الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

مضمون الثقة السياسية في الربيع العربي المتأني

اعداد  : عمرو صبحي – باحث سياسي –  المركز الديمقراطي العربي

 

يُعد تآكل الثقة السياسية، ومن ثم انعدامها واحدة من أسباب اندلاع الاحتاجات السياسية والتي عادة ما تؤول نتائجها بثورات. حيث يرسخ النظام السياسي شرعيته من خلال بناء الثقة بين المواطن والحكومة، فوفقاً لنظرية العقد الاجتماعي عند هوبز، فإنَّ الأفراد هي من تمنح الثقة لمن اتفقوا على توليته إدارة شؤونهم، فالدولة دولة الشعب.

اندلعت ثورات الربيع العربي نتيجة أزمة ثقة شعبية في سياسات الحكومة من جانب، وفي نخبتيها السياسية والاقتصادية من جانب آخر. ثم استشرى الأمر في دول الربيع العربي المتأني، المتمثلة في الجزائر والسودان، حيث اختيار الباحث لوصف الجزء الثاني من الربيع العربي بالمتأني؛ يقصد أنَّ اندلاع ثورتيه جاء بعد أناة، وعين حكمة مستفيدة بتعثر ثورات الربيع العربي والاستيلاء على بعضها.

أولاً: مفهوم الثقة السياسية

توجد مقاربة لمفهوم الثقة السياسية وفقاً لنظرية العقد الاجتماعي، فهي تمثل ظاهرة اجتماعية بدورها المركزي في تجسير الهوّة بين الحاكم والمحكوم، حيث بناء شرعية النظام السياسي، من خلال التزام الحاكم بعدالة توزيع القيم السلطويّة من ناحية، والأخذ بأسباب المشاركة الكاملة بين طرفي العقد الاجتماعي، والمتمثلين في السلطة والمواطن من ناحية أخرى.

كما عرّفت الأمم المتحدة “الثقة السياسية” في إعلان فيينا بشأن بناء الثقة في الحكومة عام 2007 بأنها تعبر عن “وجود توافق في الآراء فيما بين أفراد المجتمع حول القيم والأولويات والاختلافات المشتركة، وعلى القبول الضمني للمجتمع الذي يعيشون فيه، كما تشير أيضاً إلى توقعات المواطنين لنمط الحكومة التي ينبغي أن تكون عليه، وكيف ينبغي للحكومة أن تعمل وتتفاعل مع المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية“.

كذلك، تشير د. رشا سيروب، في دراسة لها بأنَّ الثقة السياسية هي: “تحكيم وتقييم شامل وعام من قبل المواطنين، لمدى تجاوب الحكومة بمؤسساتها وممثليها من الوزراء ومعاونيهم والمدراء العامين وشاغلي المناصب السياسية، وما يقومون به بالشكل الصحيح والأمثل حتى في ظل غياب الرقابة المستمرة“.

ثانياً: عوامل الثقة السياسية

ترتكز الثقة السياسية على خمس عوامل هامة:

1_ العامل الاقتصادي: المتمثل في أداء الحكومة اقتصادياً، ودلالات النمو الاقتصادي.

2_ العامل السياسي: والذي يبرز في تقييم سياسات الحكومة العامة، والاصلاح السياسي.

3_ العامل الاجتماعي: من حيث الاسهام في منح منظمات المجتمع المدني الحرية الكافية، مما يؤدي لترسيخ دورها وتعدد أنشطتها، ودورها التكميلي لما تعجز عنه مؤسسات الدولة الرسمية.

4_ العامل المعرفي: أي استنباط الحكومة قرراتها بناءاً على تقييم معرفي، ودراسات حالة عن المواطنين.

5_ العامل القيمي: وهو من أبرز عوامل الثقة السياسة، فالعُرف يسود في بعض المجتماعات عن القانون، والمورثات الثقافية يظل لها الأثر الأعمق، فالحفاظ على القيم والمثل العُليا في المجتمع أمر ضروري.

ثالثاً: تآكل الثقة السياسية وآليات البناء

تتعلق الثقة السياسية بالإنجازات الواقعية الملموسة فتتحقق عوامل بناء الثقة، كما تنشأ أزمة الثقة في التقليص من حريات الأفراد السياسية، ومن مستوى معيشة الأفراد اقتصادياً. لطالما أصيبت العديد من الدول النامية بأزمة ثقة، مكمونة في تصريحات ووعود زائفة دون رؤية ثاقبة.

أ_ عوامل تآكل الثقة السياسية:

تكمن أهم عوامل تآكل الثقة السياسة، في اتساع الفجوة بين الدولة ومواطنيها. حيث عرّف “جاك سيترين” Jack Citrenk انعدام الثقة: “حالة من العداء تجاه القيادة السياسة والاجتماعية ومؤسسات الحكم والنظام”.

تشير الدراسة لعدد من عوامل تآكل الثقة السياسة بين المواطن والدولة، أهمها:

1_ انعدام المساءلة داخل الحكومة.

2_ ضعف قدرات الحكومة في مواجة المشكلات، بطء استجابتها، و ندرة الكفاءات.

3_ حجب المعلومات والبيانات عن المواطنين يؤدي لأزمة ثقة بين المواطن والدولة.

4_ الفساد السياسي، وضمور العدالة الاجتماعية.

5_ غياب الاستراتيجة السياسة والاقتصادية، وعدم مراعاة الأولويات.

كما أنّه عندما يفقد المجتمع الثقة، ويلجأ أفراده لعمليات الانتحار بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية هو أمر هام ينبغي أن تسعى الحكومات لمعالجته، فهم خدام الشعب.

ب_ عوامل بناء الثقة:

يرسخ النظام السياسي شرعيته من خلال بناء الثقة بين المواطن والحكومة. فإذا ما توافرت عوامل بناء الثقة بين المواطن والدولة، فتتقارب الدرجات بين الدول كدول نامية أو متقدمة. حيث أنّ المؤشرات الاقتصادية ورفاهية الأفراد والمحافظة على إنسانيتهم، تجدد الثقة دائماً بين المواطن والدولة.

كما ركزّ فرانسيس فوكوياما في كتابه “الثقة: الفصائل الاجتماعية وتحقيق الازدهار الاقتصادي”: على الترابط المجتمعي، وسلط الضوء على العلاقات بين الأفراد وأهميتها، من خلال تمييزه الدقيق بين رأس المال المادي من مصانع وآلات، وبين رأس المال الاجتماعي من قيم وأعراف مشتركة بين الأفراد، تنشأ من خلالها الثقة مع المجتمع في ممارسات الفرد اليومية.

تشير الدراسة لعدد من عوامل بناء الثقة السياسة بين الدولة ومواطنيها، أهمها:

1_ يتم بناء الثقة من خلال الشفافية، المصداقية، ومشاركة الأفراد في تنفيذ وتقييم السياسات العامة وكذلك المساواة.

2_ اللامركزية والحكم المحلي، بالإضافة للمشاركة الشعبية، وتفعيل الحراك السياسي.

3_ الاستقرار السياسي، ومعالجة الانفصالات المجتمعية.

4_ كفاءة الخدمات وجودتها، وكفاءة والادراة في مواجهة الأزمات، بالإضافة إلى ارتفاع كعدلات النمو الاقتصادي.

5_ الالتزام بتنفيذ التعهدات، والتصدي للفساد وتطهير جذوره، بالإضافة للمحاسبة العلنية، والدور الحر للإعلام في عرضه لمشكلات المجتمع الحقيقية وعرضها على المسؤلين.

رابعاً: عين الحكمة: كيف تفادى ثوار الجزائر والسودان نكبات ثوار الربيع العربي؟

“لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين”، ذاك الدرس التاريخي، وهذه العقلية الواعية التي تدرس أخطاء الآخرين لتفاديها، فقد تعمقت تلك المعاني  في مواقف شباب الثورة الجزائرية والسودانية. مع بدايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وغبار الديكتاتورية قد تلاشى في مجتمعاتنا العربية، فأسقطت موجات الربيع العربي زين العابدين بن علي في تونس، ومحمد حسني مبارك في مصر، وعلي بن عبد الله صالح في اليمن، ثم معمر القذافي في ليبيا، كما هزت عرش بشار الأسد في سوريا، لتأتي موجة الربيع العربي المتأنية، فتسقط عمر البشير في السودان وبوتفليقية في الجزائر.

شهدت ثورات الربيع العربي الأولى مواجهات مباشرة مع الجيش، ومساومات مختلفة، ووصل الأمر ذروته إلى مواجهات مسلحة مع الجيش في سوريا وليبيا، وحرب أهلية داخل اليمن، لكن شباب الثورة الجزائري والسوداني تحركوا بوعي، مؤكدين على سلمية احتجاجاتهم، ومتمسكين بحكم مدني، ومصممين على استمرارية الثورة في الشارع، وعدم  الجلوس على مائدة حوار غير واضحة النوايا. لعل أبرز المحافظين على سلمية الثورة في السودان هو تجمع المهنيين، ودقة خطابهم الثوري، واستغلالهم عزيمة الثوار في المحافظة على استمرار الثورة في الشوارع والميادين.

يختلف الوضع ما بين الجزائر والسودان، في قوة السياسيين المدنيين الجزائريين، حيث ظلوا يسيطرون على الأمور في الجزائر حتى لا ينفرط زمامها، عكس السودان. فلم تكن لهم قوة سياسية، حيث تدخل المجلس العسكري لعزل البشير، إلا أن ثقة ثوار السودان في المجلس العسكري الانتقالي قد اهتزت، وهو ما دفعهم للحشد الشعبي، مطالبين بتسليم السلطة للمدنيين. استمر الحشد الشعبي السلمي للسودانيين، رغم مقابلة الجيش له بالعنف ومحاولاته لتفريق المتظاهريين السلمين، إلا أن صبرهم، عزيمتهم، وتعلمهم من ثورات الربيع العربي جعلت ثوار السودان متمسكين بمطالبهم، حتى توصلوا إلى تشكيل مجلس مدني انتقالي بمصالحة من آبي أحمد رئيس وزراء أثيوبيا.

المراجع:

أ_ باللغة العربية

1_ أحمد فوزي سالم، “ثوار السودان ومحاولات التعلم من نكبات الربيع العربي”، نون بوست، أبريل 2019.

2_ صدفة محمد محمود، “العلاقة بين الدولة والمجتمع في إطار الحكم الرشيد والمواطنة والثقة المتبادلة“، (مركز العقد الاجتماعي، مركز دعم واتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري، موجز السياسات رقم (3)، 2009).

3_ رشا سيروب، “الثقة السياسية: أبعادها وسبل بنائها. هل الثقة في الحكومة ضرورة؟“، مركز دمشق للأبحاث والدراسات، أكتوبر 2017.

4_ وفاء على داود، “قيمة الثقة السياسية بين المواطن والحكومة: دراسة الحالة المصرية خلال الفترة (يوليو 2004- يوليو 2009)“، (جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2011).

5_ مروان المعشّر، “الفساد وبناء الثقة مع المواطن“، مؤسسة كارنيغي، سبتمبر 2017.

ب_ باللغة الإنجليزية

1_ Anke Goroskop, “Explaining The Democratic Trust Conundrum: The Sources of Institutional Trust in the Reunited Germany”, International social Science review, Vol.83, No. 1,2, 2008.

2_ F. Fukuyama, “Trust: The Social Virtues and The Creation of Prosperity”, New York. Free Press, 1995.

3_ J. Citren, “Comment: The Political Relevance of Trust in Government”, American political Science Review, Vol.68, No.3, September 1974.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق