مقالات

غرينلاند والنظام العالمي القادم: من هامش الجغرافيا إلى قلب الصراع

بقلم : د.حمدي محمود – مدير المركز الديمقراطي العربي – القاهرة – مصر

 

ليست غرينلاند، في جوهر المسألة، جزيرةً نائيةً على هامش الجغرافيا السياسية، ولا تصريحات دونالد ترامب المتكررة بشأن “شرائها” مجرد استعراض لغوي لرجل ينتمي إلى ثقافة الصفقات العقارية. ما تكشفه هذه العودة المتعمدة إلى طرح الفكرة هو تحوّل عميق في منطق القوة العالمي، حيث يعاد اكتشاف الأطراف الجغرافية بوصفها مراكز نفوذ محتملة، ويعاد إدراج القطب الشمالي في قلب الصراع على مستقبل النظام الدولي. فالجليد الذي كان لعقود ستارًا للعزلة، بات اليوم كاشفًا لتحولات بنيوية تمس الأمن، والاقتصاد، والسيادة، ومعنى القوة ذاته.

ينظر العقل الاستراتيجي الأمريكي إلى غرينلاند باعتبارها أكثر من مساحة جليدية شاسعة؛ إنها عقدة أمنية تربط بين الدفاع الصاروخي، والمجال الجوي، والمراقبة الفضائية في شمال الأطلسي. فموقعها يجعلها أقرب نقطة تماس بين أمريكا وأوراسيا، ويمنح من يهيمن عليها قدرة استثنائية على ضبط توازن الردع في عالم تتآكل فيه فعالية المنظومات التقليدية، وتتصاعد فيه التهديدات غير المتماثلة، من الصواريخ فرط الصوتية إلى الحرب السيبرانية. من هذا المنظور، لا يبدو الإصرار الأمريكي نزوة سياسية، بل تعبيرًا عن قلق استراتيجي عميق إزاء مستقبل التفوق العسكري في بيئة دولية شديدة السيولة.

غير أن البعد العسكري ليس سوى وجه واحد من المشهد. فذوبان الجليد القطبي يعيد رسم خريطة الزمن الاقتصادي العالمي، ويفتح ممرات بحرية جديدة تختصر المسافات وتعيد توزيع نقاط الاختناق الاستراتيجية. إن التحكم في هذه الممرات لا يعني فقط تسهيل التجارة، بل امتلاك القدرة على التأثير في إيقاع الاقتصاد الدولي ذاته. وفي عالم يشهد تفكك العولمة الكلاسيكية وصعود منطق الأمن الاقتصادي، تتحول غرينلاند إلى عنصر حاسم في معادلة السيطرة على سلاسل التوريد المستقبلية، لا سيما في ظل التنافس المحتدم بين القوى الكبرى على إعادة تموضعها في الاقتصاد العالمي.

وتزداد أهمية الجزيرة حين تُقرأ ضمن سباق السيادة التكنولوجية. فالمعادن النادرة الكامنة في باطنها تشكل العمود الفقري لصناعات الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتقدمة، والتسليح عالي الدقة، وهي المجالات التي ستحدد شكل الهيمنة في العقود القادمة. هنا، تتجاوز غرينلاند كونها موردًا طبيعيًا لتغدو ورقة استراتيجية في صراع عالمي يسعى فيه كل طرف إلى تقليص اعتماده على خصومه، وتأمين مصادر مستقلة للقوة التكنولوجية. وفي هذا السياق، يبدو القلق الأمريكي من أي حضور صيني أو روسي في الجزيرة انعكاسًا مباشرًا لمعركة أوسع على من يملك مفاتيح المستقبل الصناعي والعسكري.

في المقابل، لا يمكن فهم الرفض الدنماركي والأوروبي بمعزل عن إدراك متزايد بأن القبول بمنطق الصفقات الجغرافية يفتح الباب أمام تآكل خطير لمفهوم السيادة. فأوروبا، التي تجد نفسها عالقة بين مظلة أمنية أمريكية لا غنى عنها وطموح استراتيجي محدود الاستقلال، تدرك أن التساهل في ملف غرينلاند يعني عمليًا إقرار سابقة قد تعيد العالم إلى منطق النفوذ الإمبراطوري بصيغ جديدة. كما أن المسألة تمس تماسك حلف “الناتو” نفسه، إذ يطرح السلوك الأمريكي تساؤلات محرجة حول معنى التحالف حين تتقاطع المصالح الجوهرية بين أعضائه.

أما غرينلاند ذاتها، فهي ليست مجرد موضوع في حسابات القوى الكبرى، بل كيان سياسي واجتماعي يسعى إلى توسيع هامش تقرير مصيره في عالم لا يترك للهوامش ترف الحياد. إن النزعات الاستقلالية داخل الجزيرة، مهما بدت محدودة، قد تتحول في المستقبل إلى ورقة تفاوضية خطرة، تُستثمر في لعبة توازنات دقيقة بين واشنطن وبروكسل وموسكو وبكين. وفي هذا المشهد، يبرز خطر تحول غرينلاند إلى نموذج جديد لـ“الحياد المستحيل”، حيث يصبح الموقع الجغرافي لعنة استراتيجية بقدر ما هو مصدر قوة.

في المحصلة، لا تكشف قضية غرينلاند عن خلاف عابر حول جزيرة، بل عن تصدع عميق في تصور العالم لذاته. فما يطرحه ترامب بصيغة صفقة، هو في الواقع تعبير فجّ عن منطق دولي يتشكل من جديد، تُستبدل فيه الحدود الثابتة بأشكال مرنة من السيطرة، وتُعاد فيه صياغة السيادة تحت ضغط الأمن والتكنولوجيا والمناخ. إن القطب الشمالي، وغرينلاند في قلبه، ليس ساحة جانبية في هذا التحول، بل أحد ميادينه المركزية، حيث يُكتب جزء معتبر من تاريخ الصراع في القرن الحادي والعشرين فوق جليدٍ آخذٍ في الذوبان، لكنه يكشف أكثر مما يخفي.

5/5 - (1 صوت واحد)

المركز الديمقراطي العربي

مؤسسة بحثية مستقلة تعمل فى إطار البحث العلمي الأكاديمي، وتعنى بنشر البحوث والدراسات في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم التطبيقية، وذلك من خلال منافذ رصينة كالمجلات المحكمة والمؤتمرات العلمية ومشاريع الكتب الجماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى