة ونقيض لخاصية المشاركة على السلطة(2) ، وبعد عام ( 2003م ) ظهرت مشكلة المناخات السياسية المشجعة على العنف ، وصاحبها في ذلك مناخات ثقافية مشجعة على العنف ضد الآخر ، وهذه المناخات الثقافية مبنية على الثقافة التقليدية أو ثقافة العنف أو الأثنين معاً بعيداً عن ثقافة المساهمة التي تشكل المناخ الثقافي الملائم لسيادة اللاعنف والتسامح مع الآخر(3) .
وفي ظل هكذا أجواء شهد الوضع العراقي طبقاً ( حميد فاضل حسن ) أختلالات سياسية ومجتمعية ودينية وثقافية خطيرة أشرت بصورة لا يكون بوسع عاقل إنكارها وجود بوادر أزمة حقيقية أخذت تنخر في النسيج الأجتماعي والثقافي والديني والسياسي العراقي ، حيث تسود ثقافة الموت ولغة الأحتراب وفتوى التكفير وروح الأقصاء وإلى ما هنالك من هذا الكلام(4) .
وفي ظل هذه الظروف فأن السؤال المهم الذي يطرح نفسه ، هل بالأمكان في ظل هكذا أوضاع بناء دولة عراقية قوية؟ ما هي المرتكزات التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة العراقية ؟ هل العراقيين قادرين على ذلك ؟ هل بالأمكان خلق أفكار تكون بمثابة عقد سياسي وأجتماعي يحتكم إلى العقل والواقعية ولاشيء غير ذلك ؟ هذا ما سنحاول الاجابة عليه في محورنا الثاني .
1) صباح ياسين ، تفكيك البنى الحزبية العراقية في إطار المشروع الأمريكي ، مجلة المستقبل العربي ، عدد \ 300 \ ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2004م ، ص 17 .
2) عامر حسن الفياض ، أفكار تأسيسية في ثقافة اللاعنف وبناء الدولة المدنية العراقية الحديثة ، كلية العلوم السياسية – جامعة بغداد ، ص 5 ، بلا .
3) المصدر نفسه ، ص 6 وما بعدها .
4) حميد فاضل حسن ، دور مبدأ التسامح في تعزير العملية السياسية العراقية ، كلية العلوم السياسية _ جامعة بغداد ، ص 1 ، بلا .

ثانياً
في الحقيقة أن عملية بناء دولة ليس بالأمر الهين بل يتطلب نفساً طويلاً ولا يمكن أن ينتهي بين ليلة وضحاها ، فالمنطق يقول إذا ما أريد لأي تجربة أنسانية النجاح والديمومة وجب أن تتوفر فيها مجموعة من الأساسيات ، فعملية بناء دولة عراقية على أسس صحيحة وسليمة وجب أن تستند على الأفكار والمنطلقات التالية:-
1- عقد أجتماعي ( دستور )
أن لفظة الدستور لفظة فارسية الأصل تعني ( صاحب اليد ) وفي اللاتينية تعني القانون الأساسي أو البناء الأساسي ، فالدستور هو ( أب القوانين ) على أعتبار أن القوانين الأخرى يجب أن تستوحي مضامينها من الدستور وهو القانون الأساسي للبلاد ، فالدستور هو مجموعة من القواعد والأحكام العامة التي تصدرها السلطات العامة وهي تتمتع بالفرض أو الطاعة .
وبقدر تعلق الأمر بالعراق نجد أن أهم مستلزمات بناء الدولة اللألتزام بالدستور لكن أي دستور؟ هو ذلك العقد الذي يجمع شمل العراقيين ولا يفرقهم شذر مذر ، هو ذلك الميثاق الذي تحترمهُ كل القوى السياسية من خلال الألتزام الكامل بكل مواده وفقراته والأبتعاد عن الأنتقائية والتفسير الضيق .
ومن خلال متابعتنا للأحداث الجارية على الساحة العراقية بحكم الدراسة والتخصص نجد أن الدستور لم يعد المرجعية العليا للقوى السياسية العراقية ، فأصبح الدستور شعاراً يتاجر به الجميع يؤيده تارة وتارة يلعنهُ عندما يصطدم مع مصالحه ومصالح حزبه .أن الدستور العراقي اليوم نجدهُ معطلاً في ظل سيادة الأتفاقات الجانبية الكثيرة التي شهدتها العملية السياسية العراقية والتي تستند في الأساس على المحاصصة الطائفية والسياسية ، والتي كانت وما تزال العائق الرئيسي في تأخر عجلة التقدم والبناء ، ووقوعها حائلاً أمام وصول الخدمات للمواطن .
أن مشكلة بناء الدولة العراقية تكمن في أن القائمين عليها أختاروا الخيار السياسي الواعي لبناء الدولة لا الخيار الموضوعي ، أي أن الخيار السياسي الواعي هو عملية بناء من فوق لا من تحت ، وهذا هو الخيار الذي أتبعتهُ الدولة العراقية الحديثة ، والذي أريد أن يتحقق من خلال عقد أجتماعي سياسي ( دستور ) ، ووجود برلمان منتخب ( مجلس نواب ) ، ووجود تعددية سياسية ( أحزاب ، صحافة حرة ) ، وهذا ما تم العمل به فعلاً ، ولكن حصلت تشوهات وضعية تضاف إلى تشوهات موضوعية ساهمت في صناعة العنف وأستمراره والتي تبلورت بالعناوين التالية :-(1)
 تقدم المشروع المعلن ( المشروع الوطني لبناء الدولة ) في ظل تخلف الأدوات المستخدمة ، بمعنى أن مشروع بناء دولة مدنية حديثة أعتمدت أدوات غير مهنية في بناء الدولة ( طائفية ، دينية ، تعصبية ، قومية ) .
 حضور التعددية التصادمية وغياب التعددية المنسجمة ، الأمر الذي صبغ المشهد العراقي بصيغة الخلافات
1) عامر حسن الفياض ، مصدر سبق ذكره ، ص 10 – 11 – 12 .

الدموية لا خلافات سلمية .
أن الوصول إلى صيغة دستور مناسب للعراق والعمل بموجب أحكامه يتوقف على توازن القوى ، فالديمقراطية جوهر المشاركة السياسية الفعالة ، وهذه مثلها مثل الحرية ، تؤخذ ولا تعطى ، لذا فأن الممارسة الديمقراطية ليس لها حظ في مجتمع تختل فيه موازين القوى ، ولا سيما إذا كان المجتمع لم تمارس فيه الديمقراطية من قبل ، أو أن ممارستها لم تتحول إلى طريقة حياة وثقافة تطبع سلوك الأفراد والجماعات ، وتوازن القوى الذي نقصده هو توازن بين قوى الدولة والمجتمع الذي تحكمه .
وفي الواقع أن العراق لا يعاني من قصور في المنظومات التشريعية والفكرية والدينية بقدر ما هو يعاني من قصور في النخب السياسية في توظيف تلك المنظومات بصورة ممارسات غنية تسعفنا في تقديم حلول لبعض مشكلاتنا الحالية ، فالملاحظ هو عجز هذه النخب على أختلاف مستوياتها في تقديم أستمرارية مع الماضي ولتؤسس لبناء مستقبل ، ولذلك لا نستطيع بناء دستور مميز أو أن نبني مجتمعاً متسامحاً إذا ما أغفلنا القيم الماضوية الأيجابية والتركيز على القيم الماضوية التي من شأنها أن تثير وتزرع بذور الشقاق(1) .
2- تفعيل المشاركة السياسية وتنظيم الخارطة الحزبية
تعد المشاركة السياسية ذات أهمية كبيرة سواء أكانت على صعيد الفرد أم المجتمع أم السلطة أم أيضاً على صعيد السياسة العامة ، فهي ضرورية على صعيد الفرد أنها العملية التي يؤدي من خلالها الفرد دوراً في الحياة السياسية لمجتمعه وتكون لديه الفرصة في المشاركة في وضع وصياغة الأهداف العامة لذلك المجتمع وإيجاد أفضل الوسائل لتحقيق هذه الأهداف ، وهذا يعني أن المشاركة السياسية هي (( تلك الانشطة السياسية التي يشارك فيها الأفراد من أجل أختيار حكامهم أكانت بصورة مباشرة أم غير مباشرة )) ، فالمشاركة السياسية ضرورة حيوية لكل دولة لأنها تحقق الوحدة الوطنية والأندماج بين أبنائها ، بل هي شرط أساسي لذلك من خلال المساواة في توزيع الموارد بين إبناء الشعب الواحد(2) .
أن مفهوم المشاركة السياسية من حيث الطبيعة والحجم والمضمون أصبحت ضرورية لمواطني هذا العصر الذي أصبح كيانهُ يتحدد بمجموعة من الحقوق تتمثل في حرية التفكير والتعبير والأجتماع وإنشاء الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات ، إضافة إلى حق التعليم والمساواة والتكافؤ في الفرص ، كما أنها ضرورية لتمكينها الأفراد من أختيار الحكام ومراقبتهم وعزلهم إذا ما دعت الضرورة إلى ذلك ، إضافة إلى أنها تضفي الشرعية على الحكم. فالمشاركة السياسية هي حق الشعب في المساهمة في صياغة السياسات العامة للبلاد وتحديد موقفه بخصوص القضايا التي تهمه والتي تعد أساسية في تحديد مصيرهُ ومستقبله ، كما أتها تجنب النظام السياسي من وجود
1) عبد الجبار أحمد ، التسامح وطريق الحرب الأهلية ، كلية العلوم السياسية – جامعة بغداد ، كانون الثاني \ 2007م ، ص 12 ، بلا.
2) ثامر محمد كامل الخزرجي ، السياسة العامة وأداء النظام السياسي ، مجلة العلوم السياسية ، عدد \ 33 \ ، كلية العلوم السياسية – جامعة بغداد ، توز \ 2006م ، ص 146 .
معارضة سرية هدامة .
وتؤكد ( المنظمة العراقية لتنسيق حقوق الأنسان ) أن المشاركة السياسية يجب أن تطبق بدون تمييز بسبب اللون والجنس أو القومية والدين أو المعتقد ، كما يجب ترسيخ الحقوق السياسية لهذه الفئات على قدم المساواة بما يضمن المشاركة السياسية وتفاعل الجميع معها(1) .
وبناءاً على ذلك تعد الأحزاب السياسية أحدى المؤسسات المهمة التي تقوم بوظيفة المشاركة السياسية ، فالحزب السياسي يتكون من مجموعة من الأفراد يسعون إلى تحقيق أهداف مشتركة عن طريق الحصول على السلطة السياسية وذلك طبقاً لعقيدة معينة تحكم سلوكها ، وما يتضمنهُ هذا السلوك من سلطة إصدار القرارات(2) .أن الأحزاب كقناة أتصال بالجماهير تقوم بأستيعاب وفهم المطالب الشعبية جيداً ، ثم تقوم بالتعبير عنها من خلال عرض وتقديم مجموعة من الأهداف السياسية المنظمة ، أو من خلال التعرف على المشكلات والأهتمامات الخاصة للمجتمع ، فهي تقوم بترشيح أعضائها لتولي السلطة السياسية ( البرلمان ) ، كما أنها تقوم بخوض المعارك الأنتخابية والتصويت ، فضلاً عن إنها تعمل على حث أعضائها ومؤيديها أو أنصارها على الممارسة الديمقراطية(3).
وبعد عام ( 2003م ) نجد أن الخارطة الحزبية العراقية خارطة معقدة من العلاقات عنوانها الحذر والشك في الوقت نفسه ، فالخارطة الحزبية في العراق ومنذُ أنطلاق العملية السياسية أتسمت بعدد من السمات منها :-(4)
• الخريطة الحزبية في العراق غير واضحة المعالم .
• لجوء بعض القوى والأحزاب السياسية العراقية إلى تكوين وعقد تحالفات على أسس مصلحية غيبت فيها مصلحة الدولة العليا .
• أنتقال القوى السياسية العراقية من أتجاه إلى آخر سمة أتسمت بها بعض القوى السياسية إستناداً إلى الربح والخسارة ، لا على أساس إيديولوجي .
• أتسمت الأحزاب السياسية العراقية بالشخصنة أي القوة السياسية موسومة بشخص زعيمها .
ومن الدقة بمكان القول أن العمل الحزبي في العراق بعد عام ( 2003م ) قد شهد تعددية كبيرة واسعة لم تكن موجودة من قبل ، إلاَ أن هذه التعددية جرت في إطار فوضى عارمة تستسهل قضية الالتزام السياسي ، وتلغي العمق الفكري في أهدافها وبرامجها ، فهذه التعددية ( الفوضوية ) خلقت أزمة حقيقية في صورة العمل الحزبي
ووجود فراغ فكري في فضاء العمل الحزبي ، يكون أقرب إلى تزييف العمل السياسي وإدخاله في دوامة من
1) ……..، المنظمة العراقية لتنسيق حقوق الأنسان ، المشاركة السياسية للجميع ، العراق ، 2006م ، ص 3 ، بلا .
2) طارق الهاشمي ، الأحزاب السياسية ، مطابع التعليم العالي ، الموصل ، 1990م ، ص 83 ، بلا .
3) المصدر نفسه ، ص 87 .
4) خيري عبد الرزاق جاسم ، العملية السياسية في العراق ومشكلات الوصول إلى دولة القانون ، ط1 ، مطبعة البينة ، بغداد ، 2010م ، ص 101 – 102 .
7
الصراعات وفقدان البوصلة لتغييب الأتجاه المطلوب ضمن هذه المرحلة التاريخية(1) .
أنهُ لمن المؤسف أن نجد أن الحوار بين الفرقاء السياسيين غير موجود ، ويرجع ذلك حسب رأي ( خيري عبد الرزاق ) إلى كون بعض الأحزاب أو القوى السياسية أو الشخصيات السياسية تعمل على تغليب المصلحة الفرعية على حساب مصلحة الوطن ، فضلاً عن غياب الأرضية أو الحد الأدنى من الأتفاق فيما بين القوى السياسية في وجهات النظر ، بالأضافة إلى أن بعض القوى السياسية محملة بقناعات تعد من قبلها بمثابة ثوابت قبل الدخول في أي حوار(2) .زد على ذلك غلبة لغة المصالح على لغة الوطن ، غلبة لغة السلاح على لغة الحوار ، غلبة القناعات المسبقة على المرونة والمفاهيم المشتركة المتعلقة بالوطن(3) .وبالأمكان حل هذا الأشكال من خلال تشريع قانون ينظم عمل الأحزاب ويقننها ، زائدا التقاء الفرقاء مع بعضهم البعض على أساس المصلحة العراقية وهو أمر كفيل بالمساهمة في بناء دولة حديثة قوية .
3- تفعيل الديمقراطية سلوكاً وممارسة
تعد الديمقراطية ممارسة إرادية تقود في النهاية إلى الأعتراف بأصلة الإرادة الشعبية ثم إلى ضرورة أحترامها ، الأمر الذي يوفر لها الحق الطبيعي في تمثيل نفسها وفي التعبير عن خياراتها ، فالديمقراطية حالة حقيقية وليست ثقافة زائفة ، فهي عملية حضارية تتوج مراحل مفصلية في مسيرة الأمم والشعوب(4) . تكمن أهمية الديمقراطية بالنسبة للأنسان أنها تشعرهُ بقيمته الأنسانية وأن لهُ دوراً في المجتمع ، لابل أنهُ عضو مسؤول فيه ، لهُ ما لهُ من حقوق ، وعليه ما عليه من واجبات .
وبقدر تعلق الأمر بالعراق نجد أن ممارسة الديمقراطية في العراق سلوكاً وممارسة من شأنها أن تسد الطريق بوجه كل التوجهات الطائفية التي تريد التلاعب بالوطن وتعمل على تمزيق النسيج الأجتماعي العراقي ، وبالتالي فأن ممارسة الديمقراطية آمر بحد ذاته يعد ضامناً حقيقياً لوحدة الوطن وقوته وأزدهاره ، فالدعوى إلى الديمقراطية لا توفر فرص الحياة الطبيعية والعادلة بالتساوي بين المواطنين فحسب ، بل تحمي الوطن وكيان الدولة من الكوارث والأنهيار ، كحوادث التمزق والأحتراب(5) .أن الطائفية تقود إلى أنعدام الثقة بين إبناء المجتمع الواحد ، تمزق النسيج الأجتماعي وتهدر طاقات الأمة وتختزل التاريخ ، فالطائفية ضربة موجعة لقلب المجتمع لتصبح تخريباً من داخله ، ومن هنا كانت الطائفية ولا تزال سلاح الأستعمار والقوى المعادية لوحدة المجتمع الأنساني ،حيث تعد الطائفية اليوم من المشاكل التي تهدد العالم سواء الطائفية بين الأديان أم داخل الدين الواحد(6).
1) صباح ياسين ، مصدر سبق ذكره ، ص 17 .
2) خيري عبد الرزاق جاسم ، مصدر سبق ذكره ، ص 66 .
3) المصدر نفسه ، ص 70 – 71 .
4) مصطفى الكاظمي ، مسألة العراق المصالحة بين الماضي والمستقبل ، ط1 ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، بيروت ، 2012م ، ص 37 – 38 .
5) المصدر نفسه ، ص 49 .
6) المصدر نفسه ، ص 48 .
أن الطائفية بحد ذاتها مرض أجتماعي وحضاري خطير ، وهذا المرض يدل على وجود خلل كبير في بنية المجتمع ، مهما كان المجتمع متطوراً من الناحية الأقتصادية والتقنية ومهما شاعت المصطلحات الحضارية في دواوينة ومرافقه وأعلامه ، لأن العلاقة بين الحضارة والطائفية تقوم على التنافر والتناقض(1) .
أن التأكيد على الديمقراطية كوسيلة لبناء الدولة العراقية كونها أداة فعالة لمواجهة التحديات الطائفية ، وأن تأكيدنا عليها هو من ناحية السلوك والممارسة لا من حيث الفكر والنظرية ، فنظرية الديمقراطية يمكن تلقيها في الكتب والبحوث المنتشرة حول العالم ، بل أن الأنترنت وفر للناس مصدراً شعبياً رائجاً للتزود بالمعرفة السياسية وحول الديمقراطية وغيرها من أشكال الحكم ، فقراءة هذه النظريات لا تكلف تحصيلاً دراسياً صعباً أو كثيفاً ، بل هي سهلة الفهم يسيرة الهضم لا تحتاج إلى الغور في كثير من المعارف والعلوم ، ويمكن لصاحب تحصيل دراسي بسيط أن يعي ما يطرحهُ الفكر السياسي العالمي عن الديمقراطية وأشكالها وظروف نشأتها وتطورها ومستقبلها ، لكن القضية التي تشغل بال الناس اليوم هو السلوك والممارسة الديمقراطية لا النظرية والفكر الديمقراطي(2) .فغياب السلوك والممارسة الديمقراطية سيحول الديمقراطية إلى فكر ميت حبيس أرفف المكتبات وأذهان مناصريها .ونحن هنا لا نقلل من شأن الأفكار في بناء المجتمعات بل على العكس تماماً ، إذ أن تدارس مجموعة من الشباب موضوع الديمقراطية في الجامعات والمعاهد أو عبر لقاءات أو من خلال ندوات مشتركة يعد عملاً رائعاً ومبادرة حية على طريق الديمقراطية ، وهذا ما نود أن نراه مستمراً في العراق ، فالشعب العراقي يملك أستعداداً قوياً للتثاقف الحضاري مع العالم الديمقراطي على صعيد الحقوق المدنية والمشاركة السياسية وشكل الحكم وبعض آلياته الأساسية وفي مقدمتها الأنتخابات ، لأنهُ شعب حضاري يحوي الألاف من ذوي الشهادات العليا ، وأرض المهجر تضم المئات من العراقيين الذين تذوقوا حلاوة الديمقراطية وأخلاقياتها الممتازة .
وبناءاً على ذلك فأن تهيئة قطاعات شبابية مثقفة تتخصص بموضوع الديمقراطية سيكون عاملاً جوهرياً في عملية بناء المجتمع الديمقراطي والذي ينعكس بالضرورة على بناء دولة ديمقراطية(3) .
4- تجذير فكرة التسامح
هنالك أختلاف بين اللغات العالمية حول مفهوم التسامح غير أن هذا الأختلاف في الدلالة اللغوية لم يمنع من الوصول إلى نوع من التقارب في التعريف الأصطلاحي للتسامح ، فالتسامح طبقاً ( للجابري ) ((موقف فكري وعملي قوامه تقبل المواقف الفكرية والعملية التي تصدر من الغير ، سواء كانت موافقة أو مخالفة لمواقفنا)) ، أو هو أحترام الموقف المخالف ، فالتسامح وفقاً لـ( محمد جابر الأنصاري ) (( تعايش المختلفين بسلام ، إذا توافر بينهم حد أدنى من التكافؤ والمساواة أو القبول بالآخر ))(4) .وقد وضعت ( اليونسكو ) المبادىء العالمية
1) مصطفى الكاظمي ، مصدر سبق ذكره ، ص 46 .
2) المصدر نفسه ، ص 49 وما بعدها .
3) المصدر نفسه ، ص 40 – 41 .
4) نقلاً عن،حميد فاضل حسن،دور مبدأ التسامح في تعزيز العملية السياسية العراقية،كلية العلوم السياسية – جامعة بغداد ،ص2،بلا.
حول التسامح في ( 16 تشرين الثاني 1995م ) وعرفت التسامح على أنهُ :-(1)
1- الأحترام والقبول بالتنوع وأختلاف ثقافات عالمنا ، وهو ليس مجرد واجب أخلاقي ولكنهُ أيضاً ضرورة سياسية وقانونية ، وهو فضيلة تجعل السلام ممكناً عالمياً ، وتساعد بالتالي على أستبدال ثقافة الحرب بثقافة السلام .
2- أعتبار التسامح ليس تنازلاً أو مجاملة للآخر ، بل هو قبل كل شيء موقف يقوم على الإعتراف بالحقوق العالمية للشخص الإنساني والحريات الأساسية للآخر .
3- التسامح هو مفتاح حقوق الأنسان والتعددية والديمقراطية .
4- أن تطبيق التسامح يعني ضرورة الأعتراف لكل شخص بحقه في حرية أختبار معتقداته والقبول بأن يتمتع الآخر بالحق نفسه .
وتأتي أهمية التسامح من كونه فضيلة أخلاقية وضرورة سياسية ومجتمعية وسبيل لضبط الأختلافات وأدارتها ، فالتسامح من حيث كونه سبيل لضبط الخلافات ، فهذا أنتاج أقرارنا إننا لا نستطيع أن نركن التسامح من دون وجود آخرين نختلف معهم ، فالتسامح سيكون منا ومنهم ، معنا ومعهم ، ولنا ولهم ، أنهُ سيكون قبول الأختلافات في الأراء والأديان والمعتقدات فيما يسعد الأنسان ويشقى في الدنيا والأخرة ، وهو هنا بعكس الخلاف الذي يعني المضادة ، وإذا كان المقصود بالتسامح موقف فكري وعملي قوامه تقبل الموقف الفكرية والعملية التي تصدر من الغير سواء كانت موفقة أم مخالفة ، فأن هذا ينطوي على مجموعة من الفرضيات منها :-(2)
 فكرة الخطأ والصواب ، أي أحتمال الخطأ والصواب للطرفين .
 فكرة التفاهم والعقلانية وأهمية الحوار والنقاش .
 فكرة عدم العصمة من الخطأ إستناداً إلى فكرة أذا أغلقت كل أبواب الخطأ فأن الحقيقة تبقى خارجها .
فهذه الفرضيات تساهم في أزالة حواجز التعصب والتطرف والأنغلاق والتي هي من صلب الجهل والتخلف(3) .
وبقدر تعلق الأمر بالعراق نجد أن التسامح فيه يعاني من صراع مع ضده النوعي اللاتسامح ، في أغلب صوره وأشكاله ، ومنها على سبيل المثال \ التسامح السياسي ، فالعراق عانى ولا يزال يعاني من الأرتباك في سبيل أستيعاب المفاهيم الديمقراطية والحركة التعددية ، فلا تزال عقدة الأجتثاث راسخة في النفوس ، وتقويم هذه الحالة يجب أن يقوم على عاملين :-(4)
• تهيئة أرضية ديمقراطية صلبة قوامها الحق في الأختلاف والحق في التعبير الديمقراطي .
• تمكين الأقلية السياسية أو الأثنية من الحضور في المؤسسات الديمقراطية ، لا بناءاً على قوتها التعددية وحسب ، بل بناءاً على حق أن تكون ممثلة تمثيلاً يمكنها من أسماع صوتها وممارسة حقها المشروع في
1) حميد فاضل حسن ، مصدر سبق ذكره ، ص 3 .
2) عبد الجبار أحمد ، مصدر سبق ذكره ، ص 6 – 7 .
3) المصدر نفسه ، ص 8 .
4) حميد فاضل حسن ، مصدر سبق ذكره ، ص 12 .
الدفاع عن مصالحها .
أن الثقافة السياسية العراقية تعاني من مرض اللاتسامح ، وأعراض هذا المرض تشخص في تلك الثقافة والمتجسدة في :-(1)
 أنها ثقافة تبريرية تبرر كافة ممارستها بأطار شرعي مصطنع ، وفي ظل غياب شبه تام لثقافة الأعتذار والأسف .
 أنها ثقافة واحدية تؤمن بثقافة واحدة على الرغم من تعدد سمات النسيج الأجتماعي العراقي .
 أنها ثقافة ماضوية تعيش في الماضي وتقدسه .
 أنها ثقافة تشكيكية قوامها الشك في الآخر وعدم الثقة به ، فتشكل بمجموعها كابحاً بوجه الرغبة في التعاون والتعامل الأيجابي مع الآخر .
أن العراق اليوم بأمس الحاجة إلى الحوار الوطني القائم على التسامح والوئام الأجتماعي ، إذ أن عملية أستخدام القوة والعنف في تصفية الحسابات والخلافات فكراً وسلوكاً أمر من شأنه عرقلة المساعي الجادة لبناء المواطنة وتعزيزها كمبدأ معتمد وبديل عن أنماط العلاقات الأولية – العشائرية – القبلية – الطائفية ، وقياساً على الحالة العراقية في الوضع الراهن فبأمكان التسامح أن يجد طريقهُ كعامل مهم وأساسي في قبول صيغ التعاون والتعايش ما بين جميع مكونات الشعب العراقي …، فمن لا يعتقد بأصل الممارسة العلمانية فلديه الممارسة الدينية ، ومن لا يعتقد بالممارسة الدينية فلديه الممارسة العلمانية ، أما من يعتقد بالممارسة العراقية والتي تعتبر جميع الممارسات من شانها أن تساعد على حل مشكلة العراق والعراقيين ، فذلك هو الأصوب والأجدى(2) .
أن التسامح المطلوب في العراق ينبغي أن يكون حقيقي لا شكلي ، أن يكون تسامحاً كلياً شمولياً لا تفكيكياً يقوم على حسابات ومعادلات مرحلة معينة ، أن يكون التسامح دائمياً لا مؤقتاً ، بمعنى أن يكون التسامح حينما تنتفي مبررات وظروف وجوده ، فالتسامح يجب أن يكون أستثماراً متصلاً وليس ألتقاء منقطع ، وإلاَ فأن غياب حالة التسامح بكافة صيغها وفروعها سيجر البلاد لا محالة نحو كارثة الحرب الأهلية وهو ما لا نريده للعراق والعراقيين.
5- أعتماد مبدأ العدالة
كان مطلب ( العدالة ) وما يزال واحد من أهم وأول المطالب الإنسانية ، الفردية والجماعية ، ليس فقط بحكم المعاناة الفعلية أو الأفتراضية لغالبية المجتمعات من نقصان العدالة إن لم نقل غيابها شبه الكامل ، بل وأيضاً بحكم قدرة هذا المطلب على أستيعاب القسم الأعظم من المطالب الأنسانية الآخرى ، إن لم نقل كل أشكال تلك المطالب ومستوياتها الرامية لمعالجة شتى أوجه وأبعاد ظاهرة نقص العدالة أو غيابها في الحياة الإنسانية(3) .
1) حميد فضل حسن ، مصدر سبق ذكره ، ص 22- 23 .
2) عبد الجبار أحمد ، مصدر سبق ذكره ، ص 10 – 11 .
3) علي عباس مراد ، بناء الدلة المدنية العراقية الحديثة ، عدالة التأسيس تأسيس العدالة ، كلية العلوم السياسية – جامعة بغداد ، ص 1 ، بلا .
وتأسيساً على ذلك ينبغي التأكيد على مبدأ العدالة وتحديداً السياسي منهُ والذي يشير إلى رفض مبدأ أحتكار حق ممارسة السلطة في المجتمع السياسي من قبل فرد ، أسرة ، طائفة ، قبيلة ، دين ، حزب ، فئة ، طبقة…، وضرورة الأعتراف بشرعية المعارضة واللجوء في التعامل معها وفق أسس ووسائل وقنوات قانونية وتجنب الإقصاء والمضايقة والتهديد والمطاردة والأعتقال .
أن أعتماد مبدأ العدالة بكل فروعها وقواعدها أمر أساسي في عملية بناء دولة فاعلة وقوية ، وهذا الأمر ممكن توافره في ظل التوزيع العادل للخدمات والوظائف والمناصب العليا ، وتجنب حصرها بفئات أو مناطق أو أشخاص بعينهم ، مع التأكيد على ضرورة مراعاة التشريعات القانونية والأدارية لمبدأ تحقيق العدالة بين المكونات المجتمعية مع مراعاة أختلافها وتنوعها ، فالعدالة كانت وما تزال غاية كل الشرائع الدينية وجوهر جميع الأنظمة الأخلاقية ، وهدف كل القوانين الوضعية …، فالعدالة ظاهرة سياسية وشاملة ومركبة تتعلق بكل مكونات الحياة وعناصرها(1) .
6- الخروج من أقتصاد الفوضى الخلاقة
يعد مفهوم أقتصاد الفوضى عموماً من أنتاج نظرية الفوضى الخلاقة والتي تم أختبارها في التجربة العراقية بصورة مباشرة ، وعلى الرغم أن بعض عناصر هذا المفهوم عميقة في التاريخ والممارسة ومن ضمن هيكلية الفوضى كالفساد مثلاً ، فأن أنعكاسات أقتصاد الفوضى تبدو واضحة على المؤشرات الأجتماعية والأقتصادية والسياسية العامة خصوصاً في عصر العولمة .
أن العراق أصبح قاعدة عملية شمولية للفوضى الخلاقة ومنها الأقتصاد ، فأثاره لا تقتصر على المعطيات الأقتصادية بل تتجاوزه وصولاً إلى المؤشرات الأجتماعية والسياسية العامة الأخرى(2) .أن أقتصاد الفوضى في العراق قد شجع بعض صنوف النشاطات السرية التي تلتقي مع طبيعته السلبية في جزء كبير منها ، ومنها مثلاً \ الرشاوي والهدر العام والأعمال الجرمية وتبيض الأموال في قطاعات لا تعكس حقيقة النزعة الأقتصادية السلمية ، كل ذلك على حساب نشاطات هامشية ، بعضها سري أيضاً ، لكنها تتصف بأيجابيات واسعة أجتماعياً وأقتصادياً مثل حالة المؤسسات الصغيرة وغير النظامية العديدة الفاعلة في دول العالم الثالث وبنسب أقل في دولة متقدمة ، فهذه المؤسسات الهامشية المشروعة أقتصادياً تنمو أحياناً كثيرة في الفوضى ، وفي أطارها خصوصاً عندما تتولى مثل هذه المؤسسات إنتاج أو تسويق أو تغطية نشاطات تكتسب مراراً بعض الصفات الجرمية ومنها مثالاً لا حصراً \ التهريب والتقليد والمخدرات وبيع السلاح وسواها(3) .
لقد قامت الولايات المتحدة برسم مشاريع وسيناريوهات مختلفة لديمومة الفوضى في العراق والتي يمكن إيجازها
1) علي عباس مراد ، مصدر سبق ذكره ، ص 3 .
2) بهاء الدين الخاقاني ، الفوضى الخلاقة أستراتيجية السياسة الخارجية الأمريكية لمائة سنة قادمة ، ط1 ، دار المحجة البيضاء ، بيروت ، 2012م ، ص 338 .
3) المصدر نفسه ، ص 349 .
في ثلاث نقاط أساسية :-(1)
1- مشروع عدم تدويل المسألة العراقية وأبقاءها تحت سيطرة بعض الأطراف .
2- مشروع الفدرالية العراقية ، وهو المشروع التي سعت الولايات المتحدة إلى تطبيقة في العراق منذُ اليوم الأول لأحتلالها العراق وعلى أساس توزيع مذهبي وديني وعرقي وفي أطار فوضوي .
3- مشروع التوطين ، وهو المشروع الذي أعدتهُ النائبة الأمريكية ( إليانا روس ليتنن ) والذي أقرهُ ( الكونغرس الأمريكي ) والذي ينص على توطين الفلسطينين في العراق وربطهم بالأردن .
أن خطورة هذه المشاريع تتم تحت مظلة الفوضى الخلاقة وهو مشروع يهدف إلى تدمير الدولة وإلى إذكاء الحرب الأهلية كوسيلة لضمان التحكم في ثروة العراق ، فعملية خلق الفوضى في العراق ستؤدي إلى زيادة الهجرة والفقر والتخلف والبطالة ، مما يولد فوضى أقتصادية تؤدي إلى ثورات متوالية وإصطدامات عسكرية أو مشاحنات داخلية بين فئات فقيرة وغنية .
أن الولايات المتحدة قامت بتحطيم بنية الدولة العراقية ، تفكيكها دون تركيبها ، وعملية التحطيم هذه لم يرافقها أي جدية في إعادة البناء(2) .أن هدف الولايات المتحدة من وراء جعل العراق كمركزية للفوضى الخلاقة هو إبقاءهُ في منزلة بين المنزلتين ، بين الحرب والسلام لمدة غير محددة من الزمن من جهة ، ومن جهة أخرى بين التهديم والبناء ، الأمر الذ جعلهُ بالفعل في مرحلة أنتقال حرجة ، ومن هنا ترتسم في الأفق معالم وطبيعة الصيغة العراقية المعقدة ، فهي صيغة داخلية ترتكز برمتها على توازنات خارجية إقليمية ودولية ، فضلاً عن توازنات القوى الداخلية المتصارعة فكراً وسلوكاً ، حيث تعمل الفوضى على أختلال أي توازن ويهز الأستقرار في حالة تحققه(3) .
أن الهدف الأخير للولايات المتحدة هو جعل العراق يعيش متاهة الفكر واللافكر وبين النظام واللانظام ولعقود طويلة.
وفي الحقيقة إذا أريد للدولة العراقية أن تقوي دعائم أساسها أن تعمل على الخروج من الفوضى الخلاقة مثلما فعلت سابقتها ( روسيا ) ، حيث قامت بتحديث ترسانتها القانونية لتتلائم مع متطلبات الوضع الجديد ، وأستحداث محاكم جديدة بأختصاصات واسعة ، وإنشاء مراكز بحوث ودراسات في كافة المجالات لرفد الدولة وكوادرها الأدارية بالمعلومات والأفكار والمقترحات والخطط لتقويم الدولة وترشيد مؤسساتها .
1) بهاء الدين الخاقاني ، مصدر سبق ذكره ، ص 388 – 389 .
2) خيري عبد الرزاق ، مصدر سبق ذكره ، ص 55 .
3) بهاء الدين الخاقاني ، مصدر سبق ذكره ، ص 391 .
الأستنتاجات والتوصيات
ومن خلال ما سبق توصل الباحثان إلى مجموعة من التوصيات والأستنتاجات والتي أوجزوها بالتالي :-
1- أن عملية بلوغ التسامح المطلوب في العراق يتحقق عندما تتوقف الأقلام وتكف الألسن عن لغة التشنج والأحتراب والأستخفاف والتحامل وإثارة المشاعر والخواطر على نحو يعمق سوء الظن والنفور والتباعد بين مكونات الشعب العراقي .
2- العمل على جعل التسامح قيمة ذات مضمون جماعي ، من خلال غرس فكرة الحوار وقبول الآخر المختلف أجتماعياً .
3- مطالبة العاملين والمشتغلين بالسياسة أحزاباً وشخصيات وكتل سواء كانوا داخل السلطة أو خارجها ، معها أو ضدها ، التحلي بروح التسامح من خلال الكف عن أدعاء أمتلاك الحقيقة كلها ومصادرة رأي الأخرين ، والعمل على ممارسة العمل السياسي بشيء من النقاء والشفافية والأبتعاد عن المهاترات وخيط الدسائس والمكر والخداع.
4- على أركان العملية السياسية تعزير ثقافة الحوار والتسامح لا ثقافة العنف والسلاح الذي من شأنه زيادة نسبة التعارضات ، فالمطلوب نقل ساحة النشاط السياسي من مجالات التصارع إلى مجالات التنافس في خدمة الشعب العراقي .
5- أن مأسسة العراق أمر ممكن وليس ببعيد ، فالعراق قادر على توظيف طاقاته البشرية في الأتجاه الصحيح وأدارة موارده ، وكل ذلك مرهون بتحقيق التنمية السياسية والأقتصادية بكفاءة حقيقية في مختلف الميادين .
6- التأكيد على أقرار مبدأ المواطنة وتوسيع نطاقها ، إضافة إلى ضرورة المساواة السياسية بين المواطنين ، وهي شروط جوهرية من شروط قيام الديمقراطية ، ومن الضروري التأكيد هنا على أن لا يستثنى من حق المساواة السياسية بين المواطنين جماعة بعينها وعلى الأخص الاً يستثنى أي من الأقليات كالأقليات الدينية والعرقية .
7- إن إنكار مبدا المساواة السياسية بين المواطنين يفتح الباب للفتن والحروب الأهلية وكلاهما رفض قاطع لأمكانية التحول الديمقراطي .
8- أن العاملين في مسلك الدولة تقتضي المهنية منهم دخولهم في سلك التعليم في الجامعات والأكاديميات والمعاهد وورش التأهيل ليتسنى لهم الأخذ بأسباب العلوم والمعارف ، إذ ليس من الصواب أن يتسلم شخص ما وظيفة في الدولة دون قضية فيتسبب في خلق الفوضى ، إذ ليس من الضروري أن يشغل شخص ما منصباً في الدولة دون أمتلاكه عقلاً مهنياً وظيفياً ( فاقد الشيء لا يعطيه ) .
قائمة المصادر :
1) بهاء الدين الخاقاني ، الفوضى الخلاقة أستراتيجية السياسة الخارجية الأمريكية لمائة سنة قادمة ، ط1 ، دار المحجة البيضاء ، 2012م .
2) حميد فاضل حسن ، دور مبدا التسامح في تعزيز العملية السياسية ، العلوم السياسية – جامعة بغداد .
3) خيري عبد الرزاق جاسم ، العملية السياسية في العراق ومشكلات الوصول إلى دولة القانون ، ط1 ، مطبعة البينة ، 2010م .
4) طارق الهاشمي ، الأحزاب السياسية ، مطابع التعليم العالي ، الموصل ، 1990م .
5) عامر حسن الفياض ، أفكار تأسيسية في ثقافة اللاعنف وبناء الدولة المدنية العراقية ، العلوم السياسية – جامعة بغداد .
6) عبد الجبار أحمد ، أهمية التسامح وطريق الحرب الأهلية ، العلوم السياسية – جامعة بغداد ، 2007م .
7) علي عباس مراد ، بناء الدولة المدنية العراقية الحديثة ، عدالة التأسيس تأسيس العدالة ، العلوم السياسية – جامعة بغداد .
8) مصطفى الكاظمي ، مسألة العراق المصالحة بين الماضي والمستقبل ، ط1 ، الدار العربية للعلو مناشرون ، 2012م .
9) ______، المنظمة العراقية لتنسيق حقوق الأنسان ، المشاركة السياسية للجميع ، 2006 م .
10) مجلة العلوم السياسية ، عدد\ 33\ ، العلو م السياسية – جامعة بغداد ، تموز \ 2006م .
11) مجلة المستقبل العربي ، عدد\300\ ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2004م .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق