الدراسات البحثيةالمتخصصة

نزاعات الهوية في الوطن العربي كأحد أشكال الحروب غير التقليدية وأثرها على الأمن القومي العربي

اعداد : محمد عاطف إمام – باحث في قضايا الحروب الحديثة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي –  جمهورية مصر العربية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة:

لم تعد التكنولوجيا في العصر الراهن مسألة ترتبط بمدى تقبل المجتمعات لها أو رفضها، بقدر ما أصبحت مرتبطة بقدرة الدول على التعامل مع التحديات المركبة التي تفرضها، فقد أسهمت الثورات التكنولوجية المتعاقبة في إحداث تحولات جذرية في ملامح الحياة البشرية على المستويات كافة، وارتبطت هذه التحولات ارتباطًا وثيقًا بثورة الاتصالات وما نتج عنها من تأثيرات عميقة في الهويات والثقافات وأنماط التفاعل الاجتماعي، وفي هذا السياق، شهدت أساليب الحروب تطورًا لافتًا، تَمثل في تراجع الاعتماد المباشر على القوة العسكرية التقليدية، وخاصةً في ظل تكلفتها الباهظة وانعكاساتها السلبية على ميزانيات الدول واقتصاداتها الوطنية، وقد أدركت العديد من الدول خلال السنوات الأخيرة أن القوة العسكرية لم تعد الوسيلة الوحيدة، ولا الأكثر فاعلية، لتحقيق أهدافها السياسية والعسكرية والاقتصادية، الأمر الذي دفعها إلى البحث عن أدوات بديلة وأكثر تعقيدًا لتحقيق مصالحها الاستراتيجية.

وفي ضوء هذا التحول، لجأت الدول صاحبة المصالح في منطقة الوطن العربي إلى تبني استراتيجيات ومخططات تهدف إلى إضعاف البنية الداخلية للدول العربية وتفكيكها من الداخل، بدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة، وتُعد توظيفات الهوية العربية من أبرز هذه الاستراتيجيات، إذ عملت هذه الدول على تحويل الهوية ذاتها إلى أزمة يعاني منها الإنسان العربي المعاصر، وتعود جذور نزاعات الهوية في الوطن العربي إلى وجود الفرد العربي في إطار كيانات اجتماعية متعددة ومتداخلة، بل ومتعارضة في كثير من الأحيان، تبدأ بالقبيلة والطائفة، ولا تنتهي عند حدود الدين أو الإثنية، وهو ما أوجد حالة من التشتت والانقسام في الانتماءات والولاءات داخل الدولة الواحدة.

وبالتالي نزاعات الهوية، لا تتمثل في جانب واحد، بل قد تكون ثقافية متمثلة في القيم والأفكار والسلوكيات المُتبعة من الأفراد، وقد تكون وطنية متمثلة في العمل على إضعاف الانتماء الوطني للفرد داخل الدولة، وجعل انتمائه لجماعة معينة دون الدولة، وقد تكون طائفية متمثلة في تقسيم الدولة لعدة طوائف وأعراق، حتى يكون الولاء والانتماء لتلك الطائفة على حساب الانتماء للوطن، ويؤدي ذلك إلى عدم وجود استقرار سياسي داخل الدولة وكذلك عدم وجود سلطة حاكمة لإقليم الدولة.

وانطلاقًا مما سبق، تسعى هذه الدراسة إلى مناقشة نزاعات الهوية في الوطن العربي بوصفها أحد أبرز أنماط الصراعات غير التقليدية في المرحلة الراهنة، وتحليل تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على بنية الأمن الإقليمي العربي.

إشكالية الدراسة:

تتمثل إشكالية الدراسة في أن الهوية تمثل الخاصية الجوهرية المميزة للشعوب والأمم، إذ إن لكل مجتمع ثقافته وهويته التي تمنحه تفرده وتميزه عن غيره من المجتمعات، وبالتالي، استغلت الدول صاحبة المصالح في المنطقة العربية هذا التعدد والتعارض الهوياتي لتوظيفه ضمن استراتيجيات معاصرة تندرج في إطار أساليب الحروب الحديثة، ولا سيما ما يُعرف بالحروب الهجينة، التي تمزج بين الأدوات العسكرية وغير العسكرية، ونتيجة لذلك، أصبحت إشكالية الهوية من أبرز القضايا المطروحة على الساحة العربية، بوصفها إحدى الأزمات التي تُهدد كيان الدولة الوطنية ووحدتها الداخلية، لما تُحدثه من تفكيك في التجانس الاجتماعي، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة وسلبية على الاستقرار السياسي والاجتماعي داخل الدول العربية.

وبالتالي، يتمثل التساؤل الرئيسي للدراسة في الآتي:

إلى أي مدى تؤثر نزاعات الهوية على بنية الأمن الإقليمي العربي؟

ويندرج تحت هذا التساؤل عدد من الأسئلة الفرعية على النحو الآتي:

  1. ما المقصود بنزاعات الهوية؟
  2. ما هي أهم أشكال نزاعات الهوية العربية؟
  3. ما هي أهم المحددات الداخلية والخارجية لنزاعات الهوية العربية؟
  4. ما هي أبرز تداعيات نزاعات الهوية على الأمن الإقليمي العربي؟

أهمية الدراسة:

تتمثل أهمية الدراسة من الموضوع ذاته، و الذي يتناول ظاهرة نزاعات الهوية في الوطن العربي، والتي أصبحت تمثل تحديًا رئيسيًا يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة التي تواجه المنطقة، وتتمثل هذه الأهمية على النحو الآتي:

  1. الأهمية العلمية/ النظرية:

تحاول الدراسة استكشاف الأبعاد المختلفة لنزاعات الهوية على الأمن الإقليمي العربي وتأثيراتها على مختلف مستويات الدولة والمجتمع، مع التركيز على أدوات حديثة مثل الأمن السيبراني والقوة الناعمة الثقافية، التي تُعد من أهم وسائل الصراع والتأثير في العصر الحديث.

  1. الأهمية العملية/ التطبيقية:

تُمثل الدراسة مرجعًا حيويًا للمؤسسات البحثية العربية التي تسعى لفهم أشمل لتحديات نزاعات الهوية وآليات مواجهتها في سياق الأمن الإقليمي، إذ تزود هذه المؤسسات بمناهج تحليلية حديثة تساعدها في إنتاج بحوث متخصصة تدعم تطوير السياسات والاستراتيجيات الوطنية، بالإضافة إلى ذلك، توفر الدراسة لصناع القرار قاعدة معرفية دقيقة تسهم في صياغة سياسات أكثر فاعلية ومواكبة للتغيرات المعاصرة، خاصة في مجالات الأمن السيبراني، الثقافة، التعليم، والاقتصاد الرقمي، التي تؤثر بشكل مباشر على وحدة الهوية الوطنية.

أهداف الدراسة:

  1. التعرف على مفهوم نزاعات الهوية.
  2. تحليل أهم أشكال وأبعاد نزاعات الهوية التي تواجه الدول العربية.
  3. استكشاف المحددات الداخلية والخارجية التي تؤثر في نشوء وتصعيد نزاعات الهوية العربية.
  4. تقييم تداعيات نزاعات الهوية على الأمن الإقليمي العربي من الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
  5. توضيح الدور العربي في الحد من تأثير نزاعات الهوية من خلال السياسات والاستراتيجيات والمبادرات المتبعة.

منهج الدراسة:

اعتمدت الدراسة على التكامل المنهجي، حيث جمعت بين عدة مناهج وأساليب بحثية مختلفة بهدف توفير يعمل هذا التكامل على دمج البيانات الوصفية مع التحليل النقدي، إضافة إلى الاستفادة من الدراسات السابقة والمقاربات النظرية المختلفة لفهم الظاهرة من جميع جوانبها.

  1. المنهج الوصفي: يعتمد المنهج الوصفي على تقديم وصف دقيق وشامل للموضوع محل الدراسة، إذ يعمل هذا المنهج على وصف وتحديد مفهوم نزاعات الهوية، و أشكالها وأبعادها المختلفة في السياق العربي، كما يتم استخدام هذا المنهج لجمع المعلومات والبيانات المتعلقة بالموضوع من مصادر متنوعة، مثل الدراسات السابقة، والتقارير الرسمية، والوثائق الإقليمية، وذلك من أجل رسم صورة واضحة للواقع الحالي لنزاعات الهوية في الوطن العربي.
  2. المنهج التحليلي: يعني هذا المنهج بدراسة الظواهر والأحداث من خلال تفكيكها إلى عناصرها الأساسية، وتحليل الأسباب والنتائج، وكذلك استكشاف العوامل المحددة التي تؤثر على نزاعات الهوية، و يُستخدم هذا المنهج لفهم التحديات التي تواجه الأمن الإقليمي العربي وكيفية تطور هذه النزاعات في ضوء العوامل الداخلية والخارجية.
  3. منهج دراسة الحالة: تعتمد هذه الدراسة على منهج دراسة الحالة الذي يُعتبر مناسبًا لتوضيح الظواهر المعقدة داخل إطارها الحقيقي، إذ تركز الدراسة على نزاعات الهوية وتأثيرها على الأمن الإقليمي في الوطن العربي فقط، ومن ثم يتيح هذا المنهج دراسة أكثر عمقًا للحالة العربية من خلال تحليل الأبعاد المختلفة لنزاعات الهوية في المنطقة العربية، مع التركيز على العوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر على هذه النزاعات.

تقسيم الدراسة:

تُقسم هذه الدراسة إلى ثلاث مباحث على النحو الآتي:

  • المبحث الأول: التأصيل النظري لمفاهيم الدراسة.
  • المبحث الثاني: المحددات الداخلية والخارجية لنزاعات الهوية.
  • المبحث الثالث: تداعيات نزاعات الهوية على بنية الأمن القومي العربي.

المبحث الأول

التأصيل النظري لمفاهيم الدراسة

تتمثل أهمية التأصيل النظري للمفاهيم بوصفه مدخلًا أساسيًا لضبط الإطار التحليلي وتحديد المنطلقات العلمية التي تقوم عليها الدراسة، فالمفاهيم لا تُعد مجرد أدوات لغوية أو تعريفات إجرائية، بل تُمثل إطارًا معرفية يعكس تصورات نظرية وتوجهات فكرية تسهم في تفسير الظواهر السياسية والاجتماعية محل البحث.

أولًا: ماهية النزاع وأهم أنواعه:

يُعتبر النزاع من مفاهيم العلوم الاجتماعية التي تتميز بتعدد مفاهيمها وعدم الوقوف على مفهوم جامع، إذ ورد تعريف النزاع في دائرة المعارف الأمريكية بأنه ” حالة من عدم الارتياح أو الضغط النفسي الذي يتولد من التعارض أو عدم التوافق بين حاجتين أو رغبتين أو أكثر من حاجات الفرد أو رغباته”.

بينما في دائرة معارف العلوم الاجتماعية، ظهرت الطبيعة المعقدة لمفهوم النزاع وبيان الدلالات والمعاني المختلفة للمفهوم وتعددت أبعاده، فالنزاع من الناحية السياسية يشير إلى موقف تنافسي، يكون أطرافه غير متوافقين تجاه مواقف معينة، ويقوم كل منهم باتخاذ قرارات تتعارض مع مصالح الطرف الأخر، بينما يشير البعد النفسي إلى النزاع على إنه موقف يكون لدى الفرد فيه دافع للتورط أو الدخول في نشاطين أو أكثر لهما طبيعة متناقضة تمامًا[1].

ويُعرف أيضًا على إنه ” وضع اجتماعي يكافح فيه ما لا يقل عن اثنين من الأطراف للحصول على مجموعة متوفرة من الموارد المحدودة في اللحظة نفسها في فترة زمنية معينة” ، وكذلك يُعرف على إنه العداء المتبادل بين الأفراد والجماعات أو الشعوب أو الدول فيما بينها على مختلف المستويات”، ومن ثم يُمكن أن نستخلص من التعريفات السابقة، أن النزاع هو تنافس بين طرفين أو أكثر على القيم والموارد والسلطة، ويكون الهدف بين الأطراف محل النزاع هو كيفية إلحاق الضرر بالطرف الأخر، وبالتالي يكون هناك عدم رضا بالوضع الحالي من الأطراف المتنازعة، فيقومون بمحاولة تغييره[2].

أما على مستوى النزاع الداخلي، فيُعرف على أنه ” وضع تكون فيه جماعات معينة داخل الدولة سواء قبيلة أو مجموعة عرقية، لغوية، ثقافية، دينية، اجتماعية، سياسية، تكون في تعارض مع مجموعات أخرى لتحقيق أهداف متناقضة”، وتتنوع أنواع النزاعات على المستوى العربي، ويُمكن تناول أهمها على النحو الآتي:

  1. نزاعات سياسية: وهي تتمثل في النزاعات التي تحدث نتيجة التنازع على السلطة والنفوذ، وقد يكون هذا النزاع بين أحزاب أو قوى سياسية متعارضة، وقد يكون من جماعات تريد الانفصال عن الدولة، فتدخل في تعارض مع السلطة، وتحدث هذه النزاعات أيضًا بين أطراف النظام السياسي الواحد، وهذا النزاع قد ينتقل للدول المجاورة، ويؤدي هذا النزاع إلى انخراط أطراف دولية وإقليمية، وتُمثل النزاعات في ليبيا، العراق، اليمن وسوريا مثالًا للنزاعات لأسباب سياسية.
  2. نزاعات اقتصادية: تنقسم إلى جانبين، الجانب الأول يتميز بالتدخل الخارجي لتوطيد النفوذ داخل دولة ما ؛من أجل تأمين المصالح الاقتصادية في هذه الدولة، وتَكثر هذه النزاعات في المنطقة العربية؛ نظرًا للمكانة الاستراتيجية التي تتميز بها المنطقة العربية، والموارد الطبيعية الهائلة، ومن ثم، تميل هذه النزاعات إلى أن تكون خارجية، وتتمثل في محاولة السيطرة على الموارد الاقتصادية للدولة، مثلما حدث في الغزو العراقي للكويت عام 1990، الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وكذلك التنافس الدولي في سوريا، أما الجانب الثاني يكون نزاع داخل الدولة وقد يكون ناتج عن عدم المساواة في توزيع الموارد، مثل النزاع على الموارد الاقتصادية بين الشعب السوداني قبل انفصال جنوب السودان عام 2011[3].
  3. نزاعات دينية: هي نزاعات تحدث بين أتباع أطياف دينية مختلفة، أو بين أصحاب ديانة واحدة مثل الكاثوليك والبروتستانت بالنسبة للدين المسيحي، والسنة والشيعة بالنسبة للدين الإسلامي، مثلما يحدث في العراق واليمن.
  4. نزاعات عِرقية: هي النزاعات التي تنشأ بين الأعراق المختلفة وأحقية كل عِرق منهما في الاستحواذ على الموارد والسلطة والنفوذ دون غيره، مثلما يحدث في العراق وسوريا في النزاع بين الأكراد والعرب، وهناك نزاعات عِرقية غير متماثلة، مثل التي تحدث بين الأقلية والأغلبية في الدولة، أو نزاع بين السلطة وجماعة من المتمردين على الحكم[4].

ثانيًا: ماهية الهوية وأهم أبعادها.

يُعتبر مفهوم الهوية، مثله مثل معظم مفاهيم العلوم الاجتماعية والإنسانية، إذ يحتمل الكثير من المعاني والتفسيرات، ومن بين أكثر المفاهيم تداولًا في العلوم الإنسانية، إذ توجد الهوية في كل أمة، فهي الخصائص والسمات التي تتميز بها، والهوية لها دور في رفع شأن الأمم وتقدمها، وبدونها تفقد الأمم كل معاني وجودها واستقرارها، وهناك عناصر لا بد من توافرها للهوية، تختلف تلك العناصر من أمة لأخرى، ويُعتبر من أهم عناصرها الموقع الجغرافي، إذ أن من يضمهم موقع جغرافي محدد وتاريخ مشترك، يرتبطون في الهوية[5].

ويُمكن تعريف الهوية بأنها ” مجموعة من الأوصاف والسلوكيات التي تميز شخص أو مجموعة عن غيرهم”، فهوية المجتمع تنطلق من أفراده، إذ يمكن لعدة إثنيات أن تُشكل هوية واحدة يجمعها الدين واللغة مثل الهوية الإسلامية والهوية العربية.

وتُعتبر الهوية الثقافية من أكثر الهوايات التي بها أزمة في الوطن العربي؛ نتيجة دخول الثقافة الغربية على فِكر الموطن العربي، فقد اختلف الباحثون والمفكرون في تحديد مفهوم واحد للهوية الثقافية، إذ يُمكن أن تُعرف بأنها ” حصيلة الفكر واللغة والتاريخ والعادات والتقاليد والفنون والعقيدة والأدب والتراث والقيم والأخلاق، ومعايير العقل والسلوك وغيرها من العناصر التي تميز مجتمع عن آخر أو تتمايز بها المجتمعات والشعوب”.

كما تُعرف الهوية الثقافية بأنها ” المبادئ الأصلية السامية والذاتية النابعة من الأفراد أو الشعوب، وهذه هي ركائز الإنسان التي تُمثل كيانه الشخصي الروحي والمادي، وتمثل الهوية الثقافية جميع الجوانب الحياتية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحضارية والمستقبلية لأعضاء الجماعة الواحدة التي ينتمي إليها الأفراد بالحس والشعور الانتمائي لها”، وترتبط أزمة الهوية بعدم قدرة الفرد على إيجاد تصور واضح له بخصوص مدركاته حول ذاته، أو من خلال عجزه عن وضع تصو واضح له بخصوص المعايير والمرجعيات التي يستند إليها سلوكه .

استنادًا إلى ما تقدم، يُمكن تعريف نزاعات الهوية بأنها ” حالات تعارض بين أفراد الدولة أو الأمة ككل، قد تكون مذهبية، دينية، سياسية، وطنية أو اقتصادية، فعلى مستوى الدولة يكون ذلك نتيجة تعدد القوميات والديانات وتعدد موارد الدولة التي تُسبب نزاع بين أفرادها على تلك الموارد ما لم تكن هناك سلطة قوية تحكم توزيع هذه الموارد، بينما على مستوى الأمة ككل يظهر التعارض في عد الانتماء لهوية الأمة وعدم الاعتزاز بلغتها وكذلك نتيجة وجود عوامل خارجية ساهمت بشكل كبير على إحداث تفكك وتناحر داخل دول معينة فيؤثر ذلك بالضرورة على هوية الأمة ككل، مثل الأمة العربية أو الوطن العربي”[6].

كما يُمكن القول أن الدولة تُعتبر نتاج للثقافة التي تسود في المجتمع، ونتاج لبيئتها الداخلية والخارجية التي تتضمن عنصر التاريخ، الإقليم الجغرافي، الثقافة العامة للشعب والأيدولوجية السائدة في الدولة التي تُمثل الأفكار التي يرتكز عليها النظام والمؤسسات، وعليه يُمكن توضيح أهم أبعاد الهوية على النحو الآتي:

  1. الثقافة المشتركة وبناء الدولة:

تُمثل الثقافة في الدولة، مجموعة من العادات، التقاليد، الأفكار، السلوكيات والأعراف التي يحملونها الأفراد داخل الدولة، وكل ما يتعلق بالملبس وطرق العيش، والموروث عبر مختلف الأجيال، وبالتالي تتكون شخصية الفرد وهويته من خلال تعدد الحضارات والموروث المُكتسب منها، ويظهر ذلك التعدد الثقافي في أبعاد هوية الفرد من خلال لغته أو دينه أو أيدولوجيته، ومن ثم يعطي هذا التنوع ميزة أو خاصية للدولة تتميز بها عن غيرها من الدول الأخرى، وتتنوع الثقافة ذاتها، فهناك الثقافة السياسية التي تكون من خلال القيادة السياسية في الدولة وقدرتها على إعداد الأفراد على نمط ثقافي يتوافق مع النمط الثقافي السائد في الدولة، ويُعتبر ذلك من عوامل بناء الدولة[7].

  1. اللغة والدين:

تُعتبر اللغة عنصرًا جوهريًا في تشكيل هوية أي أمة، حيث ترتبط ارتباطًا رئيسيًا بالثقافة والتاريخ للمجتمع، فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي الإطار الذي يُعبر من خلاله الإنسان عن فكره ومشاعره وطموحاته، ومن ثم، فإن الهوية واللغة وجهان لعملة واحدة لا يمكن فصلهما، أما الدين، فيُعد مكونًا أساسيًا من مكونات الثقافة والهوية الحضارية لأي أمة، إذ يتجاوز كونه مجرد شعائر وطقوس، ليشمل منظومة قيمية ورؤية شاملة للذات والعالم والحياة، ويتضح الدور المحوري للدين الإسلامي في تشكيل الهوية العربية، حيث يشكل مرجعية مركزية في الفكر والثقافة والسياسة، ويُرسخ للغة العربية بوصفها لغة القرآن والسنة، مما يعزز الترابط بين اللغة والدين في تشكيل هوية الأمة.

  1. البعد الاثني للدولة وعلاقته باستقرار الدولة:

لا يتحدد معنى الهوية إلا من خلال الجماعة، إذ تتميز خصائص الفرد وصفاته بالتطابق أو بالاختلاف مع الجماعة التي ينتمي إليها، وبالتالي، تظهر خاصية الانتماء لجماعات محددة بذاتها من جانب الفرد، ومن ثم يسعى الفرد لتقوية هويته في إطار هذه الجماعة، وبالتالي يكمن البعد الاثني في الهوية، في الجماعات المختلفة الموجودة داخل الدولة ومدى قرة الدولة على احتواء تلك الجماعات وعدم تهميشهم[8].

  1. الإقليم الجغرافي:

تعتبر الأرض ركنًا أساسيًا من أركان بناء الدولة، وتتحدد هوية أي شعب من خلال الأرض التي يقطن فيها، إذ أن هويته تتبع الأرض واللغة التي تنتمي لها هذه الأرض، ويُسهم في ذلك الوحدة الإقليمية للدولة ومدى قدرة السلطة على فرض سيادتها على كامل إقليم الدولة، حتى لا يتم استقطاع جزء من أرض الدولة من جماعة معينة، فالأرض تحدد ملامح بناء الدولة والمحيط الجغرافي للدولة يعطي لها هوية معينة، والمحيط الجغرافي هو الذي يتسع لعدة دول تشترك في عوامل مشتركة تشكل هوية مشتركة، مثل المحيط الجغرافي للوطن العربي.

  1. البعد السياسي للهوية:

يتحدد هذا البعد من خلال الدولة الوطنية أو القومية والنظام السياسي الذي يشمل المؤسسات المختلفة وشكل النظام الإداري والدستوري والقانوني للدولة، ويمكن لطبيعة النظام السياسي في الدولة أن يفرز علاقات اجتماعية منسجمة وقد يفرز علاقات اجتماعية متنازعة، إذ قد تصبح مؤسسات الدولة خاضعة للعصبية والانتماء لمراكز قبلية أو طائفية، وبالتالي يبقى الأفراد مجرد رعايا لا يشاركون في الحياة السياسية في الدولة، وبالتالي يعتبر البعد السياسي أهم بعد من أبعاد الهوية بالنسبة للأبعاد الأخرى، فالنظام السياسي قادر على أن يخلق مجتمع متماسك داخليًا بقدرته على التعبئة السياسية فتكون صفة المواطنة هي السائدة، أو تكون الصفة الطائفية هي السائدة[9].

وفي ضوء ما سبق، يتضح أن نزاعات الهوية في الوطن العربي لا يمكن فهمها بوصفها مجرد صراعات عارضة أو انعكاسات لتعدد ثقافي أو ديني في حد ذاته، بل باعتبارها نتاجًا بنيويًا لاختلالات عميقة في بناء الدولة الوطنية العربية، سواء على مستوى إدارة التنوع المجتمعي أو توزيع السلطة والموارد أو طبيعة النظم السياسية السائدة، فقد أظهر التحليل أن غياب الهوية الجامعة، المقترنة بمواطنة فاعلة ومؤسسات قادرة على الاحتواء والدمج، أسهم في تحويل الاختلافات الإثنية والدينية والثقافية من عناصر إثراء اجتماعي إلى أدوات للصراع وعدم الاستقرار، خاصة في ظل توظيف داخلي وخارجي لهذه الانقسامات.

ثالثًا: مفهوم الحروب غير التقليدية وعلاقته بنزاعات الهوية:

تُعد الحروب غير التقليدية، أو ما يُصطلح عليه بالحروب الهجينة، نمطًا حديثًا من أنماط الصراع التي تجاوزت الأطر التقليدية للحرب القائمة على المواجهة العسكرية المباشرة بين جيوش نظامية متقابلة، ويقوم هذا النمط من الحروب على الدمج بين أدوات عسكرية محدودة وغير منتظمة، وأدوات غير عسكرية ذات طابع سياسي، إعلامي، اقتصادي، وتقني، بما يجعل ساحة الصراع مفتوحة وممتدة داخل بنية الدولة المستهدفة ذاتها، ويُميز هذا النوع من الحروب غموض الفاعلين، حيث تختلط أدوار المقاتلين بالمدنيين، وتتشابك ساحات القتال مع الفضاءات الاجتماعية والإعلامية والرقمية، بما يصعب على الدولة المستهدفة تحديد مصدر التهديد أو طبيعة الخصم بدقة[10].

وعلى هذا الأساس يُمكن تعريف الحرب غير التقليدية بأنها ” “مزيج بين أنواع الحروب المحددة، سواء أكانت تقليدية أم جديدة، والتي تهدف لطمس الخطوط الفاصلة بين الحرب والسِلم، باستخدام تكتيكات واستراتيجيات خفية قابلة للإنكار بهدف تحقيق أهداف ومصالح معينة”[11].

وفي ضوء هذا التعريف، يتضح أن الحروب غير التقليدية أو الغير متماثلة لا تعتمد على أسلوب معين في الحرب، بل على أساليب متنوعة، ويتمثل أهمها في الأساليب الخفية غير المباشرة، ويُمكن توضيحها على النحو الآتي:

  1. توظيف وسائل الإعلام كأداة حرب نفسية ودعائية:

تحتل وسائل الإعلام موقعًا مركزيًا ضمن أدوات الحرب غير التقليدية، إذ تُستخدم كوسيلة فعالة لتقويض المعنويات، وزعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتشويه صورة النظام السياسي داخليًا وخارجيًا، ويكون ذلك من خلال توظيف وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، ومنصات التواصل الاجتماعي، في نشر الشائعات، وتضخيم الأزمات، وإعادة تأطير الأحداث بصورة تخدم أهداف الجهة أو الدولة الفاعلة، ولا تقتصر آثار هذا النمط من الحرب على المجال المعنوي فحسب، بل تمتد لتُحدث انقسامات اجتماعية، وتُغذي خطاب الكراهية والاستقطاب، بما يُهدد التماسك الوطني ويُضعف قدرة الدولة على إدارة الأزمات.

  1. توظيف الأدوات السيبرانية المختلفة:

بفضل التقدم التكنولوجي أصبحت الأدوات السيبرانية أحد أكثر الأدوات المستخدمة لتحقيق أهداف الدول في الصراعات المختلفة، وتنوعت هذه الأدوات ما بين الهجمات الإلكترونية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتأثير في الرأي العام داخل دولة ما لخدمة مصالح الدولة الأخرى، هذا بالإضافة إلى استخدام البرامج التقنية وبرامج التجسس المختلفة المعتمدة على الوسائل التكنولوجية الحديثة، وعليه تستخدم الدول طريقتين أساسيتين لتحقيق مصالحها في الصراعات من خلال الأدوات السيبرانية؛ فالطريقة الأولى هي توظيف الهجمات الإلكترونية المختلفة من قِبل الفاعلين الدوليين في الحروب فيما بينهم لتحقيق ميزة نسبية لطرف على حساب الطرف الأخر، بينما تشير الطريقة الثانية إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتأثير في المواطنين لتحقيق مصالح الدولة المستخدمة[12].

  1. الإرهاب والحرب بالوكالة:

تلجأ بعض الدول أو الفواعل من غير الدول إلى دعم جماعات أو ميليشيات مسلحة غير نظامية، وتمكينها ماديًا أو لوجستيًا أو إعلاميًا، لتنفيذ عمليات استنزاف ضد الدولة المستهدفة، ويتميز هذا النمط من الصراع بالإنكار الرسمي للمسؤولية، مما يحد من فرص الرد المباشر، ويجعل الدولة المستهدفة في مواجهة تهديدات داخلية مستمرة تستنزف مواردها الأمنية والعسكرية، وتؤثر سلبًا على الاستقرار المجتمعي، وتُعتبر الميليشيات المسلحة.

  1. توظيف الطائفية كأداة محورية في الحرب غير التقليدية:

يكون ذلك من خلال استغلال التعدد الاثني أو الديني أو الثقافي داخل الدولة لإحداث صراعات داخلية تُضعف بنيتها من الداخل، ويعتمد هذا الأسلوب على إعادة إحياء الولاءات غير الوطنية، وتكريس خطاب المظلومية، ودفع الجماعات المختلفة إلى الصدام، بما يحول التنوع المجتمعي إلى مصدر تهديد بدلًا من كونه عنصرًا للقوة، ويظهر هذا النمط بوضوح في عدد من الدول العربية، حيث تداخلت الحروب غير التقليدية مع نزاعات الهوية، وأسهمت في إطالة أمد الصراعات وتعقيد مسارات التسوية[13].

  1. الحرب الاقتصادية:

تُعد الحرب الاقتصادية أحد الأبعاد المتقدمة للحروب غير التقليدية، حيث تُستخدم الأدوات الاقتصادية كسلاح استراتيجي لإضعاف الدولة المستهدفة من الداخل، ويتم ذلك من خلال فرض العقوبات الاقتصادية، أو التلاعب بالأسواق، أو تعطيل سلاسل الإمداد، أو الضغط على العملة الوطنية، بما يؤدي إلى تدهور الأوضاع المعيشية، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، ومن ثم زيادة السخط الشعبي، وبالتالي، يُسهم هذا النوع من الحرب في خلق بيئة داخلية ضعيفة، تكون أكثر قابلية للاختراق السياسي والأمني، مما يُمكن الدول والجهات صاحبة المصالح من تحقيق الأهداف دون الحاجة إلى التدخل العسكري المباشر.

واستنادًا إلى ما سبق، يُمكن القول أن نزاعات الهوية تُعد أحد أهم أشكال الحروب غير التقليدية، حيث تمثل أداة استراتيجية تُستخدم لاستغلال الانقسامات المجتمعية العميقة بهدف إضعاف الدولة الوطنية وتقويض استقرارها، وعلى المستوى العربي، تأخذ هذه النزاعات طابعًا معقدًا يتداخل فيه السياسي بالاجتماعي والاقتصادي، ما يجعلها محركًا رئيسيًا لصراعات طويلة الأمد تضعف التماسك الوطني والإقليمي، وتفتح المجال أمام تدخلات خارجية متعددة الأشكال، و تتمثل خطورة نزاعات الهوية في كونها سلاحًا هجينًا يستغل هشاشة الانتماءات الوطنية لصالح تعزيز الولاءات الطائفية والقبلية، فهذه الهويات المتنازع عليها لا تُستخدم فقط كأرضية للصراع المسلح والعنف غير النظامي، بل أيضًا كأداة للدعاية النفسية والاجتماعية التي تعزز الاستقطاب وتعمق الشعور بالاغتراب والتمييز، والجدير بالذكر أن أساليب الحرب غير التقليدية المذكورة سلفًا، تلعب دورًا محوريًا في تعزيز انقسامات الهوية، وذلك من خلال بث رسائل تعزز مشاعر العداء والاغتراب بين مكونات المجتمع الواحد.

المبحث الثاني

المحددات الداخلية والخارجية لنزاعات الهوية العربية

تُعتبر نزاعات الهوية من أهم النزاعات الداخلية في الوطن العربي، وتُعتبر واحدة من مهددات الاستقرار في بنيوية الدولة العربية، وعلى الرغم من القواسم المشتركة بين سكان الوطن العربي، كاللغة، الدين، الهوية، الحدود المشتركة، إلا أن داخل الدولة الواحدة قد تُوجد نزاعات بين طوائف مختلفة، نتيجة استراتيجيات تم توظيفها داخل بنيوية الدولة العربية، من خلال تغذية الانقسامات المجتمعية وإعادة إحياء الولاءات غير الوطنية، بما أسهم في تقويض مفهوم الهوية الجامعة وتحويل التنوع المجتمعي من عنصر قوة إلى عامل صراع وعدم استقرار، وفي هذا الإطار يحكم نزاعات الهوية عدد من المحددات الداخلية والخارجية، والتي تُمثل الأساس الجوهري لحدوثها.

أولًا: المحددات والعوامل الداخلية لإشكالية الهوية العربية:

يُمكن تناول هذه المحددات على النحو الآتي:

  1. البنية الاجتماعية للدول العربية:

تتميز البنية الاجتماعية في الوطن العربي بوجود قوي للجماعات التي ترتكز على رابطة الدم كالعشيرة، أو الاعتقاد الديني الواحد كالطائفة أو اللغة، وهذه البنية كانت موجودة في عصر ما قبل الدولة الحديثة، وحافظت على وجودها في مرحلة الدولة الحديثة، وبالتالي، حل الانتماء لهذه الروابط بدلًا من الانتماء الوطني للدولة، إذ يؤدي تمسك الأفراد بهوياتهم الفرعية إلى صراعات داخلية وحروب أهلية، تُضعف استقرار الدولة وتهدد وحدتها، كما هو واضح في حالات مثل السودان والعراق، والتي عكست فشل الدولة في بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الانتماءات الفرعية[14].

ففي السودان، فشل الحكام المتعاقبون في احتواء التنوع القومي ما أدى إلى حدوث انقلابات وحروب أهلية وانفصال الجنوب وأزمة دارفور الإنسانية، أما في العراق، فقد أدى التركيز على التمثيل الطائفي دون تجاوز الانقسامات إلى تعزيز الصراع بين الشيعة والسنة، ونمو التطرف والعنف، ومن ثم، ن تتضح أزمة الهوية في الدولتين في فشل السلطات السياسية في دمج التنوع، مما تسبب في تفكك البنية الوطنية واندلاع الأزمات الداخلية[15].

  1. ضعف المشاركة السياسية:

تُعرف المشاركة السياسية بشكل عام بأنها النشاط الذي يقوم به المواطنون بهدف التأثير في صنع القرار السياسي أو دعم السلطة الحاكمة، إلا أنها في الواقع العربي تواجه أزمة حادة بسبب اتساع الفجوة بين النظام الحاكم والشعب، وينعكس هذا الضعف في المشاركة على إشكالية الهوية الوطنية، إذ تسيطر غالبية الأنظمة الحاكمة على السلطة عبر وسائل شرعية أو غير شرعية، مما يؤدي إلى تهميش الأحزاب والقوى السياسية الأخرى ويحد من فرص المشاركة الحقيقية، وبالتالي، يقلل هذا التهميش من شعور الانتماء الوطني والاعتزاز بالهوية الوطنية، فلا يُمكن فصل تطور الهوية الوطنية عن الواقع السياسي الذي يشكل عاملاً موضوعيًا رئيسيًا، ويعكس الأزمة البنيوية التي تعاني منها الهوية العربية نتيجة ضعف المشاركة السياسية ومحدودية الديمقراطية[16].

  1. ضعف المؤسسة السياسية:

يشير ضعف المؤسسة السياسية إلى تهميش المؤسسات الدستورية والتنظيمية التي تضبط الحياة السياسية داخل الدولة، مثل البرلمان والهيئات التشريعية والمنظمات المدنية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على استقرار الدولة، و غالبًا ما يصاغ الدستور وفقًا لمصالح السلطة الحاكمة ، والذي قد يغيب فيه ضمان حقوق الطوائف والأحزاب المختلفة، وهذا يفتح الباب أمام الاحتجاجات التي قد تتصاعد إلى ثورات تهدد النظام القائم، ويؤدي غياب التخطيط لما بعد هذه الثورات إلى نزاعات مسلحة بين الجماعات المختلفة، والتي ينتج عنها تهجيرًا وتشريدًا واسع النطاق، وهو ما يسهم بشكل مباشر في تفكيك الهوية الوطنية وتدهور النسيج الاجتماعي.

  1. ضعف البنى الإقتصادية:

تعاني معظم الدول العربية من ضعف بنى اقتصادية تعتمد بشكل رئيسي على اقتصاد ريعي يقتصر على مورد واحد أو اثنين، مع غياب تنويع مصادر الإنتاج، وذلك على الرغم من وفرة الموارد الطبيعية في دول مثل سوريا وليبيا والعراق، فلم تستثمر السلطات المتعاقبة هذه الثروات بشكل يحقق رفاهية شعوبها أو يدعم التنمية الاقتصادية المستدامة، إذ طغت المصالح الشخصية والصراعات السياسية على المصلحة العامة، كما أدى غياب العدالة في توزيع الموارد، إلى تعميق الفجوة بين الطبقة الحاكمة والشعب، مما زاد من هشاشة البنية الاقتصادية وأثر سلبًا على الاستقرار والتنمية الوطنية[17].

في ضوء ذلك، نستنتج أن المحددات والعوامل الداخلية لإشكالية الهوية العربية تُمثل عمق التحديات التي تواجه بناء هوية وطنية جامعة في ظل هشاشة البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فالتمسك بالانتماءات الفرعية، وضعف المشاركة والمؤسسات السياسية، إلى جانب اقتصادات ريعية غير متنوعة، كلها عوامل مترابطة تُعزز من حالة الانقسام والتفكك الوطني، لذلك، لا يمكن معالجة أزمة الهوية إلا من خلال إصلاح شامل يُعزز من التماسك السياسي والاجتماعي، ويُعيد توزيع الموارد بعدالة، ويرسخ مؤسسات ديمقراطية فعالة تضمن مشاركة شعبية حقيقية ومستدامة، وبالتالي، تصبح مسألة الهوية الوطنية ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة في الوطن العربي.

ثانيًا: المحددات الخارجية لنزاعات الهوية العربية:

تتأثر الهوية العربية بالعديد من المحددات والعوامل الخارجية، والتي يُمكن توضيحها على النحو الآتي:

  1. التدخل الخارجي الغير مباشر في شؤون الدول العربية:

يُقصد بالتدخل الخارجي، التأثير على الهوية العربية ولكن دون الاحتلال المباشر، عن طريق توظيف آليات خفية يُمكنها أن تُحدث إشكالية في الهوية العربية، وتُمثل إيران الفاعل الأبرز على المستوى الإقليمي؛ إذ جاء توسع الدور الإيراني في المنطقة العربية والشرق الأوسط من خلال دعمها لشبكة من المليشيات المسلحة المتواجدة في عدد من الدول في المنطقة العربية مثل سوريا، اليمن، العراق ولبنان، وتسعى إيران من خلال تلك الميليشيات إلى ترسيخ وجودها وتحقيق أهدافًا ومصالح في المنطقة، ويأتي الدعم من خلال تنسيق وتوفير الموارد والأسلحة والتدريبات العسكرية والمعلومات الاستخباراتية عبر الحرس الثوري الإيراني و فيلق القدس ذراع إيران في الشرق الأوسط، ولا تختلف أهداف طهران عن أهداف تلك المجموعات التي تؤدى في النهاية إلى زعزعة استقرار المنطقة وإحداث تغييرات تهدد أمن وسلامة الدول لمزيد من النفوذ الإيراني، ومن تلك المليشيات حزب الله اللبناني وميليشيا الحوثي في اليمن[18].

كما وظفت إيران عدد كبير من الوكالات الإعلامية؛ من أجل دعم الأهداف التدخلية في كل من لبنان والعراق واليمن عن طريق دعم حلفائها، فتقوم بخلق رأي عام مؤيد للفصائل المسلحة التابعة لها، وبالتالي عملت عن طريق توظيف هذه الجماعات على تعزيز الطائفية داخل الدول العربية، من خلال خلق جماعات سنية وشيعية، ومساعدة الشيعة على تقلد السلطة في تلك الدول، حتى لا تترك مجالًا للمسلمين السنة في السلطة، ومن ثم خلق ذلك فتنة دينية طائفية لا ترسخ الهوية الوطنية للدولة[19].

وعلى المستوى الدولي، فقد وظفت الولايات المتحدة الأمريكية القوة الناعمة للتأثير على الهوية العربية، قامت الولايات المتحدة بتوظيف الأساليب الثقافية في المجتمع العربي، وذلك من خلال زرع نمط ثقافي معين وسط المجتمع العربي، شمل برامج التبادل الثقافي وإقامة العروض الثقافية ونشر تعليم اللغة القومية وفتح المكاتب الثقافية والمؤسسات التعليمية داخل الدول العربية، وكذلك قامت الولايات المتحدة بتقديم منح للعديد من الشباب العربي لإدماجهم أكثر في الثقافة الغربية الأمريكية، وكذلك قامت الولايات المتحدة بتوظيف اللغة الإنجليزية في الشرق الأوسط لتطغى على اللغة العربية، ونجحت في جعلها محور أساسي في جميع المؤسسات العربية والتي فرضت على الشباب العربي ضرورة تعلم اللغة الإنجليزية، حتى يلتحق بالوظائف في تلك المؤسسات، وعلى صعيد الوسائل الإعلامية، فقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتوظيف المؤسسات الإعلامية الأمريكية في تحقيق أهدافها الخارجية.

فضلًا عن ذلك، تُعد العقوبات الاقتصادية، أحد أهم أشكال التدخل غير المباشر في شؤون الدول العربية، فقد وظفت الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية؛ من أجل إضعاف الاقتصاد الوطني للدول المستهدفة، مما يؤدي إلى خلق حالة من الأزمات المالية والاجتماعية تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الداخلي[20].

  1. دور العولمة كمحدد خارجي لنزاعات الهوية العربية:

تُعرف العولمة بأنها ” التداخل الواضح لأمور الاقتصاد، الاجتماع، السياسة، الثقافة والسلوك، دون الاعتراف بالحدود بين الدول وسيادتها أو الانتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة، دون الحاجة إلى أي إجراءات”، إذ تُعد العولمة ظاهرة شاملة نتجت عن التطور التكنولوجي المتسارع، وأسهمت في تداخل الأبعاد الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية على نحو يتجاوز الحدود الوطنية والسيادة التقليدية للدول، وقد اتخذت العولمة أشكالًا متعددة، أبرزها العولمة الاقتصادية التي فرضت نموذجًا رأسماليًا واحدًا تقوده الولايات المتحدة والدول الغربية، والعولمة السياسية التي عملت على إضعاف السيادة الوطنية للدول المتوسطة والصغيرة، فضلًا عن العولمة الثقافية التي سعت إلى تعميم نموذج ثقافي غربي باعتباره النموذج الأمثل، وفي هذا السياق، تم ربط الاقتصادات العربية بالاقتصادات الكبرى عبر آليات التبعية الإنتاجية والتكنولوجية، بما أفرغ مفهوم الاستقلال الاقتصادي من مضمونه، وأخضع القرار السياسي العربي لضغوط خارجية حدّت من استقلاليته[21].

وتُعتبر العولمة الثقافية، أخطر أبعاد العولمة تأثيرًا على الهوية العربية، إذ اعتمدت على ما يمكن تسميته بـعولمة الاختراق عبر الوسائط التكنولوجية والإعلامية الحديثة، والتي نقلت أنماطًا فكرية وقيمًا استهلاكية وسلوكيات حياتية غربية إلى المجتمعات العربية، وأسهم هذا المسار في تفتيت البنية الهوياتية للأفراد، وإضعاف اللغة والثقافة الوطنية، وطمس الخصوصية الحضارية، ومن ثم، تحولت العولمة من أداة للتفاعل الحضاري إلى آلية للهيمنة الفكرية والثقافية، تستهدف إعادة تشكيل وعي المجتمعات العربية وإفراغها من مضامينها القيمية والهوياتية.

  1. دور السينما كمحدد خارجي:

تلعب السينما دورًا مركزيًا في تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي للأفراد، وهي أداة فاعلة في نقل الرسائل والقيم التي تؤثر على الهوية الوطنية والقومية،  فمن خلال الأفلام والمسلسلات، يتم بث سرديات تمكن أو تضعف مكونات الهوية، حيث تعمل السينما على ترسيخ مواقف معينة وتشكيل تصورات الجمهور تجاه الذات والآخر.

وفي هذا السياق، تسعى السينما الإيرانية إلى تصدير نموذج الثورة الإسلامية وخلق هوية إقليمية بديلة تتحدى الهوية العربية الجامعة، من خلال أفلام ومسلسلات مثل فيلم ”  بتوقيت الشام”، والذي يتحدث عن تدخل الحرس الثوري الإيراني في سوريا لمحاربة داعش، وبعرض المقاتلين الإيرانيين كمدافعين عن المظلومين، كما يتم تقديم سرديات تركز على الصراع مع الغرب والتأكيد على محور المقاومة ضد إسرائيل والولايات المتحدة، مع استعراض رموز دينية وثقافية تعزز الهوية الشيعية، مما يزرع الانقسامات الطائفية داخل المجتمعات العربية[22].

أما السينما التركية، فقد نجحت في اختراق العالم العربي من خلال مسلسلات تاريخية واجتماعية مثل “قيامة أرطغرل” و”حريم السلطان”، التي تبث رسائل تستعيد المجد العثماني، وتعيد صياغة الهوية الإسلامية والتركية بطريقة تجذب المشاهد العربي، لكنها في الوقت ذاته تعيد تشكيل الوعي العربي من خلال رموز غير عربية، مما يؤدي إلى تفكيك الهويات الوطنية العربية التقليدية، وبالتالي، تعزز هذه الإنتاجات فكرة التعددية الثقافية تحت مظلة الهوية الإسلامية التركية، مع تهميش الهويات العربية، وقد ساعدت على زيادة التوتر بين الولاء الوطني والولاء الديني أو الإقليمي، ما يؤثر على الاستقرار الاجتماعي والسياسي[23].

بينما تأتي السينما الأمريكية، لتُمثل الأداة الأكثر نفوذًا من خلال هوليوود والإنتاجات الإعلامية الضخمة التي تصدرها، حيث تروج من خلالها لقيم الحداثة والليبرالية والهوية الغربية، وتصور العالم العربي في كثير من الأحيان من خلال عدسة نمطية تمجد الغرب وتقلل من قيمة الثقافات العربية والإسلامية، تقدم إنتاجات تحمل سرديات تركز على الإرهاب والتطرف داخل العالم العربي، مما يُضعف الثقة بالهوية العربية الوطنية، ومن ثم، يأتي هذا التأثير الإعلامي ليشكل تهديدًا مباشرًا لتماسك الهوية العربية، إذ يخلق لدى الجمهور العربي إحساسًا بالنقص والهشاشة الثقافية، ويدفع نحو تبني أنماط حياة وسلوكيات غربية، في خطوة تؤدي إلى تفكك الهوية الوطنية[24].

  1. دور الذكاء الاصطناعي في تشكيل الوعي:

استقر التأثير الناعم الخفي لعقود في فضاءات الثقافة والإعلام والقيم، إلى أن ظهر فاعل جديد يُهدد بإعادة رسم حدود التأثير الإنساني، وهو الذكاء الاصطناعي، إذ ظهر بوصفه وسيطًا قادرًا على التغلغل في عمق الوعي البشري، ويعني الذكاء الاصطناعي في مفهومه البسيط أنه “عملية محاكاة الذكاء البشري عبر أنظمة الكمبيوتر، فهي محاولة لتقليد سلوك البشر ونمط تفكيرهم وطريقة اتخاذ قراراتهم، وتتم من خلال دراسة سلوك البشر عبر إجراء تجارب على تصرفاتهم ووضعهم في المواقف المعينة ونمط تفكيرهم وتعاملهم مع المواقف المختلفة، ثم محاولة محاكاة طريقة هذا التفكير من خلال أنظمة كمبيوتر معقدة”[25].

كان الذكاء الاصطناعي في البداية مجرد أدوات حسابية مبرمجة لتنفيذ أوامر محددة، تُستخدم في تحليل البيانات أو أتمتة المهام المعقدة، لكن خلال العقود الأخيرة، ومع ظهور نظم التعلم العميق والشبكات العصبية، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية تدعم التفكير البشري، بل تحول تدريجيًا إلى منظومات قادرة على التعلم الذاتي، والتنبؤ، وصياغة المعرفة ذاتها،  ومن هنا بدأ الانتقال من الآلة المنفذة إلى الكيان المؤثر في الإدراك.

وبالتالي، تحول الذكاء الاصطناعي من مجرد تقنية إلى أداة قوة ناعمة قادرة على التغلغل في عمق الوعي العام، ولم يعد التأثير الثقافي والدبلوماسي يعتمد فقط على الإعلام، أو التعليم، أو اللغة كأدوات رئيسية من أدوات القوة الناعمة، بل أصبح الذكاء الاصطناعي لاعبًا أساسيًا في تشكيل المواقف، وتحديد السلوك السياسي، وتعزيز النفوذ من دون الحاجة لاستخدام القوة التقليدية، وتتعدد الآليات التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي في برمجة العقول وتشكيل الوعي، وتُعتبر آليتي الاستهداف الإدراكي التنبؤي وآلية التزييف العميق من أبرز هذه الآليات[26]، ويُمكن تناولهما بوضوح على النحو الآتي:

  • آلية الاستهداف الإدراكي التنبؤي:

تُعرف بأنها ” عملية الاستهداف من خلال منظومة من الآليات الذكية والممارسات الحسابية المتقدمة التي تهدف إلى تصميم رسائل ومضامين رقمية مخصصة لكل فرد، لا بوصفه متلقيًا جماعيًا، بل باعتباره كيانًا معرفيًا له تفضيلاته وسلوكه الخاص، فبدلًا من تقديم محتوى موحد لجميع المستخدمين، تعتمد هذه الأنظمة على تحليل البصمة الرقمية للفرد، من خلال سجل المشاهدة، وعدد النقرات على محتوى معين، ومدة التصفح، وكلمات البحث، إلى طبيعة التفاعلات الاجتماعية؛ وذلك لبناء تمثيل دقيق لميوله النفسية وأنماطه الإدراكية، وبالتالي القدرة على  تشكيل وعيه، في ضوء ما يُقدم له من محتوى”[27].

وتُعتبر أدوات التوصية الإلكترونية مثل YouTube، وTikTok, وNetflix، من أبرز الأدوات المستخدمة في هذه الآلية، إذ تعمل على تغذية الفرد بمحتوى يخدم توجهاتها ومع مرور الوقت لا يرى المُستخدم سوى اتجاه واحد من الأفكار، مما يؤدي إلى غلق نافذة التفكير النقدي وتحويل العقل إلى مُتلقي وموجه فقط.

  • آلية التزييف العميق:

هي آلية تقنية تعتمد على إنشاء محتوى مزيف سواء كان صوتا وصورة ممثلًا في فيديو، أو صورة فقط، أو نصوص، ويتم ذلك من خلال دمج ومحاكاة صور وأصوات بشكل واقعي لأشخاص أو مواقف لا تحدث في الواقع، وتستخدم هذه التقنية شبكات عميقة ونماذج معقدة حتى تتمكن من إنتاج محتوى يبدو حقيقيًا لدرجة كبيرة، ويتم توظيف هذه التقنية على مستويات مختلفة، ويكمن جوهر الفكرة في استبدال أو إنتاج مكوّنات الهوية الإعلامية بطريقة تجعل المتلقي يعتقد أن المحتوى صادر عن شخصٍ حقيقي أو حدث حقيقي، وتتنوع مستويات توظيف تقنية التزييف العميق، ما بين الفيديوهات المبركة، وتقنية نسخ الصوت، والصور المزيفة، والنصوص المفتعلة، والتي تعمل جميعها على بناء اعتقاد زائف لدى الجمهور المُستَهدف[28].

  1. مواقع التواصل الاجتماعي كمحدد خارجي لنزاعات الهوية:

جاءت وسائل التواصل الاجتماعي نتيجة للتطور التكنولوجي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في التواصل بين الشعوب، فقد نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في إحداث ثورة في تغير القيم والهويات، وذلك من خلال اختراق تلك المواقع للحدود والمسافات وتأثيرها على عقول الأفراد ومجريات الأمور حول العالم، إذ أن تلك المواقع تعتمد على المشاركة والانفتاح على العالم، وكانت عاملًا حاضرًا بقوة في الثورات العربية عام 2011، بل كانت المحرك الأول لتلك الثورات، ونجحت في إحداث نوع من التفكيك داخل الدول العربية؛ نتيجة استخدم تلك المواقع كذريعة للتدخل في سياسات الدول.

كما أصبحت تلك المواقع تُستغل في نشر ثقافة أو قيم معينة، لهدم القيم والثقافات الأخرى، و أصبحت تُستغل في أغراض غير أخلاقية، جعلت الشباب ينخرط في تلك السياسات وينسى دينه وهويته التي تلزمه بعد اتباع بمثل هذه الأفعال، فكثيرًا من الشباب العربي اليوم يعمل على هذه المواقع من أجل جني الأموال، بأفعال غير أخلاقية تتنافى مع عادات وسلوكيات المجتمع العربي والدين الإسلامي، ومن ثم، أصبحت تلك المواقع تُوظف لخلق أجيال فاقدة للهوية العربية وتابعة للهوية الغربية[29].

واستنادًا إلى عرض المحددات الخارجية لنزاعات الهوية، يتضح أن المحددات الخارجية لنزاعات الهوية العربية تعمل بصورة تكاملية ومركبة على إضعاف البنية الهوياتية العربية، من خلال تدخلات غير مباشرة، وعولمة موجهة، وأدوات ثقافية وإعلامية وتكنولوجية متقدمة، إذ لم تعد التهديدات الخارجية تستهدف الأرض أو السيادة فقط، بل أصبحت تركز على تفكيك الوعي وإعادة تشكيل منظومة القيم والانتماءات لدى الفرد العربي، وقد أسهم هذا النمط من التأثير الخارجي في تعميق الانقسامات الطائفية والثقافية، وإضعاف الهوية الوطنية الجامعة.

المبحث الثالث

تداعيات نزاعات الهوية على بنية الأمن القومي العربي

تعتبر المنطقة العربية من المناطق ذات الطابع الصراعي منذ قديم الأزل، وزادت حدة ونطاق هذا الصراع بعد ثورات الربيع العربي، ويتميز الصراع في المنطقة العربية بأنه صراع شامل ومتنوع ما بين طائفي، عرقي واثني، وهو الأمر الذي حدث بسبب غياب التنسيق الشامل من الناحية العربية والإقليمية، للحد من هذه الصراعات التي تهدد الأمن الإقليمي العربي، وتركت نزاعات الهوية بصماتها الواضحة على الأمن الإقليمي العربي، وزادت هذه الآثار من أطماع القوى الإقليمية والدولية ومصالحها في المنطقة العربية.

أولًا: تداعيات العولمة على الأمن الإقليمي العربي:

أسهمت العولمة، بمختلف أبعادها، في تدويل مفهومي الأمن الوطني والإقليمي العربي، بما انعكس سلبًا على استقلال القرار السياسي وتماسك الهوية الجماعية، حيث تراجع هامش الفعل العربي المشترك وتضاءلت فرص بناء تكتل إقليمي قادر على حماية الأمن الجماعي، وقد مثلت العولمة الثقافية أخطر هذه الأبعاد، إذ حملت في جوهرها أيديولوجيا الاختراق التي تروج للفردية وتفكيك الروابط الاجتماعية، بما يؤدي إلى تآكل الهوية الجماعية وتكريس الاغتراب الفكري والثقافي، كما أسهمت في صناعة وعي تابع للمنظومة الثقافية الغربية عبر أدوات إعلامية وتكنولوجية متقدمة، وهو الأمر الذي شكل تهديدًا مباشرًا للأمن الفكري والاجتماعي، وأضعف منظومة القيم العربية، خاصة لدى فئة الشباب، بما انعكس في التفكك الأسري وازدياد مظاهر الانحراف والاختلال الاجتماعي[30].

أما على المستويين الاقتصادي والسياسي، فقد عمقت العولمة الاقتصادية تبعية الاقتصادات العربية للنظام الرأسمالي العالمي، وأضعفت الأمن الاقتصادي نتيجة الارتباط بتقلبات الأسواق والسياسات الخارجية، فضلًا عن تآكل القدرة التنافسية للقطاعات الإنتاجية المحلية وتقييد استقلال القرار الاقتصادي الوطني، وفي السياق ذاته، عملت العولمة السياسية بوصفها أيديولوجيا مهيمنة على نفي البدائل الفكرية وتقويض الدولة الوطنية، من خلال تجاوز السيادة والحدود وإضعاف مؤسسات الدولة ووظائفها الأساسية، ونتيجة لذلك، تراجع الشعور بالانتماء الوطني، وتعرضت الهوية السيادية للدولة العربية للتآكل، بما جعل بعض الدول نموذجًا لهشاشة الدولة أو تفككها، الأمر الذي يؤكد أن العولمة، في صيغتها الراهنة، تمثل تحديًا بنيويًا مباشرًا للأمن الإقليمي العربي وهوية الدولة والمجتمع معًا[31].

ثانيًا: أثر تقنيات الذكاء الاصطناعي على بنية الهوية العربية:

يُمكن تناول أبرز تداعيات هذه التقنيات على النحو الآتي:

  1. تعمل آليات الذكاء الاصطناعي في جوهرها على إعادة هيكلة طريقة استقبال الإنسان للمعلومة، فهي لا تُقدم المحتوى على نحو عشوائي، بل تبني بيئة رقمية مغلقة تُحاصر المستخدم داخل دائرة من الأفكار المتجانسة التي تُشبه قناعاته السابقة وتغذي انحيازاته الإدراكية، ومع مرور الوقت، يفقد الفرد قدرته على تمييز الحقيقة من التضليل، وذلك لأن الخوارزميات تُبرمج وعيه ليعيش في فقاعة إدراكية تُقدم له العالم كما ترغب المنصات في أن يراه، لا كما هو في الواقع، ومن ثم هذا الانغلاق المعرفي يُضعف آليات التفكير النقدي لديه[32].
  2. يُعتبر من أخطر ما تُحدثه آليات الذكاء الاصطناعي في بُعدها الخفي، أنها تُعمق الاستقطاب داخل المجتمعات، فالخوارزميات التي تُعيد تغذية الأفراد بالمحتوى الذي يوافق ميولهم السياسية تجعل من الصعب على المواطنين تقبل الرأي الآخر أو التفاعل معه، مما يؤدي إلى خلق جزر فكرية مغلقة، ومع انتشار المحتوى المولد آليًا والموجه عاطفيًا، يصبح النقاش السياسي ساحة للتصعيد بدلًا من التفاهم، فيتحول المجتمع إلى بيئة خصبة لاضطراب الاستقرار الداخلي، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لمفهوم الأمن السياسي والاجتماعي للدولة.
  3. استهداف البنية المعلوماتية للدولة من خلال برمجة عقول الأفراد:

يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي في تشكيل العقول والوعي إلى بعدٍ أكثر عمقًا يتجاوز المجال المعرفي الفردي إلى البنية المعلوماتية الحساسة للدولة ذاتها، والتي تُمثل المجال الأكثر حساسية في منظومة الأمن القومي، فآليات الذكاء الاصطناعي لم تعد تعمل في فراغ تقني، بل أصبحت جزءًا مدمجًا في شبكات الاتصال، ومراكز البيانات، ومنصات الإعلام الرقمي، وأنظمة التنبؤ والتحليل التي تستند إليها الدولة في صنع قراراتها، ومن ثم، فإن هذه الاندماجية تجعل الذكاء الاصطناعي قادرًا على التأثير في البنية الإدراكية المؤسسية من خلال التحكم في تدفق المعلومات، وتحديد أولويات الاهتمام العام، وصياغة الأنماط الذهنية التي تتحكم في سلوك المجتمع واتجاهاته السياسية، ويكون ذلك من خلال استهداف العقول التي تعتمد عليها تلك المؤسسات في صنع القرار وتنفيذ السياسات، وبالتالي، تصبح العقول ذاتها جزءًا من البنية التحتية للأمن المعلوماتي للدولة، إذ تُمثل الواجهة المعرفية التي يمكن استهدافها لخلق ارتباك إدراكي يقوض مناعة الدولة في مواجهة الحملات الممنهجة[33].

  1. التأثير النفسي والسلوكي:

تعمل تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال الاستهداف المبرمج والدقيق للأفراد، على خلق عالم افتراضي، تلعب فيه نماذج المحادثة المولدة بالذكاء الاصطناعي دور الصديق الذي يتفاعل، ويفهم، ويؤازر، وبالتالي تصبح هذه العلاقة الافتراضية بديلة عن التواصل الواقعي، ومع مرور الوقت يتحول هذا التفاعل إلى نوع من العزلة عن الواقع الاجتماعي، مما يهيئ أرضية خصبة للاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب والانطواء.

واستنادًا لذلك، يُمكن القول أنه لم تعد هذه الوسائل مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت فضاءات بديلة لإعادة تشكيل الوعي الفردي والجماعي، خاصة لدى فئتي الشباب والأطفال، فقد أتاحت هذه المنصات إمكانات واسعة لتمثيل الهوية أو إعادة اختلاقها، بما يتجاوز الهوية الحقيقية، في انسجام غالبًا مع الأطر الفكرية والثقافية التي يضعها منتجو هذه الوسائل، وفي هذا السياق، أسهمت هيمنة المحتوى الغربي في ترسيخ أنماط من التقليد الثقافي والاغتراب القيمي، مقابل تراجع أدوار المؤسسات الاجتماعية التقليدية، وعلى رأسها المدرسة، في ضبط التنشئة والحفاظ على الخصوصية الثقافية، ونتيجة لذلك، وُجدت هويات هجينة أو منافية للهوية الوطنية، انعكست آثارها على البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمعات العربية[34].

كما أنه الأكثر خطورة هو توظيف وسائل التواصل الاجتماعي كأداة فاعلة من قِبل جماعات من غير الدول، لا سيما التنظيمات الإرهابية، التي اعتمدت عليها بشكل أساسي في التجنيد والتنسيق وبث الرسائل الموجهة، مستغلة انتشارها الواسع وسهولة الوصول إلى الشباب، وقد أسهم هذا التوظيف في تعميق التهديدات الموجهة للأمن الوطني والاجتماعي، من خلال زعزعة التماسك المجتمعي وإثارة النزاعات الطائفية والدينية والقبلية، كما أدى الانخراط المكثف في الفضاء الافتراضي إلى خلق حالة من الاغتراب الاجتماعي، وتراجع الانتماء الوطني، وصولًا إلى احتمالات العنف الداخلي والقطيعة بين الفرد ومجتمعه، وبالتالي، لم يعد الأمن الاجتماعي منفصلًا عن الأمن الوطني، بل أصبح الحفاظ على الهوية الثقافية والانسجام المجتمعي شرطًا جوهريًا لاستقرار الدولة في ظل تصاعد تأثير هذه الوسائل[35].

ثالثًا: أثر نزاعات الهوية على الهوية الإسلامية العربية:

أدت نزاعات الهوية إلى إضعاف العقيدة وزعزعة الإيمان، وهو ما يُمثل ضربًا مباشرًا لأسس الدين والتراث والقيم الثقافية، من خلال بث الشبهات والتشويش الفكري على ثوابت الإسلام كالتاريخ والنبي صلى الله عليه وسلم، ما تسبب في زيادة نسبة الشباب بلا هوية دينية واضحة، وانتشار التطرف الذي يغذي العداء والطائفية بين الأديان المختلفة، كما ساهمت هذه النزاعات في إحياء النزعات القومية الضيقة التي تنأى بالأمة عن أصالتها وهويتها الإسلامية، ممهدة الطريق لأجيال تتبنى توجهات معاكسة للعقيدة تحت ذريعة الحداثة والتطور، مما أضعف الارتباط بالدين الإسلامي داخل المناهج التعليمية وانتشار التعليم الأجنبي، وهو ما زاد من هيمنة القيم والثقافات الغربية على الشباب العربي، مع ما يرافق ذلك من ضعف في اللغة العربية المرتبطة بالقرآن الكريم، وتعزيز استخدام اللغات الأجنبية على حسابها[36].

علاوة على ذلك، أدت نزاعات الهوية إلى ترسيخ الطائفية والصراعات الداخلية التي تمزق النسيج الاجتماعي للدول العربية، وتحول مفهوم الدولة من وحدة جامعة إلى تجمعات طائفية متفرقة، كما هو الحال في لبنان حيث يستند تقسيم السلطة على أسس طائفية أدت إلى ضعف الاستقرار السياسي والاجتماعي، ومثله في اليمن والعراق، إذ أدى الانقسام الطائفي إلى تفتت السلطة وظهور بؤر إرهابية تُهدد الأمن الإقليمي العربي، كما أن التغلغل الإيراني عبر دعم الجماعات الطائفية في هذه الدول عزز من زعزعة الاستقرار وأدى إلى تفكيك الوحدة الوطنية، مما جعل من هذه النزاعات تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي، يضاف إلى ذلك انتشار ثقافة التغريب التي تحاول طمس الهوية الإسلامية وإحلال القيم الغربية محلها، مما يعمق أزمة الهوية ويؤثر على قدرة الأمة على الصمود في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.

في ضوء ما تقدم، توصل الباحث إلى النتائج الآتية:

  1. نزاعات الهوية تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي، إذ تؤدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي والسياسي، مما يفتح المجال لظهور الصراعات الداخلية والانقسامات الطائفية والعرقية التي تضعف قدرة الدول على مواجهة التحديات الخارجية.
  2. استخدام القوى الإقليمية والدولية لنزاعات الهوية كأداة استراتيجية غير تقليدية ساهم في تعزيز حالة الاضطراب وعدم الاستقرار في المنطقة، حيث توظف هذه النزاعات لفرض النفوذ والتأثير على السياسات الوطنية للدول العربية.
  3. تزايد تأثير العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي في تفتيت الهوية العربية، من خلال نشر ثقافات وقيم غربية مستوردة تباعد الأفراد عن جذورهم الحضارية والدينية، ما يؤدي إلى ظواهر الاغتراب الفكري والاجتماعي خاصة بين الشباب.
  4. ضعف الهوية الإسلامية العربية؛ بسبب النزاعات الفكرية والثقافية أدى إلى انتشار التطرف والطائفية، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد الأمني الإقليمي، وجعل بعض الدول مهددة بأن تصبح ملاذًا للعنف والإرهاب.
  5. ضرورة تعزيز الوحدة الوطنية والهوية الجامعة كسبيل لاستعادة الأمن والاستقرار، وذلك من خلال تبني سياسات ثقافية وتعليمية وإعلامية تراعي خصوصيات المجتمعات العربية، وتواجه محاولات التشويه والتفتيت بشكل فعال ومستدام.

الخاتمة

تشكل نزاعات الهوية أحد أبرز التحديات المعاصرة التي تواجه العالم العربي، حيث تتجاوز تأثيراتها حدود الصراعات التقليدية لتشمل أبعادًا سياسية واجتماعية وثقافية عميقة، فهذه النزاعات ليست مجرد صراعات داخلية أو إقليمية، بل هي أدوات محورية ضمن استراتيجيات الحروب غير التقليدية التي تستهدف تفكيك النسيج الوطني وتقويض الاستقرار الإقليمي، فلقد أصبح واضحًا أن الهوية بما تحمله من معانٍ عميقة متجذرة في القيم والتاريخ والموروث الحضاري، أصبحت ساحة اشتباك غير مباشر بين قوى إقليمية ودولية تسعى إلى فرض نفوذها وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

كما اتضح من خلال الدراسة أن العولمة بمختلف أبعادها الاقتصادية والسياسية والثقافية قد لعبت دورًا مركزيًا في ترويج أيديولوجيات التفتيت والهويات المستوردة، التي أثرت سلبًا على وحدة الهوية العربية وأضعفت الروابط الاجتماعية والسياسية التي كانت تعد العمود الفقري لاستقرار الدول العربية، بالإضافة إلى ذلك، أوجدت وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي أدوات ذات قدرة عالية على التأثير النفسي والفكري، مما ساهم في تعميق الفجوة بين الشباب وهويتهم الأصيلة، وأتاح لمنظومات فكرية متطرفة نشر خطابها وتأليب المجتمعات على بعضها البعض، ما أضعف الأمن المجتمعي والوطني.

ومن جانب آخر، فإن دور السينما والثقافة الإعلامية، سواء من خلال السينما الأمريكية ذات النفوذ العالمي، أو الإنتاجات الإقليمية الإيرانية والتركية، ظهر كجزء من آليات القوة الناعمة التي تؤثر في إعادة صياغة الهوية عبر بث رسائل موجهة تتنوع بين الاستقطاب الطائفي والترويج لقيم ثقافية مغايرة، مما يخلق حالة من التشظي والانقسام الفكري والسياسي داخل المجتمعات العربية، وبالتالي، يصبح تعزيز الوعي الثقافي الوطني من أولويات التصدي لهذه النزاعات، مع ضرورة تبني استراتيجيات شاملة تدمج بين السياسات التعليمية والإعلامية والثقافية لتثبيت الهوية الجامعة.

ختامًا، يتطلب تحقيق الأمن الإقليمي العربي مواجهة هذه النزاعات برؤية استراتيجية متكاملة تقوم على تعزيز الوحدة الوطنية والهوية الجامعة، وتحصين المجتمع العربي من محاولات الهيمنة الفكرية والثقافية الخارجية، فبدون بناء هوية عربية متماسكة وقادرة على الصمود أمام التحديات الداخلية والخارجية، ستظل المنطقة عرضة للمزيد من الانقسامات والتوترات التي تعيق مسارات التنمية والاستقرار، وتعمق دائرة الصراعات التي تهدد حاضر ومستقبل الأمة العربية.

قائمة المراجع

أولًا: المراجع العربية:

  1. الكتب:
  • محمد جابر الأنصاري، النزاعات الأهلية العربية: العوامل الداخلية والخارجية، ط 1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997.
  1. الرسائل العلمية:
  • إبراهيم عودة، قراءة في انفصال جنوب السودان، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية ، 2013.
  • إبراهيم يوسف حماد، الدور الإسرائيلي في انفصال جنوب السودان وتداعياته على الصراع العربي الإسرائيلي، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية، 2014.
  • أسماء حداد، الإستراتيجية الروسية في إدارة الأزمة الأوكرانية: تحليل نموذج الحرب الهجينة، رسالة دكتوراه، كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر3 ، 2018 .
  • أشرف غالب، تأثير العولمة السياسية على الوطن العربي (1991- 2011)، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الشرق الأوسط، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2013.
  • اياد خلف عمر، استراتيجية القوة الناعمة ودورها في تنفيذ اهداف السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم، جامعة الشرق الأوسط،، 2016.
  • باسل أحمد ذياب، أزمة المشاركة السياسية وتأثيرها على عملية التحول الديموقراطي في فلسطين (1993- 2013)، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية، 2015.
  • سعاد بلعربي ، أثر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على الهوية الثقـافية، رسالة ماجستير، كلية العلوم الاجتماعية، جامعة عبد الحميد بن باديس.
  • نادية جمال، أثر مواقع التواصل الاجتماعي على الهوية الثقافية للشباب المصري، رسالة ماجستير، كلية الآداب ، جامعة عين شمس، 2023.
  • محمد عمر أحمد، واقع إشكالية الهوية العربية: بين الأطروحات القومية والإسلامية ” دراسة من منظور فكري”، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، كلية الآداب والعلوم، 2011.

 الدوريات العلمية:

  • أحمد عبد العزيز، العولمة الاقتصادية وتأثيراتها على الدول العربية، مجلة الإدارة والاقتصاد، العدد السادس والثمانون، 2011
  • أحمد عبد الله الناهي، إشكاليــة الهوية في المجتمعات العربيـة قراءة في مسـألة الانتماءات الفرعيـة، مجلة دراسات الشرق الأوسط، العدد 20، 2017.
  • أحمد عبد الله الناهي، إشكاليــة الهوية في المجتمعات العربيـة قراءة في مسـألة الانتماءات الفرعيـة، مجلة دراسات الشرق الأوسط، العدد 20، 2017.
  • أحمد مصطفى محرم، استخدامات الذكاء الاصطناعي لتقنيات التزييف العميق في قذف الغير: دراسة فقهية مقارنة معاصرة، مجلة البحوث الفقهية والقانونية، جامعة الأزهر، مج 34، ع 39، 2022.
  • بليح عائشة، أزمة الهوية العربية وإعادة إنتاج الهوية الأوروبية في ظل العولمة، مركز البصيرة للبحوث والاستشارات والخدمات التعليمية، العدد 21، 20.
  • الحرب الرقمية: استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز حملات التضليل الإعلامي، سلسلة تقارير مركز أسبار، ع 446، 2024.
  • سعيد محمود مرسي، العولمة وتداعياتها على الامن الفكري العربي والإسلامي، مجلة مستقبل العلوم الاجتماعية، العدد الرابع، يناير 2021
  •  عبد السلام جحيش، دور الأطراف الخارجية في النزاعات الدولية: دراسة حالة النزاع في إقليم دار فور 2003- 2014، المركز الديموقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، 2018
  • عبده مختار موسى، أثر صراع الهويات على الاستقرار السياسي/ الاجتماعي: حالة السودان، مجلة دراسات أفريقية، العدد 5، 2021.
  • فريال حمود، مستويات تشكل الهوية الاجتماعية وعلاقتها بالمجالات الأساسية المكونة لها، مجلة جامعة دمشق، المجلد 27، ع 2، 2012.
  •  لخضر نويوة، السياسات الدفاعية الروسية: الحرب الهجينة نموذجًا، المجلة الجزائرية للدراسات السياسية، جامعة محمد لمين دباغين بالجزائر، مجلد 8، عدد1، يونيو 2021.
  • محمد عبدالرحمن، دور أدوات الذكاء الاصطناعي في تنبؤ سلوك المستهلك الرقمي، مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية، ع 9، 2024.
  • محمد نور البصراتي، النزاعات الداخلية ومسارات إعادة الإعمار في الدولة العربية، مجلة كلية السياسة والاقتصاد، العدد الرابع، أكتوبر 2019
  • نهلة عبدالكريم، تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على استهداف وتشكيل توجهات الشباب المصري نحو قضايا الرأي العام: دراسة ميدانية للشباب وآراء الخبراء في الإعلام والذكاء الاصطناعي، مجلة البحوث الإعلامية، جامعة الأزهر، ع 72، 2025
  • نور الهدي لفتاحة، الحروب الهجينة في الاستراتيجية الروسية اتجاه سوريا حروب ما بعد الجيل الخامس، المجلة الجزائرية للأمن الإنساني، مجلد 7، عدد 1، أكتوبر 2021.
  • هيبة طوال، تأثير المسلسلات التركية المقدمة في الفضائيات العربية على تغيير نمط الأساس في البيوت الجزائرية، مجلة آفاق للعلوم، ع 17، 2019.
  • محمد طاهر حكيم، الشباب والهوية الإسلامية، مجلة البيان، العدد 128، 2017.
  1. أبحاث المؤتمرات:
  • رشا لطفي، إدراك الأطفال لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، المؤتمر العلمي الدولي السادس والعشرين، الإعلام الرقمي والإعلام التقليدي: مسارات التكامل والمنافسة، مصر، 2021.
  1. المواقع الإلكترونية:
  • أحمد ذكي عثمان، ألسنة مذهبية: التوظيفات السياسية لوكالات الأنباء الإيرانية الناطقة بالعربية، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات السياسية، فبراير 2017، متاح على: https://cutt.us/wWRKF
  • جميلة حسين، المليشيات المسلحة، أذرع إيران الخفية في الشرق الأوسط، مركز شافع للدراسات المستقبلية وتحليل الأزمات والصراعات بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ابريل 2023، متاح على: https://cutt.us/Rldvd
  • مخاطر واقعية: كيف يهدد “التواصل الاجتماعي” الأمن الوطني؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، يونيو 2014، متاح على: https://cutt.us/tfRSQ

ثانيًا: المراجع الأجنبية:

  • Andrew Ali Ibbi, Hollywood, The American Image and The Global Film Industry, Cinej Cinema Journal, vol3, no 1, 2021, p 101
  • Andrew Korybko, Hybrid Wars: The Indirect Adaptive Approach To Regime Change, Moscow, peoples friendship university of Russia, 2015, p 34
  • Gregor Jagodič, Involvement of Artificial Intelligence in Modern Society, International Journal of Management Knowledge and Learning, vol 10, 2021.
  • Muna Salama, The Politicization of Cinema: How Movies Are Employed to Support the Iranian Regime?, Future Center for Advanced Research and Studies, 2017, available in: https://h7.cl/1gFLT

[1]  محمد جابر الأنصاري، النزاعات الأهلية العربية: العوامل الداخلية والخارجية، ط 1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997، ص38

[2]   محمد نور البصراتي، النزاعات الداخلية ومسارات إعادة الإعمار في الدولة العربية، مجلة كلية السياسة والاقتصاد، العدد الرابع، أكتوبر 2019، ص ص 5: 6

[3]  عبد السلام جحيش، دور الأطراف الخارجية في النزاعات الدولية: دراسة حالة النزاع في إقليم دار فور 2003- 2014، المركز الديموقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، 2018، صـ10

[4]  محمد جابر الأنصاري، النزاعات الأهلية العربية: العوامل الداخلية والخارجية، ط 1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997، ص38

[5]   إبراهيم يوسف حماد، الدور الإسرائيلي في انفصال جنوب السودان وتداعياته على الصراع العربي الإسرائيلي، رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، كلية الدراسات العليا، ص 75

[6]  عبده مختار موسى، أثر صراع الهويات على الاستقرار السياسي/ الاجتماعي: حالة السودان، مجلة دراسات أفريقية، العدد 5، 2021، ص ص 123: 124

[7]  محمد عمر أحمد، واقع إشكالية الهوية العربية: بين الأطروحات القومية والإسلامية ” دراسة من منظور فكري”، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، كلية الآداب والعلوم، 2011، ص 36 :39

[8]  بليح عائشة، أزمة الهوية العربية وإعادة إنتاج الهوية الأوروبية في ظل العولمة، مركز البصيرة للبحوث والاستشارات والخدمات التعليمية، العدد 21، 2017، ص 70

[9]  أحمد عبد الله الناهي، إشكاليــة الهوية في المجتمعات العربيـة قراءة في مسـألة الانتماءات الفرعيـة، مجلة دراسات الشرق الأوسط، العدد 20، 2017، ص 115

[10]   لخضر نويوة، السياسات الدفاعية الروسية: الحرب الهجينة نموذجًا، المجلة الجزائرية للدراسات السياسية، جامعة محمد لمين دباغين بالجزائر، مجلد 8، عدد1، يونيو 2021، صـ 52

[11]  Andrew Korybko, Hybrid Wars: The Indirect Adaptive Approach To Regime Change, Moscow, peoples friendship university of Russia, 2015, p 34

[12] نور الهدي لفتاحة، الحروب الهجينة في الاستراتيجية الروسية اتجاه سوريا حروب ما بعد الجيل الخامس، المجلة الجزائرية للأمن الإنساني، مجلد 7، عدد 1، أكتوبر 2021، ص 25

[13]  أسماء حداد، الإستراتيجية الروسية في إدارة الأزمة الأوكرانية: تحليل نموذج الحرب الهجينة، رسالة دكتوراه، كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر3 ، 2018 ، ص 8.

[14]  فريال حمود، مستويات تشكل الهوية الاجتماعية وعلاقتها بالمجالات الأساسية المكونة لها، مجلة جامعة دمشق، المجلد 27، ع 2، 2012، صـ 603

[15]  إبراهيم عودة، قراءة في انفصال جنوب السودان، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية ، 2013، ص 40

[16]  باسل أحمد ذياب، أزمة المشاركة السياسية وتأثيرها على عملية التحول الديموقراطي في فلسطين (1993- 2013)، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية، 2015، ص 16

[17]  أحمد عبد الله الناهي، إشكاليــة الهوية في المجتمعات العربيـة قراءة في مسـألة الانتماءات الفرعيـة، مجلة دراسات الشرق الأوسط، العدد 20، 2017، ص 115

[18]  جميلة حسين، المليشيات المسلحة، أذرع إيران الخفية في الشرق الأوسط، مركز شافع للدراسات المستقبلية وتحليل الأزمات والصراعات بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ابريل 2023، متاح على: https://cutt.us/Rldvd

[19]  أحمد ذكي عثمان، ألسنة مذهبية: التوظيفات السياسية لوكالات الأنباء الإيرانية الناطقة بالعربية، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات السياسية، فبراير 2017، متاح على: https://cutt.us/wWRKF

[20]  اياد خلف عمر، استراتيجية القوة الناعمة ودورها في تنفيذ اهداف السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم، جامعة الشرق الأوسط،، 2016، ص ص 52: 60

[21] أشرف غالب، تأثير العولمة السياسية على الوطن العربي (1991- 2011)، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الشرق الأوسط، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2013، ص 51

[22] Muna Salama, The Politicization of Cinema: How Movies Are Employed to Support the Iranian Regime?, Future Center for Advanced Research and Studies, 2017, available in: https://h7.cl/1gFLT

[23]  هيبة طوال، تأثير المسلسلات التركية المقدمة في الفضائيات العربية على تغيير نمط الأساس في البيوت الجزائرية، مجلة آفاق للعلوم، ع 17، 2019، صـ 145

[24] Andrew Ali Ibbi, Hollywood, The American Image and The Global Film Industry, Cinej Cinema Journal, vol3, no 1, 2021, p 101

[25] محمد عبدالرحمن، دور أدوات الذكاء الاصطناعي في تنبؤ سلوك المستهلك الرقمي، مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية، ع 9، 2024، صـ 43

[26]  رشا لطفي، إدراك الأطفال لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، المؤتمر العلمي الدولي السادس والعشرين، الإعلام الرقمي والإعلام التقليدي: مسارات التكامل والمنافسة، مصر، 2021، ص 64

[27]  Gregor Jagodič, Involvement of Artificial Intelligence in Modern Society, International Journal of Management Knowledge and Learning, vol 10, 2021.

[28]  أحمد مصطفى محرم، استخدامات الذكاء الاصطناعي لتقنيات التزييف العميق في قذف الغير: دراسة فقهية مقارنة معاصرة، مجلة البحوث الفقهية والقانونية، جامعة الأزهر، مج 34، ع 39، 2022، ص 1012

[29]  نادية جمال، أثر مواقع التواصل الاجتماعي على الهوية الثقافية للشباب المصري، رسالة ماجستير، كلية الآداب ، جامعة عين شمس، 2023، ص 33

[30]   سعيد محمود مرسي، العولمة وتداعياتها على الامن الفكري العربي والإسلامي، مجلة مستقبل العلوم الاجتماعية، العدد الرابع، يناير 2021، ص 44

[31]  أحمد عبد العزيز، العولمة الاقتصادية وتأثيراتها على الدول العربية، مجلة الإدارة والاقتصاد، العدد السادس والثمانون، 2011، ص 74

[32]  نهلة عبدالكريم، تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على استهداف وتشكيل توجهات الشباب المصري نحو قضايا الرأي العام: دراسة ميدانية للشباب وآراء الخبراء في الإعلام والذكاء الاصطناعي، مجلة البحوث الإعلامية، جامعة الأزهر، ع 72، 2025، ص 114

[33]  الحرب الرقمية: استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز حملات التضليل الإعلامي، سلسلة تقارير مركز أسبار، ع 446، 2024، ص 22

[34]  سعاد بلعربي ، أثر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على الهوية الثقـافية، رسالة ماجستير، كلية العلوم الاجتماعية، جامعة عبد الحميد بن باديس، ص 73

[35]  مخاطر واقعية: كيف يهدد “التواصل الاجتماعي” الأمن الوطني؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، يونيو 2014، متاح على: https://cutt.us/tfRSQ

[36]  محمد طاهر حكيم، الشباب والهوية الإسلامية، مجلة البيان، العدد 128، 2017، ص 185

5/5 - (1 صوت واحد)

المركز الديمقراطي العربي

مؤسسة بحثية مستقلة تعمل فى إطار البحث العلمي الأكاديمي، وتعنى بنشر البحوث والدراسات في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم التطبيقية، وذلك من خلال منافذ رصينة كالمجلات المحكمة والمؤتمرات العلمية ومشاريع الكتب الجماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى