الشرق الأوسطعاجل

هل سيأخذ (مأزق المُناخ) الدول للتعاون في ظل الفوضى؟

بقلم :  عمر جمال شاور/ ماجستير في الدراسات الدولية_ جامعة بيرزيت_ فلسطين.

  • المركز الديمقراطي العربي

 

يعيشُ النظام العالمي منذ القدم حتى الآن في صراعٍ لم ينتهِ، ذلك نِتاجُ غياب السلطة المركزية القادرة على ضبط العلاقة بين الدول. فقد ولَّد تعارضُ المصالح والصراع على المواردِ المحدودة الكثير من الحروب، ورغم أن الصراعات الدولية أخذت منحنى آخر أقل فتكًا بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ توقفت الحروب المباشرة بين القوى العظمى، إلا أن الحروب بالوكالة والأهلية والباردة تنتشر بقوة. لا شك أن العامل الاقتصادي المطرز بتداخل الاقتصاد الدولي ببعضه، والعامل النووي _ظهور قوة الردع النووي_ كان لهما أثر واضح في وقف الصدام المباشر بين عمالقة النظام الدولي. وخلال السنوات الأخيرة ظهر عامل مهم، يجد البعض أن له دورٌ واضح في وقف احتقان الصراع الدولي، وهو “مأزق المناخ” الذي يعتبره البعض خطرًا على الأمن القومي العالمي.

هناك قاعدة تفترض أن (الخطر الخارجي يقابلهُ تعاون داخلي). أي إن كان هناك خلاف بين أفراد قبيلة (ص) سينتهي الخلاف على الفور بينهم بظهور خطر من القبيلة (س). كما أن بُزوغَ خطر خارجي على أحد الدول، سينتج ذلك تماسك وتعاون على المستوى الوطني. وكذلك دول العالم، فبظهور خطر خارجي حقيقي (الاحتباس الحراري) من المفترض أن يخلق ذلك تعاون وتماسك على المستوى الدولي. فهل سيكون هذا التعاون بذلك التعقيد الذي شُوهِدَ أثناء تفشي جائِحَةِ كوفيد 19؟ معلوم أن ذلك الفايروس يشكلُ خطرًا مشتركًا على جميع دول العالم، لكن لم نشهدْ تكاتفًا دوليًا بالقدرِ الكافي، فظهرَ استغلالٌ وتبادلٌ للاتهامات. فهل يسير مأزق المناخ بمنحنى أكثر تعاونًا؟

يقصد بمأزق المناخ، المشكلة العالمية المتوقع حُدوثها في المستقبل القريب، ذلك بسبب الاستمرار في زيادة ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض. ووسط التحذيرات الكبيرة من العلماء حول الخطر الذي قد يصيب الأرض على أثر ارتفاع درجات الحرارة، نجد بعضهم يشك في الاحتباس الحراري، محاججًا بذلك أنه خلال القرن الماضي مَرَّ العالم بفترة دافئة “250 قبل الميلاد _ 400 بعد الميلاد” عرفت “الفترة الرومانية الدافئة” وفي حقبة أخرى ظهر انخفاض في درجات الحرارة منذ بداية القرن الرابع عشر، عرفت بفترة “العصر الجليدي الصغير”. يتدرع المشككون في الاحتباس الحراري بالمثالين السابقين، كدليل على أن الأرض تمر في حلقات متتالية من ارتفاعات وانخفاضات في درجات الحرارة، وما نشهده الآن من ارتفاع في درجات الحرارة هو نتاج الحلقة الطبيعية التي ستأخذ بالرجوع للوضع الطبيعي. هذه الادعاءات والشكوك أصبحت ضعيفة جدً؛ إذ نشرت دراسات عديدة في السنوات القليلة السابقة تشير إلى أن الارتفاع في درجات الحرارة التي تمر بها الأرض منذ الثورة الصناعية ذو خصائص خطيرة، لا تقارن بقوتها مع الفترات السابقة التي تركزت الحرارة في جزء معين من الأرض. فقد أظهرت أحد أهم الدراسات؛ أن أكثرَ الحقبِ حرارة في الألفين سنة الأخيرة كانت في القرن العشرين بمساحة تغطي أكثر من 98% من الكرة الأرضية. اليوم يظهر شبه إجماعٍ بأن النشاط البشري هو المسؤول عن الاحتباس الحراري، وتتوقع الكثير من مراكز البحث والعلماء أنه ستكون ذات نتائج خطيرة وقد تكون كارثية على الكوكب في المستقبل القريب.

زاد اهتمام دول العالم حول قضية المناخ بشكل واضح منذ بداية القرن الواحد والعشرون، ليطرز بعمل أول اتفاقٍ عالمي يهتم في شأن المناخ عام 2015 عرف باتفاق باريس للمناخ، ويهدف لضبط حرارة الكرة الأرضية دون 2 درجة مئوية، ذلك ضمن مسؤولية مشتركة بين الدول. رغم تلك الاتفاقية وما تحتويها من بنود قيمة تساهم بالفعل في تقليص حجم انبعاثات الغازات الحرارية المسؤولة عن الاحتباس الحراري، إلا أن الإنجاز الفعلي والواضح حتى الآن تمثل في (وعود) لتقليص الانبعاثات خلال المستقبل القريب، بل يهدفون للوصول لصافي الانبعاثات الصفري. فقد توعدت الصين وروسيا بذلك حتى عام 2060، أما الهند فقد حددت ذلك عام 2070، والكثير من الدول الأخرى توعدت للوصول إلى صافي الصفر من الانبعاثات عام 2050.

الخلافات في قمم المناخ واضحة، وأعتقد أن انعدام الثقة في ظل منافسة اقتصادية تزداد تعقيدًا بين الدول العظمى قد كان السبب الرئيس لذلك. فمنذ أن نشأ اتفاق باريس للمناخ حتى القمة الأخيرة في غلاسكو، ظهر بوضوح ملامح انعدام الثقة بين الدول، وكثيرٌ ما تداخلت صراعاتهم الاقتصادية والسياسية في قلب مناقشاتهم حول قضية المناخ. وفي عام 2017 ظهرت أتون الصراع والاختلاف؛ إذ تُوِّجَ ذلك بالانسحاب الأمريكي من اتفاقية باريس للمناخ، وقال الرئيس الأمريكي ترامب خلال الانسحاب “اتفاقية باريس للمناخ لم يتم تصميمها للحفاظ على البيئة، بل لقتل الاقتصاد الأميركي” وقد عادت أمريكا من جديد إلى الاتفاق في بداية عام 2021، بإجراءٍ من الرئيس الأمريكي جو بايدن.

ظهرتْ خلافات كبيرة في جلسة عقدها مجلس الأمن في شهر سبتمبر/ أيلول لعام 2021 والتي سميت “صون السلم والأمن الدوليين: المناخ والأمن” وذلك نتاج عن الاختلاف حول ربط موضوع المناخ بمجلس الأمن؛ إذ ظهر بوضوح رفض من الصين وروسيا، فقال المندوب الصيني “نرفض أن يصبح تغير المناخ الشغل الشاغل لعمليات حفظ السلام الأممية ونحن في المقابل نساند بقوة الوكالات الأممية المتخصصة في مناقشة هكذا موضوع”. أما المندوب الروسي فقال” يجب ألاَّ يتم استخدام مجلس الأمن كأداة لتحقيق أغراض سياسية”.

علاوةً على ذلك، فإن الاحتباس الحراري يشكل خطراً عالميًا في المستقبل القريب، ويحتاج تعاونًا مشتركًا بين الدول لمواجهته، ورغم ظهور بوادر التعاون بين الدول، إلا أن العلاقة الدولية دخلت حلقة من التعقيدات والخلافات. وأعتقد أن (الرغبة والتنافس وانعدام الثقة) هي نتاج تعقيد العلاقة الدولية حول قضية المناخ؛ إذ أن هناك رغبة في مناهضة الاحتباس الحراري، يتخللها انعدام الثقة بين الدول، والتنافس الاقتصادي والتكنولوجي يزيد الأمر تعقيدًا.

قد يسير هذا التعاون الحذر لاحتواء مأزق المناخ، في طريق أكثر تعاونًا في حال ظُهورِ مؤشراتٍ أكثر خطورة حول الاحتباس الحراري، لكن لن يغير ذلك الأصل في العلاقة الفوضوية للنظام الدولي التي تطرز بالصراع. لهذا أجد أن العلاقات الدولية مبنية في (الأصل) على الصراع وانعدام الثقة في ظل نظام دولي فوضوي، وإن الخطر الخارجي ممكن أن يكون عاملًا للتعاون المرحلي _خلال فترة الخطر_ لكن الوضع سيعود للأصل _الصراع_ بعد زوال الخطر.

5/5 - (3 أصوات)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى