البرامج والمنظومات الديمقراطيةالدراسات البحثيةالنظم السياسي

الثقافة السياسية لاعضاء البرلمان العراقي

أعداد : حسن سعد عبد الحميد التحافي – باحث دكتوراة

 المركز الديمقراطى العربي

 

المقدمة:
البرلمان كلمة جذابة تعني بلوغ أرفع المناصب في المجتمع الديمقراطي المعاصر ، استناداً إلى طبيعة المهام والمسؤوليات المستندة اليه ، فهنالك توازن بين الامتيازات وحجم المسؤوليات وهذا الأمر نجده في الكثير من البرلمانات العالمية . فالثقافة السياسية تمثل حجر الاساس في اي عملية بناء جديد لأي نظام ، وكل نظام سياسي يحتاج إلى حاضنة ثقافية معينة لتضمن استقراره ونجاحه ، فالاستقرار السياسي يتكىء إلى حد كبير على الثقافة السياسية ونوعية ذلك الاستقرار يتوقف على نوعية الثقافة السائدة فيه .
وبقدر تعلق الأمر في العراق نجد أن الواقع الثقافي السياسي العراقي قائم على مبدأ الثنائيات ، المزاوجة أو الانفرادية ما بين الثقافة التقليدية الخاضعة والثقافة الموجهة ، واصبحت هذه الثقافات الاكثر تداولاً في الوسط الثقافي السياسي العراقي في ظل غياب شبه واضح للثقافة السياسية المساهمة .
ومع دخول العراق لمرحلة تغيير جديدة بعد \9\4\2003م وشيوع ملامح النظام البرلماني فيه ، تزايد اهمية الدور البرلماني في الحياة السياسية في العراق ، واتساع أفاق النقاش حول الديمقراطية وعلى مختلف مستوياتها ، وهنا تبرز اهمية تحديد مستوى الثقافة السياسية لاعضاء البرلمان العراقي ومقدار الوعي البرلماني العام الذي يملكه لمواجهة التحديات الراهنة .

اهمية البحث
أن دراسة الثقافة لأعضاء البرلمان تتيح لنا معرفة درجة التفاعل والانسجام بين النظام السياسي والإطار الاجتماعي ، لأن الثقافة السياسية لها تأثير كبير على العمليات السياسية المختلفة ، فتفاعل المواطنين مع النسق السياسي سلباً أو ايجاباً يتوقف على نوعية الثقافة السياسية السائدة في المجتمع وطبيعة الثقافة السياسية السائدة في البرلمان والتي تؤثر في أداء النظام السياسي من حيث الرضا وعدم الرضا المجتمعي .
هدف البحث
يهدف البحث بالدرجة الاساس إلى التعريف بالثقافة السياسية وخصائص الثقافة السياسية العراقية وانواع الثقافة السياسية وما هي الآليات والمقترحات التي من شأنها بلورة ثقافة سياسية مساهمة في العراق.
مشكلة البحث
أن الكثير من البرلمانيين العراقيين يتحركون في العمل وفق الثقافة التقليدية القبلية والعشائرية ومحاولة تطويعها مع الثقافة الديمقراطية البرلمانية ( على غرار التجربة اليابانية ) ، إلا ان هذا التداخل يظل قلقاً وغير مستقر ومتأرجحاً بين الشعور القبلي وبين الوعي البرلماني والمشكلة تكمن في علوية التقليد العشائري على حداثة الثقافة المساهمة في حيز واقعهم العملي .
فرضية البحث
من خلال متابعة واقع الثقافة السياسية لأعضاء البرلمان العراقي بالمجمل تتضح لنا الخلفيات الثقافية التقليدية ( القبلية والعشائرية ) في شخصية البرلمانيين العراقيين وما ينجم عن ذلك من أزدواجية أو تناقض أو صراع في الأدوار بين الثقافة الديمقراطية البرلمانية والثقافة التقليدية .
منهج البحث
يعد المنهج مسألة اساس في البحث العلمي وفي جميع العلوم والمعارف ، فالمنهج هو الطريق الذي يسلكه الباحث أو المفكر من أجل الوصول إلى الهدف الذي يرسمه ، فكلمة منهج تعني الطريق المؤدي للوصول إلى الحقيقة ، وتأتي بمعنى البحث أو المعرفة ، وأن سبب اللجوء إلى اعتماد منهج معين في البحث عائد إلى الانسان في تفكيره قد ينظم أفكاره ويرتبها لتصل إلى المطلوب على أيسر وجه واكمله ، ولذلك تحدد منهج البحث بالمنهج الوصفي التحليلي وما ينتج عنه من مداخيل أو مدخلات .
أولاً : الثقافة السياسية :
للكلمات تاريخ وهي تصنع التاريخ إلى حد ما ، وأن صح هذا القول على الكلمات والمفاهيم كلها فيمكن التحقق منه فيما يتعلق بلفظة ( ثقافة ) على وجه الخصوص ، فوزن الكلمات ثقيل بعلاقته بالتاريخ فالتاريخ هو الذي صنعها والتاريخ الذي يسهم في علاقته .
أن الانسان بالاساس كائن ثقافي وعملية التحول الطويلة إلى انسان التي بدأت منذُ ملايين السنين أنطوت في جوهرها على الانتقال من التكييف الوراثي مع البيئة الطبيعية إلى التكييف الثقافي ، فالثقافة لاتييح للانسان التكيف مع بيئته فحسب ، بل تتيح له امكانية تكييف هذه البيئة لحاجاته ومشروعاته ، بمعنى أخر أن الثقافة تجعل تغيير الطبيعة أمراً ممكناً ، فطبيعة الانسان يمكن تفسيرها من خلال الثقافة(1) .
عرف مفهوم الثقافة منذ القدم انتشاراً واسعاً من الناحية اللغوية في مختلف العلوم الانسانية ، إذ استخدم باكثر من معنى وإدرج في كل معنى أكثر من المضمون ، كما أعطي ابعاداً متفاوتة مع مفاهيم أخرى ، فعلى الصعيد اللغوي نجد أن أول من استخدم مفردة ( ثقافة ) هم الالمان فقالوا (kultur)والذين اخذوا اللفظ من اللاتينية وتعني إصلاح الشيء وتهذيبة ومن هنا قالوا (agri-culture) أي اصلاح الارض وزراعتها ، واستعملت هذه المفردة في الأدب المسيحي بمعنى تهذيب الروح ، وكان ( جان لوك ) قد استعملها بمعنى تهذيب العقل والانسان(2) .
ولابدَ من القول أن مفهوم الثقافة ارتبط الى حد كبير بالظرف السياسي والاجتماعي الذي ادى لظهوره ، فظهور المفهوم ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالمشروع الاستعماري الاوربي وبروز اوربا كقوة عسكرية وسياسية ذات مطامع توسعية ورغبة في السيطرة على العالم .
وبطبيعة الحال وعت اغلب بلدان العالم اهمية الثقافة في حياة المجتمعات الانسانية عموماً فأتفقت سنة (1982م ) في المؤتمر العالمي للسياسات الثقافية في ( مكسيكو ) على تعريف شامل للثقافة عدها (( جماع
1) دوني كوش ، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية ( دراسة ) ، ت\قاسم المقداد ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2002م ، ص 8 ، بلا .
2) حسين مؤنس ، الحضارة دراسة في أصول وعوامل قيامها ، ط2 ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت 1998م ، ص 37 .

الفنون والآداب وطرائق الحياة ، كما تشمل الحقوق الانسانية ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات ، فالثقافة أولاً
وأخيراً هي التي تكسب الحياة الانسانية معناها من خلال ما تحملهُ من قيم تحدد كيان الانسان وتكيف سلوكه وتفكيره ومبادرته وابداعاته وتفاعله مع غيره من بني الانسانية (3) .
وكي لا نذهب بعيداً في تفاصيل مفردة الثقافة وتأخذنا بعيداً عن أطار البحث فأن الذي يهمنا من الثقافة هو أطارها السياسي أي ( الثقافة السياسية ) . فالثقافة السياسية هي (( مجموعة التوجهات إزاء عملية الحكم مثل التوجهات نحو ما ستفعله الحكومة وما يجب ان تفعله ، فهي مجموعة الاتجاهات والمعتقدات والقيم التي تعطي معنى للنظام السياسي (4) . ويعرفها ( لوسيان باي ) بأنها (( مجموعة القيم والمعتقدات السياسية السائدة في اي مجتمع والتي تتميز عن غيره من المجتمعات وتخلق نوعاً من الملائمة الاجتماعية لسلوك الافراد وتعطي للعمليات السياسية شكلاً ومضموناً بالطريقة نفسها التي تعطي الثقافة العامة ملائمة للحياة الاجتماعية ))(5) .
أن الثقافة السياسية تنطوي على المثل العليا والتي بدورها تؤثر على السلوك السياسي والتي تؤطر في توجهاتها تصرفات الافراد داخل النظام السياسي ، حيث تنطوي الثقافة السياسية على الافكار التالية :-(6)
1) الأحساس بالهوية الوطنية وهو جوهر الأمة .
2) المخرجات الحكومية وتتضمن معتقدات الافراد وفيما يخص قرارات النظام السياسي والتي تختلف بأختلاف الثقافة السياسية ، فعندما تسود الثقافة الوطنية الشاملة يدرك الفرد إمكانية التعبير عن مطالبه وأن الحكومة يمكن أن تستجيب له .
3) نقلاً عن ، المنجي الزيدي ، الثقافة والمال دراسة في مستقبل التنمية الثقافية في الوطن العربي ، مجلة المستقبل العربي ، عدد\293\ ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2003م ، ص 59 ، ص 60 .
4) مها عبد اللطيف الحديثي ، معوقات بناء ثقافة سياسية مشاركة في العالم الثالث ، مجلة دراسات استراتيجية ، عدد\4\ ، مركز الدراسات الدولية ، جامعة بغداد ، 1998م ، ص 184 .
5) نقلاً عن ، نادية حسن سالم ، التنشئة السياسية للطفل العربي ، مجلة المستقبل العربي ، عدد\51\ ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1983م ، ص 55 .
6) للمزيد ينظر ، علي الدين هلال ، نيفين مسعد ، النظم السياسية العربية قضايا الاستمرار والتغيير ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2000م ، ص 47 .

3) عملية صنع القرار ، وهي المعتقدات المرتبطة بسلك الحكومة ، فالثقافة السياسية تشكل مجموعة الرؤى
التي تتعلق بنظرة الفرد الى السلطة وهي تعد إلى حد كبير مسؤولة عن شرعية النظام القائم ، وهي تحدد
الادوار والانشطة المتوقعة من السلطة ، كما انها تحدد طبيعة الواجبات التي على المواطن القيام بها .
ويرى ( غابريل الموند ) أن الثقافة السياسية نتيجة منطقية لوجود بيئة سياسية يحدث فيها تفاعلات سياسية ، فالثقافة السياسية عنده (( نسق القيم والاتجاهات والمعتقدات السياسية ، اي انها مجموعة من المواقف والمعتقدات والمشاعر التي تدور حول السياسة الجارية في دولة ما وفي مدة زمنية معينة ))(7) . أما ( روبرت دال ) فعرف الثقافة السياسية على أنها (( العامل الذي يفسر حالة التعارض السياسي وعناصرها هي التوجهات الخاصة بحل المشكلات وهذه التوجهات قد تنحو نحو النزعة البراغماتية النفعية أو العقلانية ، وتوجه نحو السلوك الجمعي ويقصد بها هل هي ثقافة تشمل التعاون والاندماج بين افراد المجتمع أم هي تناحرية انشقاقية ؟ ، وتوجهات نحو النسق السياسي هل هي تكرس الولاء أن تقف عند موقف اللامبالاة ؟ ، وتوجهات عند الاشخاص الاخرين هل تغلب عليها الثقة أم تخلو منها ؟(8) .
وبقدر تعلق الامر بالعراق نجد أن الثقافة السياسية العراقية قائمة على اساس التنوع المتنافر المتنابذ لا التنوع الهرموني المنسجم وهي ثقافة حسم لا ثقافة تسوية ، فثقافة الحسم تقوم على تصفية لاجساد ، بينما ثقافة التسوية تقوم على تصفية الاحقاد (9) .
وأذا كانت التنشئة السياسية هي اساس الثقافة السياسية ، لأن التنشئة السياسية الصحيحة هي قوام الثقافة السياسية فهي تخلق لدى الافراد الاحساس بالمسؤولية الاجتماعية تجاه مجتمعهم وقضاياه وبالتالي تدفعه للتفاعل مع النظام السياسي في سبيل خدمة المجتمع ، لكننا نجد أن الثقافة العراقية ثقافة تقليدية موجهة ، فالنشاط السياسي للمواطنين العراقيين كالترشح للانتخابات أو المشاركة فيها والانخراط في الاحزاب لم يكن بناءاً على تصوراتهم كمشاركين في العملية السياسية ، بل بناءاً على توجهات اقتصادية أحياناً ووظيفية أو طائفية أحياناً أخرى . أن الثقافة السياسية العراقية ثقافة غير متجانسة ذات أبعاد قومية وطائفية في ظل
7)نقلاً عن ، عبد العظيم جبر حافظ ، التحول الديمقراطي في العراق الواقع والمستقبل ، تقديم \ فالح عبد الجبار ، مؤسسة مصر المرتضى ، بيروت ، لبنان ، 2011م ، ص 237 وما بعدها .
8) نقلاً عن ، أبراهيم ابراش ، علم الاجتماع السياسي ، ط1 ، دار الشروق ، عمان ، 1998م ، ص 209 .
9) عامر حسن فياض ، افكار تأسيسية في ثقافة اللاعنف وبناء الدولة المدنية العراقية الحديثة ، كلية العلوم السياسية – جامعة بغداد،ص7،بلا.
أنتشار القبليات والعشائر في العراق ، فضلاً عن كونها ثقافة ماضوية تبريرية تغيب عنها ثقافة الاعتذار او الاسف وتغلب عليها صفة الشخصنة أي شخصنة السلطة ثم الدولة ككل .
أن هذا النوع من الثقافة سبق وان تحدث عنها ( ماكس فيبر ) الذي قسم الثقافة السياسية إلى ثلاثة انواع :-
1) ثقافة الخضوع ، وهي نمط من الثقافات السياسية التي تنتشر في المجتمعات الحديثة ذات الأنظمة الشمولية أي أنها تتعلق ببنية سياسية سلطوية ممركزة ، ففي هذه المجتمعات ينفرد النظام السياسي بصنع القرارات السياسية دون مشاركة الافراد ، فالافراد يتقبلون ما يصدر من النظام من مخرجات ، فهم تابعين ليست لهم القدرةعلى المشاركة ولا يسمح لهم النظام بوجود معارضة أو رقابة على أدائه ، والافراد هنا يجهلون حقوقهم ويعتقدون أن دورهم ينحصر في الاذعان والانصياع لمخرجات النظام ، وبهذا الشكل يكون افراد المجتمعات يتأثرون بالعملية السياسية (10) ، وهذه الثقافة منخفضة الوعي والبيئة السياسية المرتبطة بها تكون بيئة سلطوية مركزة .
2) الثقافة التقليدية الموجهة ، وهي ثقافة مرتبطة ببيئة تقليدية تستوعب الثقافات المحلية القائمة على علاقات القربى والعرف والدين ، وهي ثقافة ما قبل الثقافة السياسية الخاصة بالدول ، وينتشر هذا النوع من الثقافة في دول عالم الجنوب ( العراق أنموذجاً ) التي تؤدي فيه العلاقات العشائرية والقرابية والطائفية دوراً في تحديد الولاءات والانتماءات السياسية .
هذا النوع من الثقافة تكون ثقافة الافراد فيه مشوشة وغير مستقرة أن لم تكن معدومة ، فإدارة العملية السياسية برمتها ترتبط برئيس الدولة أو الفئة التي تمارس السلطة(11) ، وهذا النوع من الثقافة يشكل عقبة في طريق التحولات السياسية لأنها ثقافة سلبية .
3) الثقافة السياسية المساهمة أو المشاركة ، وهي النمط السائد في المجتمعات المتقدمة ذات الانظمة السياسية الديمقراطية ، حيث يكون لدى افراد هذه المجتمعات إتجاهات إدراكية ومعرفية وعاطفية وقيمية إزاء النظام السياسي بشكل عام ، دالة على وجود مستوى عال من الوعي بالشؤون السياسية والدور الايجابي الفعال والمؤثر الذي يمارسه في الانتخابات أو الاجتماعات أو الاحتجاجات أو المظاهرات للتعبير عن قضية
10) هشام حكمت عبد الستار ، الديمقراطية واشكالية الثقافة السياسية في الوطن العربي ، إطروحة دكتوراة ، كلية العلوم السياسية – جامعة بغداد ، 2002م ، ص 30 ، ص 31 .
11) موريس دوفرجيه ، سوسيولوجيا السياسة ، ت\ هشام ذياب ، دمشق ، 1980م ، ص 39 ، بلا .
اجتماعية وسياسية تهمهم ، فضلاً عن ممارستهم للأنشطة السياسية من خلال أنتماء الافراد إلى الاحزاب السياسية أو جماعات الضغط والمصالح ، وبمعنى مختصر أن هذه الثقافة تتعلق بالبنية الديمقراطية(12) . أن هذا النوع من الثقافة هو ما يحتاج اليه العراق كونها ثقافة قائمة على اساس المواطنة والايمان بجدوى المشاركة والتسامح السياسي والفكري وتوفر روح المبادرة واللاشخصانية والثقة السياسية . أن الثقافة السياسية المساهمة لها أشد الأثر على النظام السياسي وعلى الاستقرار السياسي ، فهذه الثقافة هي في جوهرها ( ثقافة مدنية ) وهي ثقافة مثالية يكون فيها المواطنين فاعلين في السياسة للتعبير عن خياراتهم المفضلة لحكامهم ، فهذه الثقافة ثقافة تعاون وثقة تنتج مستوى عال من التعاون والمساواة ما ينعكس ايجاباً على أستقرار عمل المؤسسات من خلال قدرتها على تحويل ثقافة المجتمع من ثقافة ( الأنا ) إلى ثقافة (نحن) وبالتالي خلق ولاءات سياسية وطنية وعلى حساب الولاءات الفرعية .
هذه الثقافة السياسية يحكمها مجموعة من القواعد الضابطة والتي تدور حول :-
_ مشروعية تعدد الافكار والاراء حيث أن المجتمعات لا تتكون من افراد ومجموعات واحزاب متطابقة ومتجانسة ولكنها تتكون من مجموعة من العلاقات المختلفة في الدين والمذهب والافكار والتعليم والاتجاهات .
_ هذه الثقافة تعني الاقرار بحق الجميع في التعبير عن الرأي وتداول السلطة .
_ التعايش السلمي والأمن والاحترام المتبادل بين أطراف المعادلة السياسية .
وهكذا فأننا نفهم مما سبق أن التحدي الذي يواجه العراق في مجال الثقافة السياسية هو أن الثقافة السياسية ثقافة متغيرة ولا تعرف الثبات والاستقرار ، ومدى تغييرها يتوقف على عدة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وعلى حجم الاهتمام الذي توليه لها الدولة ، ولأستثمار التغيير السياسي الذي شهدهُ العراق ينبغي التركيز على الترويج للثقافة السياسية المساهمة من خلال اللجوء لوسائل مختلف من قنوات التنشئة الاجتماعية والسياسية وخاصة قنوات التربية والتعليم والاعلام كبديل لثقافة الخضوع والموجهة .هذه الانواع الثلاث من الثقافات السياسية لا توجد مستقلة أو منفصلة عن بعضها البعض ، بل قد تكون احياناً متداخلة فيما بينها وقد تبدو احياناً مهيمنة على بقية المستويات الثقافية وهذا ما سنشخصهُ في طبيعة الوعي الثقافي والسياسي لدى اعضاء البرلمان العراقي .

12) هشام حكمت عبد الستار ، مصدر سبق ذكره ، ص 32 .
ثانياً : الثقافة السياسية لعضو البرلمان العراقي
يعد النقد حالة تقويمية وأداة فاعلة لتصحيح المفاهيم والافكار والسلوكيات المطروحة ، وكلما كان النقد دقيقاً وبناءاً بلا تجاوز كلما كان اقرب للحقيقة والانصاف ، فنقدنا للثقافة السياسية لاعضاء البرلمان العراقي ليس الهدف منه المساس بكرامتهم أو التشهير بهم بقدر ما هو تشخيص للظرف الراهن . فالثقافة السياسية للبرلمان العراقي منذُ دورتة الاولى وحتى اللحظة لا يبتعد كثيراً ما بين ثقافة الخضوع والثقافة الموجهة وهم بعيدون كل البعد عن النوع الذي يساعد على بناء العراق وهي الثقافة السياسية المساهمة ، هذا الاستنتاج تدعمهُ العديد من المؤشرات الفكرية والعملية ، أحدى هذه المؤشرات أنهُ لما كان من المتعارف عليه أن الديمقراطية تعني تطبيق القوانين ومحاربة الفساد وتطوير كل فروع الحياة كالاقتصاد والبناء والاستثمار وتشريع القوانين المتعلقة بمستقبل ورفاهية الشعب ، لكننا نجد في العراق أن البرلمان غير قادر على تشريع القوانين التي من شانها أن تخفف من معاناة المواطن العراقي العادي وتصب في مصلحة العراق بشكل عام ، فلم يشرع البرلمان العراقي منذُ دورته الاولى أي قانون مهم ، فهو لم يشرع قانون الانتخابات والاحزاب والنفط والغاز والاستثمار ……….. ، وغيرها من القوانين المحورية في أي نظام سياسي في العالم ، لا بل نجد في الكثير من الاحيان أصبح البرلمان العراقي مصدراً لمعاناة المواطن العراقي من خلال عدم الحضور المستمر لاعضاء البرلمان في الجلسات المهمة التي يتطلب فيها التصويت على القوانين لا بل أن عدم تحقيق النصاب القانوني لعقد الجلسات أصبح أمراً بديهياً لدى المواطن العراقي لتصبح الثقة تكاد تكون معدومة بين المواطن والبرلمان ، وعلى سبيل المثال نجد ان البرلمان العراقي خصص وقتاً كبيراً لتشريع قانون ( حماية حقوق الطيور المهجرة ؟ ) لكنهُ لم يكن بنفس الحماس حينما ناقش قضية المهجرين العراقيين الذين تجاوزوا على أقل تقدير المليونيين .
مؤشر أخر على سلبية الثقافة السياسية للبرلمان العراقي وهوأنهُ لما كان في تصور المتخصصين في مجال العلوم السياسية أن البرلمان يمثل جماهير الأمة إلاَ أنهُ ليس من المعقول أن نجد أن الانتخابات أفرزت كتلاً مبهمة لا يعرف عنها الناخبون شيئاً عنها وعن أعضائها ، وتسربوا إلى البرلمان وهم اعضاء مشكوك في قدراتهم القانونية والعلمية والفكرية ، إذ من المفترض أن يتصدر المؤهل العلمي والفكري والمعرفي بقية المؤهلات التي يتمتع بها البرلمانيين ، وهذا الأمر يذكرني بمقولة أحد اعضاء البرلمان العراقي في معرض حديثه عن أمتيازات النواب رافضاً التنازل عنها قائلاً (( أتريدوني أن أصبح مثل هذا الشعب البائس )) .
هذه السلبية في الفكر والثقافة موجودة لدى الكثير من اعضاء البرلمان العراقي إذ كان من المؤمل أن ينهض البرلمان العراقي وأن يمارس دوره في تعزيز التضامن الاجتماعي والتآزر بين الفئات المجتمعية ، فالشخصية العراقية تميل إلى الاندماج مع كل الفئات والانفتاح عليها ، لكننا نجد أن الشخصية البرلمانية العراقية تسودها سياسة التطيير والتشفي من الآخر ، مما ينعكس سلباً على الواقع المجتمعي العراقي .
ومن أحدى سلبيات الثقافة السياسية لاعضاء البرلمان هو الانتقال المتكرر لاعضائها من حزب لاخر لا بناءاً على توجهات فكرية أو لطبيعة النظام الداخلي للاحزاب ، بل على أساس المصلحة الشخصية وهذا الامر يقودنا لمعضلة اخرى وهي الاكثر تعقيداً على الساحة العراقية الراهنة وهي أشكالية التوفيق ما بين النشاط الخاص السياسي الحزبي لعضو البرلمان والنشاط العام في الوظيفة الحكومية وعدم قدرته بقصد أو دون قصد التفريق بينهما ، وهذا الامر نتاج طبيعي للثقافة التقليدية التي يعيشها اعضاء البرلمان فضلاً عن حالة الانتقال السريع والمفاجىء من معسكر المعارضة السياسية إلى حالة الدخول المباشر في ادارة الدولة والسلطة .
ولو ذهبنا سريعاً إلى طبيعة تشكيل اللجان البرلمانية نجد أن أختيار أعضائها لا يتم على أساس الكفاءة والاختصاص وهذا الامر طبيعي نتيجة لسيطرة الثقافة التقليدية على البرلمان وفرض نفسها من جديد على طبيعة تشكيل اللجان ، ولو اخذنا نموذجاً معيناً لأحدى تلك اللجان البرلمانية كلجنة الثقافة البرلمانية السابقة لوجدنا أنها تتكون من (13) عضو كحد أعلى و ( 7 ) عضو كحد أدنى ، فقط المتخصصين منهم في المجال الثقافي أثنان فقط وهم كل من ( مفيد الجزائري ) وهو صحفي ووزير ثقافة سابق و ( رؤوف عثمان ) وهو مسؤول مؤسسة ( كلاوديش ) للثقافة والنقد الادبي ، اما البقية فأنتخبوا على اساس التوافقات ومدى القرب والبعد من رئيس القائمة أو الكتلة ، وانتخابهم تم عن طريق القائمة المغلقة لا الكفاءة .
أحدى مظاهر سيطرة الثقافة التقليدية هي الرغبة والسيطرة والاستحواذ والتمتع بالمراكز والابهة ، وهذا الامر واضح في رواتب وامتيازات النواب ، فهنالك عدم توازن بين الامتيازات وطبيعة المهام التي يقوم بها النواب ، مقارنة بسيطة تبين لنا هذا الأمر :-
في مصر راتب عضو مجلس الشعب المصري شهرياً ( 1990 دولار ) ويعطى مكافئة نهاية خدمة بدون راتب تقاعدي وكذلك الحال في لبنان والجزائر فهنالك راتب شهري دون تقاعد ، بينما في المغرب يعطى للنائي راتب تقاعدي وقدره ( 900 دولار ) شهرياً ، أما في فرنسا وطبقاً لمديرة الادارة المالية الفرنسية في الجمعية الوطنية ( كاترين بايبلون ) أن راتب النائب الفرنسي وامتيازاته ورواتب مساعديه والقرطاسية والضيافة كلها لا تتجاوز ( 7100 يورو ) وبدون تقاعد بل يعطى مكافئة نهاية خدمة ، أما إذا كان نائباً لثلاث دورات متتالية فأنه يعطى تقاعداً لكن محدود نسبياً ، أما في السويد والدنمارك فلا يملك النائب راتب تقاعدي ، أما عضو برلمان الاتحاد الاوربي فيستحق العضو فيه راتباً شهرياً قدره ( 11230 دولار ) خاضعة للضرائب ولأجراءات رقابية صارمة ، وفي الكونغرس الامريكي فان العضو يحصل على راتب تقاعد بمقدار موظف عمومي عادي (13) .
اما في العراق فراتب النائب (10803000 ) مليون دينار والامتيازات قدرها ( 22500000) مليون دينار كراتب للحمايات عددهم ( 30 ) فضلاً عن فاتورة مدفوعة الثمن كمكالمات داخل العراق ، أي أن كل نائب يكلف ( 33306000 ) مليون دينار شهرياً ، ويمنح ( 90 ) مليون دينار لشراء سيارة ويمنح مبلغاً معيناً للسكن فضلاً عن ايفادات خارج العراق لليوم الواحد ( 500 إلى 600 ) دولار لليوم الواحد ويمنح راتب تقاعدي ( 80 % ) من الراتب الاصلي زائداً أجور العلاج . هذه الرواتب منحت وتمنح منذُ تأسيس المجلس الوطني عام ( 2004م ) مروراً بالجمعية الوطنية ثم الدورة الانتخابية الاولى وحتى الأن ، وهذا ما لايدع مجالاً للشك أنهُ يعد هدراً للمال العام وعدم وجود تمايز ما بين الأداء البرلماني والمبالغ المخصصة لهُ .(14)
ومن ناحية أخرى نجد أنهُ وبعد الاطلاع على نتائج الانتخابات نجد أن القليل جداً من اعضاء البرلمان العراقي استطاعوا الحصول على العتبة الانتخابية المطلوبة للوصول إلى البرلمان في حين نجد أن أكثر من (90%) من اعضاء البرلمان لم ينتخبهم الشعب بالنسبة المطلوبة وهي نسبة كبيرة تبعث بمؤشر سلبي حول نوعية البرلمان العراقي الحالي وحجم العمل المتوقع منه ، وذلك لا يدع مجالاً للشك أن هذا الأمر يعد مؤشراً على ضعف الثقافة السياسية والتي تعتبر أهم معايير قياس مدى نجاح العملية السياسية .
أن ضعف مستوى الثقافة السياسية لاعضاء البرلمان العراقي نجدهُ في أن اغلب المسيطرين على الساحة السياسية لا يتجاوزون تقريباً ( 15 ) شخصية على احسن تقدير أما البقية من اعضاء البرلمان فهم اشبه بمصطبة احتياط لم ولن يدخلوا كفاعلين اساسيين في العملية السياسية ، بل أن وجودهم اشبه بالرغبة بالاستفادة من المنافع المالية والمعنوية ، وهم بعيدون جداً عن المحادثات والمداولات والاجتماعات التفاوضية بأستثناء المقربون من رؤساء الكتل .
خلاصة الامر يمكن تشبيه الثقافة السياسية للبرلمان العراقي بالعدد التجريبي للمجلة وهو عدد ( صفر ) ،
13) للمزيد ينظر ، مصطفى ناجي ، بحث في رواتب ومكافئات اعضاء السلطة التشريعية في عدد من دول العالم ، دراسة مقارنة ، دراسة منشورة ، كانون الثاني – 2010م ، ص 2 – 15 .
14) للمزيد ينظر ، رواتب الرؤساء والنواب في العالم ، بحث منشور على موقع الحوار المتمدن ، www.m.alhewar.org
وعلى اساس نجاحه يمكن لأدارة المجلة بناء سياساتها التحريرية فيما يخص بقية الاعداد ، لكن يبدو أن العدد ( صفر ) يستمر في العمل في البرلمان خلال اكثر من دورة ولم يتم اعادة النظر بألية عمله .

الخاتمة:
أن المشهد الثقافي السياسي الراهن هو مشهد تتنازع فيه الثقافات التقليدية مثلما تتنازع فيه الاحزاب السياسية ، حيث يعمل كل طرف على اقصاء الطرف الآخر ، فالمشهد المأمول هو مشهد الاقرار بالتعددية السياسية على اساس النهوض بالوطن وتحقيق المصلحة الخاصة وهو من ابرز مرتكزات الثقافة السياسية المساهمة ، فضلاً عن تقديم وتشريع مختلف البرامج واختيار الاصلح منها لخدمة الوطن .
أن نجاح الثقافة السياسية المساهمة في العراق يتطلب أن نبدأ أولاً من القاعدة لا من الهرم ، فاعضاء البرلمان هم في نهاية المطاف جزء من البيئة الاجتماعية التي انبثقوا منها ويحملون عقليتها وافكارها ومزاجها الثقافي العام ، فعملية تحويل الثقافة التقليدية العراقية إلى الحالة المساهمة تبدأ من الأسرة والمدرسة ومؤسسات المجتمع المدني وصولاً إلى قمة السلطة ، والسؤال الذي يطرح نفسه كيف نبني ثقافة مساهمة في العراق ؟ ذلك يتحقق من خلال تبني الديمقراطية منهحاً وسلوكاً وطريقة عمل من خلال الاعتراف بحقوق الانسان وحرياته الخاصة والعامة ونشر مبادىء العدل والمساواة بين افراد المجتمع وتوفير فرص عمل متكافئة للجميع وتقديم حلول عقلانية للمشاكل القائمة ، ولكونها القادرة على ارساء قواعد النظام الديمقراطي .
وهذا الامر كي يتحقق يحتاج إلى اجراء تغييرات جوهرية في الثقافة المجتمعية واجراء إصلاحات هيكلية في الأطر السياسية والاقتصادية وهو أمر صعب جداً ويحتاج لوقت طويل ، فضلاً عن ضرورة تغليب الهوية الوطنية على الهوية غير الوطنية أي تغليب الهوية السياسية على الهوية غير السياسية والتفريق بينهما ، فنحن هنا فتحنا القوس لحل مشكلة الثقافة السياسية لاعضاء البرلمان وغلق القوس والعمل بموجب الثقافة السياسية المساهمة متى يتم ؟؟ سؤال مازلنا ننتظر إجابته .

المصادر:
1) دوني كوش ، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية ( دراسة ) ، ت\قاسم المقداد ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2002م ، ، بلا .
2) حسين مؤنس ، الحضارة دراسة في أصول وعوامل قيامها ، ط2 ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت 1998م .
3) المنجي الزيدي ، الثقافة والمال دراسة في مستقبل التنمية الثقافية في الوطن العربي ، مجلة المستقبل العربي ، عدد\293\ ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2003م .
4) مها عبد اللطيف الحديثي ، معوقات بناء ثقافة سياسية مشاركة في العالم الثالث ، مجلة دراسات استراتيجية ، عدد\4\ ، مركز الدراسات الدولية ، جامعة بغداد ، 1998م .
5) نادية حسن سالم ، التنشئة السياسية للطفل العربي ، مجلة المستقبل العربي ، عدد\51\ ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1983م .
6) علي الدين هلال ، نيفين مسعد ، النظم السياسية العربية قضايا الاستمرار والتغيير ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2000م .
7) عبد العظيم جبر حافظ ، التحول الديمقراطي في العراق الواقع والمستقبل ، تقديم \ فالح عبد الجبار ، مؤسسة مصر المرتضى ، بيروت ، لبنان ، 2011م .
8) أبراهيم ابراش ، علم الاجتماع السياسي ، ط1 ، دار الشروق ، عمان ، 1998م .
9) عامر حسن فياض ، افكار تأسيسية في ثقافة اللاعنف وبناء الدولة المدنية العراقية الحديثة ، كلية العلوم السياسية – جامعة بغداد .
10) هشام حكمت عبد الستار ، الديمقراطية واشكالية الثقافة السياسية في الوطن العربي ، إطروحة دكتوراة ، كلية العلوم السياسية – جامعة بغداد ، 2002م .
11) موريس دوفرجيه ، سوسيولوجيا السياسة ، ت\ هشام ذياب ، دمشق ، 1980م .
12) مصطفى ناجي ، بحث في رواتب ومكافئات اعضاء السلطة التشريعية في عدد من دول العالم ، دراسة مقارنة ، دراسة منشورة ، كانون الثاني – 2010م .
13) رواتب الرؤساء والنواب في العالم ، بحث منشور على موقع الحوار المتمدن ، www.m.alhewar.org

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق