مبدأ “دونرو” يخنق التوسع الصيني.. هل تراجع بكين سياساتها؟

بقلم : د. محمد حسين سبيتي- باحث في الشؤون الآسيوية
- المركز الديمقراطي العربي
جاء التدخل الأميركي المباشر في فنزويلا مطلع عام 2026 ليشكّل لحظة مفصلية في فهم طبيعة التنافس البنيوي بين الولايات المتحدة والصين خارج الفضاء الآسيوي. فالعملية على مستوى تداعياتها، تجاوزت حدود التفسير الضيق بوصفها مجرد تحرك لإعادة ترتيب السلطة في دولة نفطية متعثرة، بل أكدت الوقائع أنها ترجمة ميدانية لما يمكن وصفه بـ “مبدأ دونرو” أي عودة الولايات المتحدة إلى تكريس نصف الكرة الغربي بوصفه مجالًا سياديًا مغلقًا لها، تُدار شؤونه وفق حسابات الأمن الإستراتيجي لا اعتبارات الاقتصاد أو الشراكة التجارية.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل ما جرى في فنزويلا عن سياقه الدولي الأوسع بل يجب اعتباره اختبارًا جوهريًا لمدى قدرة النفوذ الصيني على الثبات في مواجهة الضغوط الأمريكية خارج حدوده الآسيوية التقليدية. فقد كشفت الأزمة عن محدودية هامش المناورة لدى بكين عندما يتحوّل ميدان التنافس من الاقتصاد والتجارة إلى منطقة الصراع الجيوسياسي الصلب، حيث تصطدم المصالح الصينية الاقتصادية بالخطوط الحمراء الأميركية التي تعتبر أميركا اللاتينية امتدادًا طبيعيًا لنطاق أمنها القومي ومجال نفوذها المباشر.
ولفهم المشهد بشكل أكثر وضوحًا، فقد شهدت أميركا اللاتينية خلال العقدين الأخيرين صعودًا مطّردًا في الحضور الاقتصادي الصيني، جعل من بكين أحد أبرز الشركاء الخارجيين للمنطقة، سواء في التجارة أو الاستثمار أو التمويل. ففي عام 2024، وصل حجم التبادل التجاري بين الصين ودول أميركا اللاتينية والكاريبي إلى نحو 515–518 مليار دولار، بعدما كان في حدود 12–15 مليار دولار فقط مطلع الألفية الجديدة، وهو ما يعكس قفزة نوعية في عمق الترابط الاقتصادي بين الجانبين.
وباتت الصين اليوم الشريك التجاري الأول أو الثاني لعدد متزايد من اقتصادات القارة، فيما تشير الدراسات إلى أن الرصيد التراكمي للاستثمار الأجنبي المباشر والقروض الصينية في أميركا اللاتينية تجاوز عتبة 200 مليار دولار، تركزت في قطاعات الطاقة والتعدين والبنية التحتية، مع حضور متنامٍ في “البنية التحتية الجديدة” مثل الطاقة المتجددة وسلاسل قيمة السيارات الكهربائية.
داخل هذا المشهد الأوسع، تبرز فنزويلا بوصفها حالة استثنائية من حيث حجم الانكشاف الصيني عليها وطبيعة أدوات التمويل المستخدمة. فمنذ عام 2007، حصلت كاراكاس على قرابة 60 مليار دولار من القروض التي قدّمتها بصورة أساسية مؤسسات مالية صينية حكومية، مثل بنك التنمية الصيني، عبر آليات “النفط مقابل التمويل” التي تربط خدمة الدين بتوريد طويل الأمد للنفط الخام إلى الصين.
وعلى امتداد السنوات التالية، أصبحت الصين الوجهة النهائية لمعظم الصادرات النفطية الفنزويلية، إذ تشير تقديرات بحثية إلى أن ما بين ثلثي إلى أربعة أخماس هذه الصادرات كان يتجه، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى السوق الصينية بحلول منتصف العقد الحالي، سواء لسداد القروض أو عبر مسارات تجارية اعتيادية، وإن كانت الأرقام الدقيقة حول حصة الصين من مجمل الصادرات محل تباين بين المصادر. هذا التشابك جعل فنزويلا بالنسبة لبكين أكثر من مجرد شريك تجاري، بل عقدة محورية في مزيج أمنها الطاقوي، بحيث يتحوّل أي اضطراب سياسي حاد في كاراكاس إلى متغير إستراتيجي يمسّ حسابات الإمداد النفطي للصين على المدى المتوسط.
انطلاقًا من هذه المعطيات، تبدو كلفة التحوّل في ميزان النفوذ داخل فنزويلا ثقيلة على الصين، سواء من زاوية الأمن الطاقوي أو المصالح المالية المباشرة. فالمؤسسات البحثية المتخصصة تقدّر أن الرصيد القائم من الدين الفنزويلي للصين تقلّص اليوم إلى نحو 10–12 مليار دولار بعد سنوات من السداد النفطي وإعادة الهيكلة، ما يعني أن جزءًا معتبرًا من حزمة القروض الأصلية لم يعد قائمًا كديون كاملة، وإنْ بقيت الخسائر المحتملة كبيرة إذا ما أُعيد التفاوض على الشروط أو شُطب جزء من الالتزامات تحت ضغط ترتيبات سياسية يرعاها الغرب (أميركا تحديدًا).
في المقابل، يبقى البعد الإستراتيجي هو الأثقل وزنًا في ميزان الخسارة، إذ تعتمد الصين على ممرات بحرية ضيّقة، وفي قلبها مضيق مالاكا الذي يمر عبره نحو 60% من تجارتها البحرية ونسبة كبيرة من وارداتها من النفط والغاز، ما جعله أحد أبرز مكامن الهشاشة في تصوراتها للأمن البحري والطاقوي. وبالنسبة لصنّاع القرار في بكين، كان النفط القادم من أميركا اللاتينية، وفي مقدمته الخام الفنزويلي الثقيل، يمثل أحد مسارات التنويع بعيدًا عن هذه “المعضلة الجغرافية”، ولو بقدرات محدودة مقارنة بإجمالي الطلب الصيني على الطاقة.
وفي ضوء هذا التحول الحاد في موقع واشنطن داخل المعادلة الفنزويلية مطلع عام 2026، تبدو الصين وكأنها تعود عمليًا إلى نقطة الانطلاق نفسها، أي إلى اعتماد بنيوي متجدد على الممرات البحرية التي تخضع لهيمنة الولايات المتحدة وحلفائها، بعدما أخفقت المسارات البديلة التي موّلتها خلال العقد الماضي في توفير هامش تعويض مريح من الإمدادات الطاقوية الآمنة البعيدة عن هذه الممرات الخانقة. وتشير قراءات إستراتيجية متزايدة إلى أن المحصلة لا تقتصر على خطر تبخّر جزء من عشرات المليارات التي استثمرتها بكين في الاقتصاد الفنزويلي، بل تمتد إلى إضعاف واحد من المسارات القليلة المتاحة أمامها لتقليص أثر القيود الجيوسياسية التي تفرضها عليها الجغرافيا البحرية الضيقة في محيطها المباشر.
ما تقدّم يؤكد أن المقاربة الصينية التي بُنيت سابقًا تجاه أميركا اللاتينية على فرضية مفادها أن الانخراط الاقتصادي الخالي من الأبعاد السياسية سيبقى بمنأى عن التنافس الجيوسياسي المباشر تعرّضت للاهتزاز، إذ أن “العنف الأميركي” تجاه كاراكاس مؤخرًا بدا كاختبار قاسٍ لهذه الفرضية. فمبدأ “دونرو” (دمج اصطلاحي بين اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومبدأ “مونرو” القديم ليعبّر عن سياسة إعادة فرض الهيمنة الأميركية المطلقة على القارة اللاتينية)، في تجسيده العملي، لا يرفض الوجود الاقتصادي الصيني لذاته، لكنّه يرفض تحوّله إلى رافعة نفوذ إستراتيجي داخل فضاء تعتبره واشنطن مجالًا أمنيًا حصريًا.
من هذا المنطلق، تحتفظ الولايات المتحدة بحق تعطيل أي بنية اقتصادية تراها ماسّة بأمنها القومي، بغضّ النظر عن طبيعة العقود أو مشروعيتها. وهكذا، لم تكن عملية التدخل الأميركي “الصلب” باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو موجهة، في قياس تداعياتها، ضدّ الصين بوصفها خصمًا معلنًا، بقدر ما كانت استهدافًا لبنية نموذجها الاقتصادي الذي يتمدد دون مظلّة ردع صلبة.
وفي واقع الحال، وبنظرة أكثر شمولية، فقد كشفت الأزمة الفنزويلية عن هشاشة البنية الاستثمارية الصينية في البيئات التي تخضع لتفوق عسكري أو سياسي خارجي. فديون فنزويلا للصين، التي كانت تُقدّر قبل الأزمة بما بين 15 و20 مليار دولار، تحوّلت فجأة إلى عبء سياسي مفتوح على احتمالات إعادة التفاوض القسري أو تجميد السداد أو حتّى إعادة توجيه تدفقات النفط نحو شركات أميركية. وبذلك تحوّلت الأرقام التي كانت تمثل ضمانة استثمارية إلى مصدر ضعف، في انقلابٍ يضرب أحد الأعمدة الأساسية للسياسة الخارجية الصينية القائمة على فكرة “المنفعة المتبادلة طويلة الأجل”.
حسابات الرد الصيني
لكن على الرغم من الخسائر المحتملة، اختارت بكين سياسة ضبط النفس وعدم التصعيد. هذا الموقف يعكس، على المدى الزمني المتوسط، قوة ضبط النفس لأنه نتاج عملية مفاضلة دقيقة بين التمسك بالمواقف وبين التبعات التي قد ترهق كاهل الدولة ومستقبلها ولحساب كلفة منفعة محسوب بدقة.
فأميركا اللاتينية بالنسبة للصين تمثل سوقًا ومجال استثمار مهمًا، لكنّها ليست ساحة تمسّ جوهر أمنها القومي. في المقابل، تظل العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة ذات وزن إستراتيجي أكبر بكثير، إذ تجاوز حجم التجارة بين البلدين في عام 2025 ما قيمته 550 مليار دولار، رغم تصاعد الخلافات التجارية والسياسية. كما أن تركيز بكين الأمني ما يزال منصبًا على شرق آسيا، حيث ترتبط المخاطر بمصالح وجودية تتعلق بتايوان وبحر الصين الجنوبي. من هذا المنظور، فضّلت الصين الحفاظ على استقرار العلاقة مع واشنطن، ولو على حساب شريك إستراتيجي مثل فنزويلا، في تكرار لنمط براغماتي لطالما ميّز سلوكها الخارجي.
ما بعد كاراكاس
ومع استشراف المستقبل لما بعد أحداث كراكاس، يتضح أن التجربة الفنزويلية يجب أن تكون درسًا يمنح بكين وعيًا أعمق بضرورة إعادة تقييم حدود تمددها داخل المناطق التي تعتبرها واشنطن مجالات نفوذ حيوية ومغلقة. فالمرحلة المقبلة يُتوقّع أن تشهد تحوّلًا في مقاربة بكين تجاه أميركا اللاتينية، من التوسع الطموح إلى الوجود الحذر.
وعليه، من المرجح أن تعمل على تقليص تركز استثماراتها في الدول عالية المخاطر السياسية، وتنويع أدوات الحماية غير العسكرية عبر الشراكات المتعددة الأطراف، مع تجنّب تحويل الوجود الاقتصادي إلى نفوذ سياسي صريح في مناطق تُعد وفق مبدأ “دونرو” مناطق نفوذ مغلقة. هذا التحول، وإن كان بعض الباحثين يحسبه في إطار الانسحاب الصيني، لكن على مستوى التقدير التكيتكي، يشير إلى عملية إعادة تكييف إستراتيجية مع واقع النظام الدولي القائم.
بناء على ما ورد، تقدّم الحالة الفنزويلية درسًا مزدوجًا للصين، وهذا ما يعيه جيدًا رئيسها شي جين بينغ، بأن الاقتصاد يمنح النفوذ، لكنّه لا يكفل الحماية في نظام دولي ما زال تحكمه اختلالات القوّة. فالتطورات الحالية تدلّ على أن العالم لم يدخل بعد مرحلة “السلام التجاري” التي افترضها المنظّرون في بكين واعتمدوا سياسية الصعود السلمي على أساسها، إذ تظل القوّة الصلبة محدّدًا مركزيًا حين تُمسّ مناطق النفوذ التقليدية. وقد أعاد مبدأ “دونرو”، بصيغته العملية، تثبيت سقفٍ واضح وغير معلن للتمدد الصيني في نصف الكرة الغربي. وبذلك تجد الصين نفسها أمام لحظة مراجعة عميقة، لا انسحاب، تحاول فيها المواءمة بين طموحها العالمي وحقائق نظام دولي لم يتخلّ بعد عن منطقه “الإمبراطوري”.



