الاجتماعية والثقافيةالدراسات البحثيةالمتخصصة

تمثل الفرد المغربي لفهوم الدولة ( بحث ميداني )

اعداد : المهدي بسطيلي – باحث بسلك الماستر ماستر سوسيولوجيا التنمية المحلية بجامعة ابن طفيل القنيطرة – مهتم بقضايا السوسيولوجيا السياسية –  المغرب 

  • المركز الديمقراطي العربي 

تقديم

ينطلق التفكير في العلاقة التي تربط الدولة بالمجتمع،من مسألة التخلف أو مأزق العالم الثالث،تؤرخ له العديد من النقاشات الحادة التي تبلورت بشدة من الستينات إلى السبعينات من هذا القرن،وارتبط بمجموعة من المفاهيم من قبيل التقدم،النمو،التطور،كقوانين تخترق كل المجتمعات بدرجات متفاوتة،ليتحول النقاش فيما بعد إلى مقاربة الاستراتيجيات السياسية وما يواكبها من صراع فكري إيديولوجي بكل مجتمع على حدة .

ويستأثر سؤال الدولة في المجتمع المغربي أهمية قصوى من هذا الباب داخل ميدان العلوم الاجتماعية، بسبب التطورات التي تعرفها الحياة السياسية خلال السنوات الأخيرة سواء على المستوى العالمي المتمثل في تصاعد موجات العولمة وقدرتها على اختراق جميع المجتمعات، أو على المستوى المحلي المتمثل في الربيع العربي،وما ترتب عن ذلك من إعادة ترتيب للمواقع السياسية، و الإطاحة بأقدم الأنظمة العسكرية،فيجد الباحث نفسه أمام مجموعة من التساؤلات حول القوانين المتحكمة في اللعبة السياسية،في سياق فهم أحداثها وخلفياتها،وخصوصا فيما يتعلق بالتحولات التي عرفها المغرب  في سياق هذه الأحداث العالمية و المحلية (حركة 20  فبراير) على مستوى البنيات الهيكلية،وإعلان رغبة  القطيعة مع بعض التوازنات التقليدية،وتسليط الضوء على مجموعة من المحطات المصيرية في تاريخ الدولة المغربية وتحديدا الصدمة الكولونيالية،بأبعادها الحضارية و الثقافية و الاقتصادية و العسكرية و الإيديولوجية،ماترتب عنه مجموعة من التغيرات التي تمت بفعل هيمني .

ويتضح في بداية الأمر ضرورة استحضار جزء من تاريخ الدولة المغربية التي يمكن نعتها بالدولة الألفية ،باعتبارها ضاربة في القدم ولا تقل كثافة تاريخية عن الدول العريقة (الدولة الصينية ،الهندية الإيرانية المصرية…)لكن العطب التاريخي يسجله غياب تاريخ مكتوب للدولة المغربية يحدد مسار تطوراتها السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية،بحيث تظل مبتورة التاريخ و الهوية  .

إن التاريخ الذي نتحدث عنه الآن لا يمكن نعته بكونه مجموعة من الأحداث التي انتهت في الماضي،إنه تعريف تقليدي واضح البطلان،فقراءتنا للتاريخ هي مسائلة لما تبقى محفوظا من الماضي إذ يحدثنا عن واقع سالف لكنه في نفس الوقت حاضر في ذهن من يروي تلك الوقائع،ويعبر عن رموز المجتمع،لأنه كواقع اجتماعي يعبر عن حقيقة تاريخية يترجمها الأفراد لتصورات وتمثلات اجتماعية يمكن أن تظهر بدورها على شكل سلوكيات معاشة ،فتصور الفرد اتجاه الدولة سينعكس بشكل مباشر إلى سلوك على مستوى الواقع .إن التاريخ اذن هو تحويل لتلك الوقائع و التصورات و الرموز إلى دراسة تأويلية محط الفهم و التحليل ،مما يستدعي تبني منهجية علمية تجابهها مجموعة من الأدوات المنهجية في أول خطوة نطرح فيها مسألة الدولة بالمجتمع المغربي ،وذلك بمحاولة جرد أهم ما أنجز حول الموضوع .

ويبدو أننا سنجد أنفسنا أمام مجموعة من المفاهيم التي تعبر عن رموز وتاريخ وواقع المجتمع المغربي،و على هذا الأساس نضع مجموعة من التساؤلات التي شكلت لبنة مؤسسة لهده المحاولة البحثية :

  • ماهي الدلالة الاجتماعية و السياسية لمفهوم الدولة ؟
  • ماهي ظروف إنتاج مؤسسة الدولة بالمغرب؟هل استطاع البناء الاجتماعي المغربي أن يقدم دلالة عقلانية وموضوعية لمؤسسة الدولة ؟
  • هل استطاعت الثقافة المغربية استدماج التحديث السياسي الإداري اتجاه مؤسسة الدولة ؟

الشق النظري التأسيسي:

إن الدولة جهاز إداري ضخم، يستهدف إدارة مصالح المجتمع، بجميع أفراده، في الداخل والخارج، وحمايتها ورعايتها وتنميتها وتطويرهاو تكتسب الدولة اسم  “وطن”، بقدر ما تحققه من مصالح الفرد والمجتمع، الموكلة بإدارة مصالحهم. وهنالك بديهيات تنطلق منها عملية إدارة الدولة لمواطنيها، وهي تأمين العدالة والمساواة بين مواطنيها، لتحقق التجانس المطلوب بينهم. وإعلاء قيمة الدولة الوطنية، لتشمل رعايتها، حتى من يعيشون داخل كنفها، ممن لا يحملون جنسيتها كالمهاجرين والأقليات. كما أن تعميق الثقافة الفردية المؤدي لتقبل واحترام التعددية داخل الوطن وحمايتها؛ من بديهيات مهام الدولة تجاه رعاياها. كما أن للدولة مؤسسات تعنى بتعزيز قيمة الدولة في المجتمع، وبالتجديد المستمر للنسيج الثقافي والاجتماعي للوطن من خلال تغييرات مؤسساتية تحفظ التكافؤ والتكافل الدولي لنجاح الدولة الوطنية واستقلالها. ومن بديهيات دور الدولة السعي الجاد لتوفير الاكتفاء الذاتي والاقتصادي،وضمان المشاركة السياسية لمختلف فئاتها. يلفت انتباهنا في بداية الأمر ما يؤكده عبد الله العروي في مؤلفه مفهوم الدولة ،أن كل تفكير في السلطة هو تفكير بشكل من الأشكال في الدولة ،كما أن التساؤل عن الدولة هو تساؤل في أبعاد ثلاث :الهدف أو الغاية من الدولة ،ثم وظيفة جهاز الدولة ،وقياس مراحل نموها وتطورها في علاقتها بالمجتمع .

كما أن التفكير في الدولة كظاهرة اجتماعية ،يجب أن يكون تفكيرا رافضا لتصور الفرد خارج الدولة وتصور الدولة خارج المجتمع ،وأن أي فصل بينهم يجب أن يكون على أساس تؤطره غاية الفهم من أجل الإدراك و العرض و التفسير،وعلى هذا الّأساس في محاولتنا للتنقيب على الدلالات التي يحملها مفهوم الدولة بصفة عامة،و الدولة المغربية بصفة خاصة يتضح لنا أهمية استحضار نظرية العقد الاجتماعي على أساس أهم الأفكار التي تؤطرها لتصور الدولة في سياق تلاثية :الدولة’ الفرد’ المجتمع.

  • نظرية العقد الاجتماعي :

تنطلق نظرية العقد الاجتماعي من الفرضية القائلة بأن نشوء المجتمع لم يكن طبيعياً، بل اصطناعياً، حيث كان الناس يعيشون في الحالة الطبيعية (ما قبل الدولة) من دون قوانين تنظم حياتهم، مما أدى لانتشار الفوضى،وانتهاك للحقوق الاجتماعية مما دفع الأفراد للاتفاق على ميثاق ينظم شؤونهم وبموجبه يتخلون عن بعض حقوقهم الطبيعية مقابل نوع من التنمظيم .وقد تبلوت نظرية العقد الاجتماعي مع كل من ‘طوماس هوبس’وجون لوك’وجون جاك روسو’.

  • طوماس هوبس(15881679)

اشتهر طوماس هوبس بشكل أساسي مع كتابه الصادر عام 1651 تحت اسم”ليفاتين” الذي شكل مرجعية أساسية في الفلسفة السياسية بشكل عام،وتوحي العبارة إلى أسطورة يونانية تحكي عن وحش عملاق له قدرة متعالية ،يتألف جسده من أفراد يشكلون تجمع بشري منتظم ،له سيف يمسكه بيده اليمنى ويمثل رمز السلطة و القوة العسكرية ،و بيده اليمنى عصى الأسقف التي تمثل رمز القوة و السلطة الدينية.وعلى هذا الأساس يمكن قراءة تصور هوبس للدولة والهدف من وجودها، و السلطة التي تملكها وتبرر من خلالها الغاية لوجودها

ينطلق هوبس من وصفه للأفراد في حالة الطبيعة ،حيث العنف الدائم ويعيش الأفراد دون حماية ،و الكل مهدد بالزوال ولا مجال للحديث عن العدالة و الظلم و المساواة حيث تسود الوحدة ،’حياة شبه حيوانية تحكمها غريزة البقاء

  • Tout ce qui résulte d’un temps de guerre, où tout hommeest l’ennemi de tout homme, résulte aussi d’un temps où les hommes vivent sans autre sécurité que celle que leur propre force et leur propre capacité d’invention leur donneront Dans un tel état, il n’y a aucune place pour un activité laborieuse, parce que son fruit est incertain; et par conséquent aucune culture de la terre, aucune navigation, aucun usage de marchandises importées par mer, aucune construction convenable, aucun engin pour déplacer ou soulever des choses telles qu’elles requièrent beaucoup de force; aucune connaissance de la surface de la terre aucune mesure du temps; pas d’arts, pas de lettres, pas de société, et, ce qui le pire de tout, la crainte permanente, et le danger de mort violente; et la vie de l’homme est solitaire, indigente, dégoûtante, animale et brève[1]

لكن هؤلاء الأفراد سيفكرون في ضرورة التخلص من هذه الحالة ،بخلق سلطة مشتركة قوية بما يكفي لحمايتهم على شكل عقد اجتماعي ستخلون فيه بإرادتهم ،عن جزء من قوتهم ويفوضونها لسلطة مشتركة بينهم.فينتقل الإنسان ليصبح فردا في سياق سلطة اجتماعية ،لم تفرض عليه لكنها هي التي صنعته وعملت عللا ضمان حقوقه وواجباته داخل المجتمع السياسي فأصبح اللأفراد شعبا يوحدهم كيان سياسي يدعى الجمهورية كشكل من أشكال الدولة ،فشكلت بذلك أول تجمع سياسي تمارس فيه السلطة المنظمة بمختلف مستوياتها .

  • جون لوك

ينطلق تصور جون لوك في بناء نظريته بالعقد الاجتماعي ،من وصف حالة الطبيعة التي ينشأ فيها الناس قبل أن يتأطرو سياسيا ،يتمتعون بمجموعة من الحقوق و الحريات الطبيعية، نشأ عن ذلك مجموعة من الصراعات و ألنزاعات بسبب افتقار هذه الحالة إلى بعض المحددات الضرورية للعيش في إطار مجموعة بشرية، ويلخصها في محددات وهي: غياب قانون محدد ومقبول من طرف العموم كمعيار للحكم ،غياب جهة تسهر على تطبيق القوانين ،ومن أجل تجاوز هذا الوضع و الحفاظ على الحقوق وضمان الحريات في شقها الفردي و الجماعي ، لابد من إبرام ميثاق للانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة جديدة تحظى بقدر من التنظيم الاجتماعي و السياسي . فترتب عن ذلك  الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة يحكمها الميثاق الاجتماعي نتجت بالأساس ،عن التفكير بالسلطة السياسية، المبنية على الشرعية المستمدة من الجماعة لأجل الجماعة، أي من نزوع الجماعة البشرية إلى ضمان الأمن و الاستقرار، و الحفاظ على الحقوق و الواجبات، ومنه فوضعية العقد الاجتماعيّ، إضفاء للصيغة القانونية و السياسية و المؤسساتية،على محددات وتجليات حالة الطبيعة ،إنها مأسسة لحالة الطبيعة .

في مستوى ثاني للحديث عن المجتمع المدني، تصبح السلطة وديعة في يد الحكام ،تسندها لهم الجماعة شرط أن يمارسوها لتحقيق المصلحة  العامة ،فالعقد هو ميثاق ملزم للحكام و المحكومين على حد سواء، كما تنازل الأفراد عن جزء من  حرياتهم وحقوقهم في الفعل مقابل ضمانها وحمياتها ،أصبح ضروريا في المقابل التزام الحاكم بالسهر على تحقيق أهداف العقد وعلى رأسها الحق في الحياة و الحرية و الملكية ومنه فإن العقد الاجتماعي كما يتصوره جون لوك يقوم على الضمانة التي يوفرها المجتمع المدني السياسي لهذه الحقوق الطبيعية[2]

  • جون جاك روسو:

يستهل روسو كتابه بقولة  شهيرة “ولد الإنسان حرا إلا أنه مكبل في كل مكان بالأغلال،على ذلك النحو يتصور نفسه سيد الآخرين الذي لايعدو أن يكون أكثر منهم عبودية “. ويقصد بذلك أن تاريخ الإنسان ينقسم إلى مرحلتين مرحلة وجود الدولة ومرحلة سابقة لها ، ففي المرحلة الأولى كان الإنسان في حالته الطبيعية، غير مقيد بقوانين وضعية ولا خاضع لغير أحكام القانون الطبيعي المنبعث في نفس كل إنسان بمقتضى الفطرة، ولكن الإنسان اضطر الى الخروج من هذه الحالة الطبيعية ،واتفق مع بني جنسه على إيجاد نظام اجتماعي يخضع فيه كل فرد الى حكم الجماعة  مقابل قيامها بحمايته وتنازل فيه عن حريته الطبيعية بمقابل تمتعه بالأمن المكفول له وبذلك أبدل القانون الطبعي بقوانين بشرية وأصبح على الأفراد واجبات للمجتمع ،ولهم قبله حقوق وهذا الاتفاق يشبه التعاقد ومضمونه مبادلة واجبات بمزايا.

لكن إذا تأسست هذه الحالة الاجتماعية  على الغزو و القوة، فذلك يعني إنكار الحق الكلي للأفراد،كما لا يمكن لأي سلطة أن تتمتع بصفة الخلود وتكون أبدية ،ويستدل في ذلك ‘روسو’ بقوله:

” فحتى الأسرة وهي أقدم الجماعات البشرية فتكون حاجتنا إليها اتفاقية لأجل محدد، ذلك أن الأبناء يرتبطون بأبيهم للمحافظة عليهم ورعايتهم ،وماأن تزول هذه الحاجة حتى ينحل ذلك الرباط الطبيعي،ويعفى الأبناء من واجب الطاعة نحو آبائهم،كما يعفى الآباء من التزام الحماية و الرعاية ،فإذا بقيت مع ذلك الأسرة قائمة واستمرت فما هو إلا نتيجة اتفاق حر ورغبة مشتركة في الإبقاء عليها”[3]

وعلى ذلك لايمكن تصور وجود الدولة السياسية خارج رغبة الأفراد،وحاجتهم إليها،وتكون ذات مصداقية إذا اجتمعت إرادتهم على مشروعيتها وطريقة استعمالها ،وغايتها وهدفها ،فلن يتكون صالحة مالم تحقق حياة اجتماعية أفضل من حياة العزلة السابقة .وليست حياة الفطرة بنظر روسو هي أسعد حالة للحياة البشرية بل العكس لأن الجماعة وحدها هي التي ترتقي بالإنسان ومعنوياته وترتقي بتفكيره ومشاعره وتحل العدالة و الفضيلة مكان الغرائز و الشهوات وتحكم العقل بالتصرفات .

يختلف معنى التعاقد عند جون جاك روسو عن كل من جون لوك وطوماس هوبس ،إذ يعتبر أن العقد الإجتماعي هو اتفاق للأفراد فيما بينهم من أجل إقامة السلطة،وكل فرد يلتزم بواجباته اتجاه الآخرين ،ويرى روسو أن الأفراد يبرمون هذا العقد على أساس كونهم أفراد طبيعيين كل منهم في عزلة عن الآخر ،ومن حيث أنهم أفراد في جماعة سياسية ،إن روسو ستصور الجماعة السياسية كطرف في العقد الاجتماعي ،كما أن الأفراد غير مطالبون بالتخلي عن حقوقهم في كليتها ،لكنهم تنازلوا عن جزء منها مقابل أخرى مدنية تضمنها الجماعة السياسية فوجود هذه الأخيرة يفرض وجود الحقوق والحريات لأنها ماقامت في الأصل إلا لحمايتها وضمانها .

لقد ركزت نظرية العقد الاجتماعي على أن بناء الدولة يؤسس أصلا على وجود مجموعة من الأفراد ،يوحد بينهم تنظيم اجتماعي معين يستند إللى الشرعية بوجود  التزام متبادل بين الحكام و المحكومين ،برغبة مشتركة في التعايش ضمن شكل اجتماعي سياسي يشعرهم بالانتماء ،ويعمل على إشباع حاجياتهم وضمان حقوقهم وواجباتهم ،فذلك هو الهدف الأساس من وجود الدولة.

  • تصور هيغل للدولة

لقد شكلت لحظة الفكر الهي غيلي لحظة شقاء الوعي الألماني في تأمله لأحوال ألمانيا، مقارنا إياها بكل من فرنسا وانجلترا يحاول إتباث فكرة مفادها، أن ألمانيا ليست بدولة إنما مجموعة إنسانية ، أو بالأحرى كيان غير مكتمل ، وليست دولة عقلانية .يرفض المؤرخون رأي هيجل لكن يبدو أن رفضهم غير منطقي ، حتى يجيبون على سؤال الدولة عند هيجل ، فما الذي يقصده هيغل بمفهوم الدولة؟

إن الدولة عند هيجل ليست شكلا من أشكال النظام أو تنظيم اجتماعي ، كسائر التنظيمات ألاجتماعية وتركيب  مفهوم الدولة كمفهوم منطقي ، يجب أن يكون من خلاصة التاريخ ككل، ومن الإجحاف الاكتفاء بنمط من التجمعات السياسية الموجودة في الواقع ،يقول هيجل في بداية كتابه «دستور المانيا »”لا تستحق مجموعة إنسانية أن تسمى دولة، إلا اذا كانت متجهة لأجل الدفاع الجماعي عن ممتلكاتها ، إنها هي الفكرة الأخلاقية الموضوعية إذ تتحقق، هي الروح الأخلاقية بصفتها جوهرية تتجلى واضحة لذاتها، وتنجز ما تعرف لأنها تعرفه”

يعارض هيجل اتجاه الفلسفة السياسية الحديثة، منذ هوبس ومرورا بلوك، وهيوم، وروسو في تحليل الحياة السياسية، إلى أدق تفاصيلها وأصغر مكوناتها، والرجوع إلى الأفراد باعتبارهم الذرات المكونة لأي نظام سياسي وهو بذلك يقف ضد النـزعات الفردية ويرفض بدء نظريات الحق الطبيعي والعقد الاجتماعي، بالفرد بناء على أن وعي الفرد بذاته ، باعتباره فردا لا يمكن أن يكون معطى أوليا مبدئيا، بل هو نتيجة عملية تمايز واختلاف عن البيئة الأصلية للفرد عملية تتصف بأنها تاريخية واجتماعية. إن بدء الفلسفة السياسية الحديثة بفرد عاقل وناضج بالكامل، دليل على عدم إدراكها لتاريخ الوجود البشري، وعدم انتباهها لعمليات التطور التي مر بها الفرد، حتى يكون فردا حصل على وعي بفرديته. والحقيقة أن هيجل في “فينومينولوجيا  الروح” يعطينا وصفا، لعملية الرقي التدريجي للوعي، من أولى مراحل اليقين الحسي والارتباط بالطبيعة، حتى الوصول لمرحلة العقل الواعي بذاته. ومن هنا يمكن النظر إلى فينومينولوجيا هيجل، على أنها تقدم بديلا لنظرة نظريات الحق الطبيعي والعقد الاجتماعي للفرد.

ولا ينظر هيجل إلى الحق على أنه طبيعيي أي صادر عن طبيعة بشرية ثابتة وأزلية وواحدة لدى جميع الشعوب في كل زمان و مكان، بل على أنه تاريخي ونتيجة صراع تاريخي طويل. فقد صور فلاسفة العقد الاجتماعي حق الملكية على أنه مستمد من الحق في حفظ الحياة والوجود المادي للإنسان، فالملكية من بين عناصر طبيعة إنسانية ثابتة. أما هيجل فيعالج حق الملكية بطريقة مختلفة. فحق الملكية عنده مرتبط بالإنسان كإنسان له إرادة وروح ووعي، بينما عالجه لوك على أنه مرتبط بالطبيعة البيولوجية الحيوانية للإنسان. والذات عند لوك تقف في مواجهة الطبيعة وتأخذ منها ما يشبع احتياجاتها البيولوجية، أما في فلسفة هيجل فإن كلا من الذات والعالم الخارجي يشكلان بعضهما البعض في حركة جدلية. فالذات تحول العالم الطبيعي إلى جزء من عالمها الإنساني عن طريق العمل، والعالم الطبيعي يساعد الذات على أن تخرج عن ذاتها و يتجسد نشاطها في صورة مادية. وعندما يذهب هيجل إلى أن الإنسان يجعل من أشياء العالم الخارجي أجزاء من عالمه الإنساني عن طريق العمل فهو بذلك يرفع مكانة الشخصية الإنسانية فوق الطبيعة البيولوجية.

إن الدولة عند هيجل اذن هي صيرورة لمثال واقعي وليس خيالي، لذلك يرى أن “مهمة الفلسفة معرفة الصيرورة الفعلية للمجتمعات بناء على أسس فلسفية معيارها ومصدرها العقل” لتفسير الواقع وبناء نظرية الدولة الحديثة التي هي حقيقة لفكرة أخلاقية، فالدولة كما يقول هيجل ” هي الحقيقة الواقعية للفكرة الأخلاقية، هي الروح الأخلاقي من حيث هي إرادة جوهرية متجلية، وواضحة لذاتها[4]

  • كارل ماركس

نطرح سؤال نعتبره مدخل لفهم تصور ماركس للدولة.كيف استطاع ماركس توظيف جدل هيغل ضد هيغل؟

لقد أدرك ماركس أن انسلاخ الدولة السياسية عن دولة المجتمع، حدث مستجد في تاريخ التطور البشري، وأن التناقض بين الفرد و المجتمع ، المنتج و الدولة السياسية، واقع تاريخي محدد وليس ضرورة منطقية دائمة، واستطاع بلورة تمسكه بفكرتين وأساسيتين الأولى قائمة على جوهرية الدولة المأخوذة من هيجل والتي ستقوده نحو علم الاجتماع التاريخي ، و الثانية قائمة على شكلية الدولة السياسية، التي ستقوده الى الديموقراطية ، فتجاوزهما معا ونقد الواحدة بالأخرى [5]، وعبر من خلالهما عن الشيوعية حيث تتوحد الدولة السياسية ، (الدولة الحكم ) مع الدولة الاجتماعية (الدولة المجتمع)، وذلك في سياق تطور نظام الملكية ، الشيء الذي لا يمكن تحققه إلا بوعي الطبقة المهيمن عليها، بضرورة خلق ثورة على الوضع  لتكون الملكية هي أصل الدولة ، بمعنييها المنطقي و الزمني من أجل القضاء على صورة الهيمنة المتمظهرة في الدولة،كما أنها لاتستطيع نشدان الاستقلال إلا بقدر ما تتوصل إلى توفير موارد خاصة بها ،لأنها ليست مجرد علاقات بين طبقات اجتماعية ،بل إنها تتجلى متى نجحت فعليا في التطور تبعا لمتغيرات متنوعة ،لأنها مؤسسة فعلية وذلك ما تفسره الفكرة الأساسية التي لا طالما دافع عنها ماركس ،أن بنية المجتمع الاقتصادية هي القاعدة المادية التي تقوم عليها البنية الفوقية (الحقوقية و السياسية )[6]

إن الدولة  اذن ليست سلطة مفروضة على المجتمع من خارجه،كما أنها ليست تجسيدا للفكرة الأخلاقية وصورة وحقيقة العقل كما يدعي ذلك هيغل،بل إنها بكل بساطة نتاج للمجتمع عند درجة معينة من تطوره  ،إنها اعتراف بأن المجتمع تورط في تناقض مع ذاته،وتصدع لتناقضات لايمكن التوفيق بينها ولا طاقة له بالخلاص منها .لكي تنتفي هذه التناقضات أصبح من الضروري قيام سلطة تقف في الظاهر فوق المجتمع،سلطة تتحكم في الصراع وتبقيه قيد السيطرة ،إن هذه السلطة التي تستمد مشروعيتها من المجتمع وتمتد سلطتها فوقه هي الدولة.[7]

إن الدولة فى الفكر الماركسي، لا تلغى وإنما قد تظهر في حالة اضمحلال , فعلى سبيل المثال حينما تندلع الثورة البروليتارية من أجل القضاء على الدولة البرجوازية فهي لا تقضى على الدولة كنظام ولكنها تقضى على نمط البرجوازية في الدولة , وبالتالي وفقا للنظرية الماركسية فإن الدولة لا تلغى وكنها تتعرض للاضمحلال ولاسيما في إطار اضمحلال الحاجة لوجودها إلى أن تصل في النهاية نظام جديد يعدل بين أفراده[8] .

  • ماكس فيبر

يتحدث ماكس فيبر عن الدولة، ويقصد تحديدا الدولة الحديثة كجهاز وجيش نظامي ، بيروقراطي ، اقتصاد موجه، لغة منمطة، ليست وليدة الرأسمالية بل وليدة العقلانية ، لأن الأولى ناتجة الثانية، يحتل فيها  العقل المرتبة الأولى ، في سلم القيم و يتحكم في كل القيم الأخرى، لهذا السبب بالضبط، لم تظهر الرأسمالية في المجتمعات و الدول التقليدية غير الأوروبية، لأن الروح المتحكم فيها كان معاديا للعقل كقيمة عليا، بينما ظهرت في أوروبيا الغربية التقليدية لأنها كانت معقلنة نسبيا، بسبب تأثرها بالفلسفة اليونانية.[9]

ويرى ماكس فيبر ،أن  الدولة سواء كانت تقليدية أو حديثة، ديمقراطية أو استبدادية لا يمكنها أن تستغني عن العنف الذي لجأت له كل التجمعات السياسية، وإن وظيفة الدولة الأساسية، هي ممارسة العنف  المشروع واحتكار استعماله وتنظيمه، بقوانين، وإجراءات. كما أن سلطة الدولة مبنية على علاقة هيمنة وسيادة الإنسان على الإنسان،. فلكي تمارس الدولة وظائفها واختصاصاتها ، فإنها تلجأ بالإضافة على الوسائل القانونية إلى العنف المادي، الذي تحتكره. والأطروحة المركزية لماكس فيبر هي أن الدولة تتأسس على العنف وأن اختفاء العنف هو اختفاء للدولة، وباختفاء هذه الأخيرة تعم الفوضى بين مختلف المكونات الاجتماعية. وبالتالي لا توجد إلا بالعنف ولا تقبل التعريف إلا بالعنف الذي هو وسيلتها الخاصة والعادية لممارسة السلطة. والسؤال الذي تثيره أطروحة ماكس فيبر : هل يوجد عنف مشروع ؟ وهل يمكن تبرير استعمال الدولة للعنف إلى حد جعله حق من الحقوق التي تتمتع بها الدولة ؟ فرغم كل ما يمكن تقديمه من تبريرات للعنف الصادر عن الدولة، سواء كانت هذه التبريرات سياسية أو قانونية أو اجتماعية فإن العنف يبقى دائما بدون شرعية، لأنه يوجد خارج العقل وأن دولة الحق تتعارض مع دولة العنف.

  في كتابه “العالم والسياسي” اعتبر ان الدولة هي المعبر الفعلي عن علاقات الهيمنة ، وذلك وفق نموذج سياسي معين إذ تتنوع أشكال الممارسة السياسية، بتنوع البعد التاريخي للمجتمعات .وفي هذا الصدد يمكن النظر مع فيبر الى تاريخ الدولة بماهي تعبير عن السلطة كمؤسسة حاكمة وقائمة في التاريخ . وأولى هذه السلط ؛ تلك التي يمثلها « الأمس الأزلي” من خلال الاحتكام إلى العادات و التقاليد .وهذا ما يبرر ذلك الاحترام و التقديس، الذي يحف تلك الأعراف السائدة في هذا التجمع القبلي أو الاجتماعي، حيث تبرز هذه السلطة التقليدية في شخص الأب الأكبر او السيد . أما ثاني هذه السلط، فتلك المبنية على المزايا الشخصية لفرد ما لكونه يتمتع بكاريزما  تجيد لفت الانتباه إليه، مادام يتمتع بقدرات خارقة، تجعله ملهما، وبطلا في أعين من يحيطون به إما يكسبه هالة من الوقار ، والاحترام والثقة تجعل منه زعيما لهذا التجمع البشري

لقد تسائل فيبر اذن عن حدود خضوع التنظيمات الإدارية إلى المحدد الاقتصادي،ولم ينفي العلاقة القائمة بين الدولة الحديثة بالقومية من جهة وبالرأسمالية كنظام من جهة ثانية ،وأكد ان الوعي بالنظام وممارسة السلطة داخل هذا النظام كمفتاح للممارسة العقلانية أكثر من كونها عملية إنتاجية كما حددتها الماركسية،[10]فكان ظهور الدولة اذن كبنية سياسية مميزة ومستقلة مرتبط بمتطلبات اقتصادية، ولاسيما تطور اقتصاد السوق الذي من شأنه ضرب استقرار التوازنات الاجتماعية السابقة، ولكن هذا الظهور لم يصبح قابلا التخفيف لولا وجود قواعد ثقافية عقلانية  في أوروبا الغربية ملائمة لهذا التجديد.[11]

  • المحور التاني:تطور ونمو الدولة ‘ المغربية’
  • المفهوم الإجرائي للبحث

إن المفهوم الذي هو أساس لغة التعامل الإنساني، ووسيلة الإنسان للتعبير عن أفكار ، وحالات وأوضاع محدده يكتسي أهمية قصوى في عملية البحث الاجتماعي فعن طريق هذا التحديد يمكن للباحث أن يحصر المعلومات التي عليه جمعها، ويمكن أيضا للقارئ منذ البداية أن يعرف ماذا يقصد الباحث بهذا المفهوم .لذلك نبرر توظيفنا للنظريات السابقة ، لمحاولتها ملامسة مفهوم الدولة أما اللحظة نعتبرها لحظة أساسية ، للإنتقال الى المستوى الميكروي للحديث عن مفهوم الدولة في المغرب، لنكون أكثر ارتباطا بالواقع من خلال الدراسات التي تؤكد أن للمفهوم في المغرب خصوصيات يصعب تجاهلها ، وقد اخترنا أن نقارب مفهوم الدولة في المغرب من خلال المدخل الآتي :

  • ظروف نشأة الدولة بالمغرب

إذا كانت بصمات التاريخ وإنتاجاته، أثبت للعديد من الدول هويتها وتاريخها العميق، مثل الدولة الصينية، الهندية، المصرية ، فإن الدولة المغربية ظلت مبتورة التاريخ و الهوية ، بسبب غياب تاريخ مكتوب، يعكس مسارها وتطوراتها السياسية، و الاجتماعية، و الاقتصادية . لكن  إشكالية ظهور الدولة في المغرب أثارت اهتمام الباحثين المعاصرين بمختلف مشاربهم الفكرية وتخصصاتهم المختلفة. وقد كان القاسم المشترك بين هؤلاء هو اتفاقهم على أن الدولة المغربية دولة عريقة في القدم. فعلى سبيل المثال يرى جرمان عياش أن المغرب له تاريخ كدولة عريقة وموغلة في القدم، في حين يرى دومو أن الدولة المغربية تتمتع بعمق تاريخي وتجذر سياسي. غير أن الاتفاق حول عراقة الدولة المغربية لم يحسم الجدال حول تاريخ نشأتها.[12] ويمكن أن نجسد هذا الجدال من خلال الأطروحات التالية:

  • ظهور الدولة المغربية ارتبط بحكم الأدارسة
  • نشأة الدولة المغربية ارتبطت بالمرابطين
  • هناك نشأة مزدوجة للدولة بالمغرب

الأطروحة الأولى :  ارتبط تأسيس الدولة بالمغرب مع ادريس الثاني الذي عمل على تأسيس المدينة العاصمة، حيث جعل فاس العاصمة السياسية كما أن الجذور الأيديولوجية للدولة المغربية ، ارتكزت على الأسس الإسلامية مما يدفعنا للقول، أن تجربة الأدارسة هيمن فيها الجانب الديني ، حيت يؤكد نور الدين الزاهي[13] أن ادريس الثاني عمل على موجهة التطبيقات غير السنية مستدعيا بذلك مفهوم البدعة ، وعمل على تكريس شرعية الأسرة الحاكمة بالمغرب ، على الأصول الشريفة من نسل النبي. بينما يرى العروي أن “الدولة الإدريسية كانت جد بسيطة؛ إذ كانت تتجسد في جيش يؤخذ من المنطقة ويمول من غنيمة الحروب والجزية المفروضة على غير المسلمين”. وإذا كانت هذه الأقوال قد تعكس بعض الاختلاف في مواقف المؤرخين حول طبيعة حكم الأدارسة، فإنها تتفق مع ذلك على أن الأدارسة هم أول من أسس أول حكم مركزي في المغرب، وتستند هذه الأطروحة إلى الأسس التالية:

أولا: الكتابات الإخبارية المغربية التي كرست دائما المسلمة التاريخية التي تؤكد أن الدولة المغربية تبتدئ مع قيام الأدارسة

ثانيا: ربط ظهور الدولة المغربية بتأسيس مدينة فاس، العاصمة السياسية للبلاد.

ثالثا: ترسيخ الجذور الإيديولوجية للدولة المغربية، والتي تتمثل في الأسس الإسلامية-العربية- السنية، ما يتجسد بشكل خاص في التجربة الإدريسية التي تغلب فيها الجانب الإسلامي والعنصر العربي على العنصر القبلي البربري ومواجهة التطبيقات غير السنية للإسلام

رابعا: تكريس شرعية الأسر الحاكمة بالمغرب التي تستند إلى الأصول الشريفية للأدارسة وتعتبر نفسها امتدادا سياسيا لهم.

الأطروحة الثانية:

يربض مجموعة من الباحثين نشأة الدولة المغربية بقيام المرابطين،وتأسيس ما سمي بالرباط،من بينهم “محمد البزاوي” من خلال أطروحته الجامعية “دور الدعوة في نشأة الدولة المغربية”،وقد شكل من وجهة نظرهم عهد يوسف ابن تاشفين لحظة ميلاد الدولة المغربية ،حيث استطاع المغرب إرساء القواعد و الهياكل الأولى للدولة المغربية في توحيد المجال الأصلي للمغرب تحت سلطة سياسية واحدة ، ومنه يتم ربط نشأة الدولة المغربية بالدعوة الاسلامية ،و توحيد المجال السياسي.[14]

حفلت مدينة فاس في عصر المرابطين ،بعدد كبير من الفقهاء و العلماء ،حيث قامت الدولة المرابطية على  أساس ديني ودعوة إصلاحية اتسمت بمسحة دينية واضحة،جعلت من الفكر الديني جوهر الدولة المرابطية وظهر للقائمين على الشأن الديني مكانة متميزة حيث تحالف الفقهاء مع المرابطين منذ قيام دولتهم . فمند أن دخل يوسف ابن تاشفين مدينة فاس سنة 462ه الموافقة  _1069م،حيث استطاع تحقيق نوع من الاستقرار السياسي و التنظيمي الإداري ترتب عنه توسعات عمرانية مختلفة، واهتم بالمساجد و الرباطات الدينية فأصبحت فاس، قبلة للعلماء و الأدباء الوافدين من الشرق، وقد حققت قدر مهم من الازدهار التجاري و الصناعات التقليدية بسبب المكانة الدينية التي باتت تحظى بها.[15]

ويؤكد الأستاد البزاوي ،ن أن الـمـغـرب “قـبـل الـدعـوة الإسـلامـيـة كان يـعاني تـمـزقـا سيـاسيا وتـعددا عـقـائـديـا…”، ما عرقل تبلور سلطة مركزية مغربية. “في إطار هذا الوضع عاش المغرب طوال هذه الفترة بدون سلطة مركزية، ولم يستطع المجتمع المغربي بناء المؤسسة السياسية التي توحد مختلف أجزائه أو القيام بإنشاء دولة لها سلطة على المجال المغربي، إلا بمجيء المرابطين . لذا فانتشار الدعوة الإسلامية بالمـغرب سـاعـد عـلى تـجاوز كـل الـمعوقات التي كانت تؤخر نشوء الدولة، إذ إن الـفـتـح الإسـلامـي أدى إلى خلخلة البنيات الاجتماعية الراكدة، والتي كانت تتجسد في سيطرة النظام القبلي. والمضمون التوحيدي الذي كان يستند إليه الإسلام مهد بشكل كبير لتجاوز التعددية القبلية في المغرب وسمح، في نظر الباحث، بخلق أمة واحدة منسجمة تؤمن بالله الواحد وترتبط بمصير مشترك تتجاوز بذلك التعددية القبلية وتعدد مراكز السلطة، ما كان يتجاوب ومنحى التطور الذي كان يعرفه المجتمع في هذه الفترة.[16]

عموما يـسـتـرسـل هـذا الـطـرح فـي مصادرة كل المظاهر وكل الأشكال السياسية التي عرفها المغرب، والتي تـحـدثـت عـنـها الأدبـيـات الــتاريـخـيـة الرومـانـيـة لـيخـلـص إلى انعدام وجود أي إرهاصات أو ملامح لسلطة سياسية أو دولة مغربية طيلة هذا العهد،إلا مع المرابطين،ويؤكد الأستاد شقير أن هذا الطرح قد تبنى  مـفـهـومـا خـاصـا لـلـدولة في المغرب، يقوم بالأساس على ربط نشأتها بتجاوزها للواقع القبلي وتوحيدها للمجال المغربي الأصل. ويتضح ذلك من خلال التعريف الذي أسبغه بزاوي على الظاهرة الدولتية المغربية. (فالدولة بإضـافـة اسـم الأسرة الحاكمة تعني سلطة سياسية تتجاوز نظام القبيلة وتتحكم في بعض مناطق المغرب، وتتوفر على بعض الهياكل الإدارية والسياسية للدولة، ولكنها لم ترق إلى مفهوم الدولة المغربية لأنها لم تـستـطـع توحيد كل مناطق وأقاليم المغرب الأصل تحت سلطتها، في حين أن مصطلح الدولة المغربية سيستعمل عندما تستطيع سلطة سياسية ما – غير أجنبية – من توحيد كل مناطق وأقاليم المغرب الأصل تحت سلطتها وضمن نفوذها؛ أي إن اسم الدولة المـغـربـيـة يطابق اسم الدولة المركزية التي تؤول إليها جميع السلط داخل رقعة من الأرض، وتتحكم في جميع الأقاليم الداخلة في هذه الرقعة. وقد تتبع جاك برك ذلك ، وأكد أن الدولة المغربية وليدة القرن السادس عشر وتجديدا في نصفه الثاني ، بعد مجيء المرابطين  كتجربة استطاعت إرساء مفهوم الدولة مشيرا كذلك ،أن ظاهرة الشرفاء ، كان لها دورا سياسيا بشكل أساسي بعدما انتجتها حاجة اجتماعية للأفراد [17]

الأطروحة الثالتة:

ينطلق هذا الطرح من أن الدولة المغربية هي دولة عريقة في القدم ،غير أنها تختزن ميراثا تاريخيا مزدوجـا يـتـكـون مـن تـراث سـيـاسـي إسـلامـي ،وتراث سياسي أوربي. ولعل ذلك هو السبب في غموض مفهوم الدولة في المغرب. “فالدولة المغربية”، هذا المفهوم المتداول والمبتذل والذي يبدو أنه لا يطرح أي إشكال ظاهريا، هو من المفاهيم الأكثر استعمالا وفي الوقت نفسه الأكثر غموضا. لذا فالدولة المغربية المعاصرة تفصح عن إرادتها في أنها الوريثة وثمرة المنظومتين السياسيتين- المنظومة العربية – الإسلامية والمنظومة الأوربية. “وهكذا فالدولة المغربية المعاصرة تحيل دائما إلى خلفيات ثقافية ومضامين سوسيولوجية وتاريخية جد مختلفة،.بين ماهو متجدر في عمقها وماهو متمثل في ظاهرها من أشكال أجهزة إدارية .[18]

ويؤكد أصحاب هذا الطرح بصعوبة تحديد لحظة محددة لولادة الدولة المغربية، لذلك يمكن أن نعتبر مرحلتين مهمتين في تاريخ المغرب كتشخيص للدولة المغربية :

أولا  بداية القرن التاسع ، مع ظهور الأدارسة الى نهاية حكم السعديين ، وتتداخل في النشأة مجموعة من الأبعاد لعل ابرزها البعد الديني .

ثانيا اعتبر يوم30 مارس 1956 بعد رجوع الملك محمد الخامس من المنفى، و الحصول على الاستقلال وإعادة هيكلة الدولة المغربية بالحصول على وسائل وصلاحيات الدولة الحديثة .وكانت أمام العلويين فرصة ذهبية بإرساء مقومات الدولة الحديثة .[19]

إن صعوبة تحديد نقطة موحدة ، لنشأة الدولة المغربية تحيل أنها لم تتخذ مسارا منسجما ، وخطيا ، ومن ثم يصعب الحديث عن عن دولة بمفهوم حديث، وأيضا لا يمكن أن ننفي أن المغرب لم يشكل بنية سياسية ، ذات توجهات مركزية يوحدها شعور الانتماء ، وهذا ما اتضح مع الحركة الوطنية .

إن الدلالة التي نخلص بها من خلال هذا التضارب في الأطراح هو غياب تعريف محدد ودقيق للدولة المغربية، وتجاوزا للخلط بين مفهوم النظام السياسي، حتى لا نتحدث عن الملكية كنظام ونضعها مرادف لمفهوم الدولة بالمغرب، ونبتعد عن مسار الحديث عن الدولة، نقترح أن نضع أمام أعيننا مجموعة من المفاهيم التي شكلت في لحظة ما عنصر أساس في مقاربة مفهوم الدولة بالمغرب .

  • المخزن

يعد المخزن أداتا ونسقا لدولة من نمط إرثي يقوم على علاقات نسبوية، وعلى نظام من المراتب الإدارية المنظمة والهادفة إلى تمركز الحكم وتكوين عساكر ناجعة وضبط الرعية وجبي الضرائب في المناطق المراقبة واللجوء إلى التوازنات في الجهات المعادية (السائبة)”

إن قراءتنا لمفهوم الدولة، على ضوء مفهوم المخزن لم يكن اعتباطيا،خاصة حينما نجد ان روبرت مونتاني خصص له مؤلفا “البربر و المخزن” وعبد الله العروي الذي جعل منه محورا أساسيا، في أطروحته التي عنونها ب،الأصول الاجتماعية و الثقافية للوطنية المغربي “.

سلطة تتمظهر سلطة  عبر مجموعة من التراتبيات الرمزية، الإدارية ولبيروقراطية والتي تقوت في فترة ألحماية وهي كالتالي:

الوزراء: يوجدون في قمة الهرم التراتبي للجهاز المخزني، يترأسهم الصدر الأعظم، وقد كان يتكون هذا الجهاز من سبعة وزراء في عهد المولى عبد الرحمان، لكن بعد ذلك تم استحداث وزارات أخرى،

العلماء: النخبة المثقفة، يعمد لها مهمة النصح والإرشاد، وابتكار أمكاط للتسيير،وكانو يسمون أيضا بالخاصة أو الفقهاء

الأمناء: ظهر منصب الأمين منذ سنة 1856؛ كانت مهمتهم التحكيم في النزاعات بين الحرفيين، مما جعلهم يتمتعون بمكانة مرموقة داخل المجتمع،

الأعيان: أسياد القوم، ينتمون إلى نخبة محلية أو إقليمية، يتولون مناصب كمنصب ”القائد” أو المقدم” مستمدين ذلك من المكانة الاجتماعية التي يحتلونها. كما تجدر الإشارة، إلى أن وبفضل هؤلاء الأعيان، سواء في القرية أو المدينة، وعن طريق احتوائهم من قبل السلطات الاستعمارية، تمكنت هذه الأخيرة من بسط نفوذها على البلاد،

القياد: تتكون من موظفي المخزن المشرفين على جمع الضرائب واستتباب الأمن، وقد نمت هذه الفئة بشكل كبير في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى إن تحولت إلى ظاهرة اجتماعية، وذلك في مرحلة القايدية الحربية، نظرا للقهر الذي مارسته على الساكنة،

الأرستقراطية الحضرية والقروية: فئة اجتماعية نمت بالمدن أكثر من البوادي، اعتمدت على الاحتكار والقرض بالفائدة من أجل تنمية ثروتها، كما أن قربها من الأجهزة المخزنية ساعدها على ذلك،

الشرفاء: نسبة إلى انحدارهم من السلالة النبوية وامتلاكهم للبركة، وذلك منذ عهد المرينين،

المرابطون والزوايا: كانت له وظائف تجعله في قمة الهرم الاجتماعي القروي كالتحكيم في النزاعات؛ إطلاق بعض السجناء ممن لحق بهم ظلم؛ يتمتعون بالبركة[20].

يقول ليفي ستراوس في مراجعته لأعمال مارسيل موس ،”من عادات المجتمع ان يعبر عن عاداته رمزيا “لذلك لابد في محاولة قراءة تاريخ المجتمع وخصوصا إذا كان هذا التاريخ سياسيا، الأخد بعين الاعتبار أن كل مجتمع يبلور أنظمته الرمزية الخاصة، فالمجتمع المغربي يكون الشعور الديني أحد العناصر الأساسية ،كحقل أنتج مجموعة من الرموز التي شكلت إحدى الشروط الأساسية للوصول إلى السلطة التي أنتجت بدورها  مفاهيم من قبيل ‘الشرف’ البركة’ الصلاح ‘…[21]

الشق الميداني للبحث:

إن الجانب الميداني هو الشق الواقع على الدراسة،وهو السبيل لاختبار فرضيات الدراسة،باعتباره مسائلة للمختبر الاجتماعي الذي يمكن من معرفة كل تفاصيل الحياة الاجتماعية المتغيرة باستمرار،ونعتبر كذلك أن قراءتنا واختبارنا لفرضية ما يكون في إطار زمني محدد،يستدعي المسائلة المنهجية خارجه.

و قد اخترنا في موضوعنا عينة عشوائية حصرناها في 25 مبحوث كما لابد أن نشير هنا أن ارتفاع نسبة المبحوثين الذكور على لإناث ارتفاع يبرره ويمليه الواقع الاجتماعي و السياسي بالمغرب، فالعديد من المبحوثات اللواتي رفضن الإدلاء بدلوهن في الموضوع يعتبرن أن الحياة السياسية موضوع خارج سياقهم الفكري وأي معلومة يدلين بها ستكون فضولية أو في غير محلها الشيء الذي يجيبنا في النهاية على خاصية من خاصيات البحث العلمي فكل بحث ماهو إلا استشراف لموضوع بحث آخر “فهم الفرد المغربي للدولة المغربية وتاريخها “

-تاريخ الدولة المغربية:

إن النظر إلى التأكيد الذي عملت على ترسيخه العديد من الدراسات التاريخية و السوسيولوجية للدولة المغربية،بأنها واحدة من أقدم الدول وأكثرها كثافة تاريخية عبر سيرورات مختلفة،ومقارنته مع ما يحمله الفرد المغربي من تمثل عن هذه النشأة ،وهل يستطيع أن يستوعب ذلك ؟  يضعنا أمام مسائلة حقيقية لهذه الإشكالية ،فقد تبين لنا أن مسألة نشأة الدولة المغربية تتوجها تعددية المواقف و التمثلات الراسخة عند الأفراد اتجاه الدولة المغربية بين تاريخ مجهول و آخر متجدر في القدم.

يعتبر 50%من المبحوثين أن الدولة المغربية دولة عريقة متجذرة في التاريخ،تميزت بتعاقب السلاطين الذين حكموا رغم استمرارية نمط الحكم (الملكية )،عرفت خلالها مراحل ازدهار و انحطاط ،أي أنها عاشت فترات مختلفة بظرفيات مختلفة ،في حين ربطها البعض  بالدين الإسلامي باعتبارها دولة إسلامية من خلال ثوابتها “إمارة المِؤمنين،العقيدة الأشعرية ،الفقه المالكي” واستطاعت أن تحافظ على وحدتها ونظامها ،وحدت بين مختلف الأطياف الدينية والاجتماعية مند القدم،بل شكلت قاطرة الإسلام نحو أوروبا :نموذج مقابلة رقم 17 “كانو ليهود و المسلمين و الصوفيين وكلشي عيشين خوت“،

وقد اعتبر تاريخ المغرب من وجهة نظر المبحوثين كذلك دولة تميزت بالزخم الثقافي الذي يحمل ثرات أجيال متعاقبة ،مكنها من عتاد عسكري ومقاومة شرسة يتمثل ذلك من خلال مقاومة المد العثماني :نموذج المقابل رقم  20”المغرب الدولة الوحيدة اللي مقدروش العثمانيين يدخلو ليه” ،واعتبرو بذلك أن التاريخ المغربي هو تاريخ المؤسسة الملكية باعتبارها النظام الوحيد الذي صاحبه المغاربة، ولم يشاربو نمط حكم غيره.إلا أن هناك من يعتبر الدولة المغربية مجهولة التاريخ و الهوية لدرجة تأكيدهم عن جهلهم الثام و القطعي لأي تاريخ يمكن الحاقه بالدولة المغربية ،المبحوث رقم 2″نكدب اعليك الى قلت كل راني عارف شي حاجة حنى معندناش تاريخ “، كما أن محاولات الرصد لتاريخ معين جعلها البعض مرتبطة بتاريخ مأساوي، عنوانه الجهل و الأمية ،وويلات الحروب القبلية بالإضافة إلى الفترات الحرجة التي ظلت راسخة في تاريخهم، وهي الفترة الاستعمارية  و الخلاف المغربي الجزائري الذي تسببت فيه الدول  المستعمرة حينما فبركت الحدود بين الدولتين ،نموذج مقابلة رقم 1“فرنسا وسبليون هوما سباب المشاكل بينا و بين الدزايرين حيدو لينا الحدود وخلونا مضاربين على الصحرا”،واعتبرو كذلك القضية الوطنية في شخص حصول المغرب على الاستقلال وحدث المسيرة الخضراء بعده أحداث دونت للمغرب تاريخه الخاص.

إن ما يمكن تأكيده من خلال هذه المسائلة لتصور الأفراد لتاريخ المغرب، وملاحظاتنا من خلال الاحتكاك بهم عن قرب هو استحضارهم للبعد الديني في تاريخ الدولة المغربية، بل هو المحدد الرئيسي لهويتها كدولة دينية إسلامية ،وذلك ما يؤكده ‘ادموند دوتي’ فيما أشرنا إليه في الشق النظري بخصوص ثوابت الوحدة المغربية ،إذ يشكل جوهرها البعد الثقافي الروحي بمعناه الواسع[22] ،ويعتبر الفرد المغربي أن ولائه من الدرجة الأولى للمكون الديني وذلك ما تؤكده نتائج البحث الميداني إذ اعتبر جل المبحوثين أن ولاء المواطن المغربي يتحقق بدرجة أولى اتجاه المكون الديني ،معتبرين المغرب بلد إسلامي يشكل الإسلام جوهره منذ القدم ،لتأتي بعد ذلك مكونات أخرى كالوطن.ويأتي ذلك في سياق مفاده أن الإسلام ،لا يقبل النظرية القائلة بفصل الدين عن الدولة ،لأن هذه الأخيرة ليست شيئا غير ممثلي الطائفة الإسلامية الذين ثم اختيارهم ليقومو بتطبيق الأحكام الدينية ،إن عبارة الإسلام دين و دولة، لا تكفي في توضيح ما يقصده الإسلام ،و الصواب أن يقال دين وكفى يشمل على جوانب العبادة و الممارسة الدينية وبعض من جوانب الأنظمة الاجتماعية الأخرى من معاملات [23] إن الفرد المغربي يربط كذلك تاريخ المغرب بتاريخ المؤسسة الملكية كنظام لم يتعرف المغاربة على غيره منذ قرون ،يعتبرونها نمط الحكم الذي مكنهم من مواكبة التحديث على مستويات معينة، وساعدهم في عدم التنكر للنظام الروحي القائم عللى مبدأ الخلافة لتكرار التجربة النبوية ،فإنهم تبعا لذلك ينظرون للملك كحفيد النبي ،ويمكن تفسير هذا التصور هو طبيعة الملكية المغربية إذ لاتقبل الفراغ ولا تحتمل التذبذب ،تسعى باستمرار لكسب طابع الهالة و المقدس ،كلها استراتيجيات ممهدة للانتقال المستمر للسلطة التي رسخت للعامة قصصا وروايات تاريخية لعبو فيها أدوار اجتماعية معينة مثل القصص التي ارتبطت بتأجيل الإعلان عن وفاة الملوك وتكرار حالات الإعلان عن البيعات المزعومة ،كلها أمور كانت ولازالت راسخة في لاشعور العامة.

– مقارنة الدولة المغربية مع الدول العربية و الأوروبية

لقد تمكن المغرب من تصدر الدول العربية من حيث مؤشر جودة الحياة حسب تقرير أصدرته مجلة ‘أنترناشيونال ليفينع الأيرلندية’ سنة 2011 [24]حيث احتل فيها المغرب المرتبة الأولى متقدما على كل الدول العربية، من حيث مستوى وجودة الحياة بنسبة 60 نقطة متبوعا بتونس  وذلك على المستوى العالمي ،وفي حقيقة الأمر نلاحظ أن هذا ما تعكسه آراء المبحوثين حينما طرحنا عليهم مسألة مقارنتهم للدولة المغربية مع باقي الدول العربية ،إذ أجمعو أن المغرب متفوق عنهم في مستويات متعددة أهمها الاستقرار السياسي و الاجتماعي الذي يكاد ينعدم في بعض الدول العربية :نموذج مقابلة رقم 1” بلادنا زينا فيها الأمن و الآمان هدشي لي تيحلمو بيه العرب وملاقينوش“،كما يعتبرون أن الدولة المغربية يميزها الانفتاح الثقافي و الاجتماعي وتتوفر على موارد طبيعية مهمة تمكنه من خلف حيوية اقتصادية ،و احتلال مراتب مهمة على المستوى العالمي :نموذج مقابلة رقم 16”وثير الاقتصاد بالمغرب مرتفعة اعطاتنا مكانة عالمية”.

لكن المفارقة التي نسجلها وهي أن المغاربة ينظرون إلى الدين الاسلامي بمعناه الواسع كخاصية مميزة للمغرب ،عن باقي الدول الأخرى حتى العربية الإسلامية ،لأنه يتميز بالتعايش مع مختلف النماذج الثقافية و التقاليد التي يتكيف معها لدرجة اعتبر المبحوثين أن هذه الخاصية نعمة تميز المغرب ،نموذج مقابلة  رقم 21.

لكن إذا كان المغرب يسجل تفوقه بالمقارنة مع الدول العربية ،فإنه الشيء الذي لم يتحقق حسب تقرير نفس المجلة بمقارنة المغرب مع الدول الأوروبية ،إذ احتل مراتب متأخرة ،وفي حقيقة الأمر نجد ذلك حاضرا بشكل مباشر في تمثل المبحوثين إذ يعتبرونه متخلف بالمقارنة مع الدول الأوروبية بمستويات أهمها التعليم و الثقافة و المعيشة ودرجة تقديم وتنظيم الحقوق ،ورغم دلك فهو يحاول أن يواكب السياقات العالمية رغم العجز المادي الذي يمكن تسجيله ،لذلك فهم يعتبرون أن المغرب يعيش في عالم ثاني غير الذي يضم الدول الأوروبية ويؤمنون أن المغرب من الدول المتخلفة في هذا السياق ،ويمثل ذلك تمثلا يقينا لا يقبلون النقاش فيه،والمفارقة التي نسجلها هنا أيضا هي تأكيد بعض المبحوثين أن المغرب أحسن من الدول الأوروبية على مستوى الدين الإسلامي ويعتبرون ذلك امتيازا لا يمكنهم التنازل عليه ،لقد شكل الاسلام كطقس معبر عن روح يتنفسها المغاربة في كل المحطات الحياتية ويعتبرونها جوهر كل شيء لدرجة أنها أصبحت البارامتر الذي تقاس به جودة الاجتماعية و السياسية بالمغرب

– المحددات الأساسية للدولة المغربية

يتحدث الكثيرون عن الشعار الخالد “الله  الوطن  الملك” الذي يكاد يفتأ النشيد الوطني يعبر عنه بشكل قانوني ،يكون الدستور أحد مشاربه الأساسية ،باعتباره الشعار المحدد لثوابت الدولة الأمة الخالدة، لكن أعتقد أن الدسترة الحقيقية، هي تلك التي يضمنها تمثل الأفراد لهذه الثوابت أو المحددات، وقد خلصنا من خلال مسائلتنا لذلك أن 100% من المبحوثين يقدمون الولاء بدرجة أولى ولا نقاش فيها للدين الاسلامي ويعتبرونه الجوهر و الروح الخالدة للمغرب،ثم جاءت مسألة الأرض أو الوطن بدرجة ثانية بعد الدين ،وبعدها لشخص الملك المقدسة و الذي يملك الشرعية التي يقدمها الدين ،في حين أن جل المبحوثين ينعدم ولائهم للنخبة الحاكمة أو الأقلية الاستراتيجية بالمغرب باستثناء البعض الذين اختارو أن يمنحوها الولاء بمراتب متأخرة .

لقد ظل ارتباط المغاربة بشكل وثيق بالمؤسسة الملكية يحيل على الاستراتيجيات التي يعتمدها النظام لتأكيد شرعيته ومشروعيته في الحكم، الذي لايمكن أن يتحقق إلى بالمزج بين السلطة السياسية و السلطة الدينية و الإقرار بأحقية السلطان بها،كل ذلك وحدته المفاهيم التي سبق أن تحدثنا عنها من قبيل الشرف و البركة التي ظلت دائما تذكر بعالم المقدس ،ومما لاشك فيه أن العملية تستدعي ياستمرار العودة لاستنباط الحجة و الدليل من الماضي من المرجعيات الدينية ،لا يمكن للملك من خلالها الاعتراف بقنوات منافسة تدعي الدفاع عن الدين لأن شرعيته في الحكم تقوم على أساس ديني وكل عملية اعتراف هي تهديد في الشرعية ،ويذكرنا التاريخ دائما أن الزوايا كادت أن تفعلها بسلاطين المغرب .”فإلى كان السلطان ولد النبي فمولاي عبد السلام هو اللي خلق الدنيا و ألدين ،لذلك عمل دائما على ترسيخ أصوله النبوية باعتباره حامي حمى الملة و الدين  ،و الإمام الأول للبلاد،يحيلنا الأمر أن هذا الاعتقاد الجازم بالولاء يرى أن الدين يمتزج مع المؤسسة الملكية كوجهان لعملة واحدة ،عملت استراتيجيات المؤسسة الملكية على ترسيخه باستمرار ،فالولاء للسلطان هو الولاء للدين ،وأي إنكار للتجربة الملكية هو إنكار للتجربة المحمدية ،باعتبار الملك امتداد للنبي وشرعيته تستهل بشكل مباشر من الشرعية النبوية .

إن مايمكن تسجيله هنا كذلك هو أننا حينما طرحنا السؤال على المبحوثين نتلقى الجواب بشكل ضمني مباشر مصحوبا بتعليل لم نطلبه، بل نجد أنفسنا أحيانا نتلقى التعليل من المبحوثين قبل الجواب ،فهؤولاء النصف الذين يشاركون في الانتخابات لهم مبررات تحيلنا ونحن نقرأ هذه ألمعطيات على المزيد من الاشكالات المتجددة باستمرار،فهم يعتبرون الأحزاب السياسية مصلحيه ولا تخدم غير مصالحها الخاصة ،وتقدم للمواطنين الوعود الكاذبة بل إن جل مشاريعها المقدمة في الحملة الانتخابية تظل حبرا على ورق بتعبير المبحوثين[25] في حين يعتبرها البعض لا ترقى إلى مستوى التقدم و الحداثة التي يعرفها العالم ،كما من الممكن أنها مجرد كراكيز تشتغل بها جهات خفية في الظل،الشيء الذي يجعل منها أحزاب غير مؤهلة .

يحيلنا ذلك على طبيعة المؤسسة الحزبية بالمغرب ,التي يكاد يؤكد الباحثين أنها تمثل نموذج مؤسساتي على مستوى الشكل لكنها على مستوى الممارسات لم تحسم مع النمط التقليدي بعد[26] الذي ترسخ فيها بسبب النخبة الفاعلة بها الشيء الذي حال دون القطيعة مع النمط الثقليدي السابق ،ويؤكد’ عبد الله ساعف’ في هذا السياق أن الأحزاب السياسية المغربية ،يشكل النمط الانقسامي جوهر ممارساتها السياسية  ويمكن تشخيص ذلك بما سمي بالبلوكاج الحكومي، و الحرب بين الأحزاب كأسلوب تلجأ إليه القسمات بالنظام القبلي لإضعاف أي قسمة يبدو أنها تتقوى وذلك كله من أجل خلق نوع من التوازنات،ناهيك عن الخصائص التي ظلت تؤطر اللعبة السياسية بالمغرب كالترحال السياسي من حزب إلى آخر الذي يدل على غياب المرجعية السياسية و الإيديولوجية مما سماه ‘جون واتربوري’ “تعدد الانتماء وتناقض الولاء”،كما أن ما يمكن تسجيله غياب الفعالية الحزبية طيلة الأيام خارج الفترات الانتخابية ،مما يجعلنا نتساءل عن درجة حضور المؤسسة الحزبية بالمغرب وخاصة اذا استحضرنا التعريف الذي تقدمه’ حنة أرنت ‘للمؤسسة الحزبية بأنها قوة سياسية تهدف إلى الوصول إلى السلطة وتنظيمها وتعمل على تأطير المواطنين.إن المؤسسة الحزبية بصفة عامة عليها تنظيم الحياة السياسية وتأطير البنى الاجتماعية وتغيرها إن لزم الأمر باعتبارها أنجع وسيلة تحديث على الإطلاق.

كما أن محاولتنا لتفسير النسبة الأخرى من المبحوثين الذين يشاركون في الانتخابات تضعنا أمام مفارقات أخرى فهده الفئة لاتختلف مع الفئة الأخرى في رأيها بالأحزاب السياسية لكنها تشارك في الانتخابات وهي مقتنعة بأنه حق دستوري لذلك عليها ممارسة حقها في التصويت ولايهم من يؤثث الحقل السياسي أو غيره،ويحيلنا ذلك على طرح مجموعة من التساؤلات الأخرى حول فهم وتمثل الفرد المغربي للمشاركة السياسية بصفة عامة .

فعالية الدولة المغربية على مستوى الأدوار

إن مقاربة مسألة الدولة كمؤسسة اجتماعية سياسية بالأساس ،يحيلنا على النقطة التي تطرقنا لها في بداية الفصل النظري حول الهدف و الغاية من الدولة،التي جاءت نتيجة حاجة اجتماعية للأفراد،عملت على ترسيخ الحد الفاصل بين الفوضى للانتقال إلى حالة المجتمع السياسي ،الذي يحضره الأمن وضمان الحقوق و الحريات [27] .لكن أعتقد أن الأمر لن يتضح حتى نحاول التعرض لمفهوم المؤسسة أولا :يمكن تعريفها بأنها تمثل مجموعة متشابكة من العلاقات الاجتماعية المبنية على أسس ثقافية و التي توجه بعض الأنشطة التي تعتبر ضروري لاستمرارية المجتمع ،إنها نسق يتضمن مجموعة من القواعد التي توجه التفاعلات المتبادلة اجتماعيا وسياسيا نحو تلبية الاحتياجات الأساسية للمجتمع ،ويتم تصنيف الدولة في الغالب كأسمى المؤسسات السياسية ،تظم العديد من البنيات التي تعمل بدورها على تنظيم سلوك الجماعة ،وتعتبر بذلك المركز الأول لسياسات الحكم التي تغطي مجالات عمل الأفراد بوصفهم مواطنين ،إنها مؤسسة تعمل على صياغة القوانين و الأنظمة التي تحكم المجتمع .

إن اعتبار التعاريف التالية كمحددات لقياس مدا تحقق فعالية الدولة و الغاية من وجودها جاء من باب قراءة المعطيات التي توصلنا إليها من خلال البحث الميداني ،حينما طرحنا إشكالية فعالية الدولة المغربية في تحقيق دورها و الغاية من وجودها ،فقد تبين لنا أن 50% من العينة يتصورون أن الدولة المغربية لا تقوم بدورها،وذلك لتشخيصهم الأمر عبر مستويات معينة ،مثلا يرى المبحوث نموذج مقابلة رقم  (2)أن الدولة لا تأخذ بعين الاعتبار الفئات الهشة ،كما أنه هناك شرخ بين نصوص المشرع و التطبيقات القانونية ميمكن القول أنه هناك غياب لتفعيل الدستور ،أما النسبة المتبقية من المبحوثين يرون أن الدولة المغربية تقوم بدورها كما ينبغي ،وحينما طلبنا تشخيص نظرتهم للوضع يجملونه في تحقيق الأمن و الاستقرار الاجتماعي و السياسي حسب فهمهم :نموذج مقابلة رقم 5″اسيدي المغرب فيه الأمن ومايقدر تاحد يقول بلي الدولة مكاديرش خدمتها”

لقد كانت المفارقة التي تستوقفنا اللحظة ،أن الأفراد يعتبرون الدور الحقيقي و الأساسي للدولة هو تحيق الّأمن ،لذلك إن قرئنا هذا التصور بنظرية العقد الاجتماعي يبدو تصورا مقبولا بأن الغاية و الهدف الأول للدولة هو تحقيقها للأمن لضمان الحقوق و الحريات الطبيعية ،لكن إذا قرئنا هذا التصور من خلال الكتابات الحديثة حول ذلك نتساءل من خلالها عن دور الدولة في تأطير الأفراد وجعلهم يواكبون السياقات المحلية و العالمية خاصة في ظل ظاهرة العولمة وتنامي موجاتها التي اخترقت كل المجتمعات وباتت تتحكم في فعالياتها لنجد أنفسنا أمام تسائل مشروع :هل يستوعب الفرد المغربي دور الدولة كجهاز اجتماعي سياسي ؟

– العرف و القضاء

تحيلنا معطيات البحث الميداني في ما يخص علاقة المغاربة بين العرف و القضاء من خلال العينة ،أنهم يفضلون بشكل ضمني العرف ويعتبرونه خيار اجتماعي بالأساس باعتباره أسمى قانون اجتماعي جرت العادة أنهم يحتكمون إليه ،كما يعتبرون أن القضاء لا يحل المشاكل بل يزيد من حدتها ويعمل على تعقيدها ،ويلجأ ون إليه حينما يستعصي الأمر على العرف .

وكمحاولة لتفسير هذا التمثل وهذه الاستراتيجية التي يلجأ إليها المغاربة حاولنا الاضطلاع على سجل الدعوات التي يتم تسجيلها في المحاكم باعتبارها الرمز الأول و الأخير للقضاء بالمغرب،ويما أن مجال الدراسة هو مدينة الجديدة فد اخترنا صر العدالة التابع للمدينة ،وخلال بحثنا في القضايا التي يلجأ الأفراد لحلها تبين لنا أن أغلبة هذه الدعوات يتم تسجيلها بشكل إكراهي دون إرادة الأفراد،إما أن الأمر يتعلق بجنحة أو مايعادلها،أما النزاعات بين الأفراد و التي لا يتعدى موضوعها الحد المادي،نادرا ما يتم تسجيلها وأن تم ذلك فإن صاحب الحث يسجل تنازله عن الدعوة إثر تدخل العائلة الوساطة و الودية التي يؤطرها العرف،ليتابع الفرد على مستوى الحق الجنائي فقد و الذي تمثله النيابة العامة .

قد يحيلنا ذلك على غياب وانعدام الثقة بمؤسسات القضاء من طرف المغاربة،واستمرارية نجاعة العرف ودور الوساطة ،وتفسر ذلك حظوة النظام القبلي التي لازالت تستوطن المجتمع المغربي بل أصبحت متشربة لذى المغاربة كذهنية وممارسة ،ولعل نظام العرف و الوساطة الذي يجسده ‘أكرمن’ بالنظام القبلي لا يختلف كثيرا عن دور الوساطة الذي يحظر المجتمع المغربي اليوم الذي يجسده الفقيه في غالب الأمر ،وقد عمل المغاربة على جعل ذلك هوية و أسلوب عيش جرت العادة على الالتزام به،

-المخزن من خلال تصور الأفراد

لقد أثبتت العديد من الدراسات التي حاولت مقاربة مفهوم المخزن أنه يمثل نظام من المراتب الإدارية المنظمة و الهادفة إلى تمركز الحكم وتكوين عساكر ناجعة وضبط الرعية وجبي الضرائب ،وذلك بهدف ضمان تحقيق التوازنات بين جهات خاضعة وأخرى سائبة ،تتم ظهر فيه السلطة عبر مجموعة من التراتبات الرمزية الإدارية ،ويتكون عبر تراتبية هرمية تنطلق من حاشية الملك إلى أسفل الهرم،وقد أتبت الدراسات كذلك أن حضور هذا النظام فترات من الزمن في تاريخ الدولة المغربية جعله من الجذور الثقافية للهوية المغربية ،بل أصبح يشكل جزء من تاريخ المغرب ،وقد عملنا بدورنا على محاولة قياس تصور المغاربة للمفهوم ،فوجدنا أن 100%من العينة موضوع البحث ،يقدمون لكلمة ‘مخزن’ الصفة الأمنية بل يشملون بها كل من يعمل على تحقيق الأمن مثل رجال الأمن بصفة عامة.

يتضح لنا من خلال ذلك المفارقة بين التأريخ للمخزن كشكل من أشكال الدولة التقليدية وهو الذي ترسخت جذوره لعقود من الزمن بالمغرب ،وبين مؤسسة الدولة الحديثة التي نتحدث عنها اليوم ،أنه لازال الكثير من المغاربة يرون في المخزن واقعا حيا ماثلا أمامهم،لقد كانت حكومة السلطان تسمى المخزن مهامها تتمركز بشكل أساسي في جمع الضرائب سواء في صورتها النقدية و العينية ،لكن غالبا ما كانت القبائل تتحالف لرفض هذا القانون السلطاني الذي يأخذ على عاتقه توطيد سيادة السلطان أكثر مما يعبأ لمواجهة الخطر الخارجي،وقد كانت الذريعة و الحق الأعظم الذي يغزو به جيش السلطان هذه القبائل هو تطويع السيبة وضمان الأمن وتحقيق الاستقرار،وقد علل ‘السنت غيلنر’ استمرارية حضور هذا النمط التقليدي أنه استطاع تحقيق استقرار مدهش عجزت المراكز الحضرية على تحقيقه خاصة في فترة الحماية التي بدأ فيها المغرب يعرف بعض أشكال المؤسسات فأصبحت هذه الأخيرة بحاجة إلى المخزن لّأنها كانت تتعرض لهجوم القبائل ،ورغم أن هذه القبائل كانت بسبب تشتتها غير قادرة عللى اليام بعمل منسق فقد كانت تتوفر فيها قوة كافية لرفض الانصياع للسلطة المركزية ،أو بالأحرى سلطة سلطة تدعي الشرعية ،إلى أنها كانت تفشل فالسلطان كان يعلن عن الحركة باسم الدين ورفض بركة السلطان ،مما يجعل من هذه المعركة حربا مقدسة[28]

خلاصات عامة:

كان دافعنا لاختيار هذا الموضوع وهذه الزاوية المقارباتية”السوسيوتاريخية” هو سؤال طرح علينا الواقع بشكل مباشر،مفاده أن المغاربة هل يستطيعون فعلا تصور الدولة المغربية بما هي مؤسسة مكتملة الذات والهوية ؟واعتبرنا أن هذا الفهم ضروري اليوم في هذه اللحظة تحديدا على اعتبار أن هذا الفهم هو الذي يترجمه سلوك الأفراد داخل هذه الدولة كمؤسسة عليا.إلا أننا قد وجدنا أنفسنا أمام موضوع من الإجحاف أن نختصره بالشكل الذي تقدمنا به ،بسبب ديق الحيز الزمني إنه موضوع في كل محطة منه يحيل على إشكالات متعددة كل واحد منحا يحتاج بحثا حقيقيا لملامسته،لذلك  نعتبر أن هذه المحاولة البحثية التي تدمنا بها بمثابة استشراف لأبحاث أخرى سنعمل عليها مستقبلا.

إن ما يمكن تأكيده من خلال هذه المسائلة لتصور الأفراد لتاريخ المغرب، وملاحظاتنا من خلال الاحتكاك بهم عن قرب هو استحضارهم للبعد الديني في تاريخ الدولة المغربية، بل هو المحدد الرئيسي لهويتها كدولة دينية إسلامية ،وذلك ما يؤكده ‘ادموند دوتي’ فيما أشرنا إليه في الشق النظري بخصوص ثوابت الوحدة المغربية ،إذ يشكل جوهرها البعد الثقافي الروحي بمعناه الواسع ،ويعتبر الفرد المغربي أن ولائه من الدرجة الأولى للمكون الديني وذلك ما تؤكده نتائج البحث الميداني إذ اعتبر جل المبحوثين أن ولاء المواطن المغربي يتحقق بدرجة أولى اتجاه المكون الديني ،معتبرين المغرب بلد إسلامي يشكل الإسلام جوهره منذ القدم ،لتأتي بعد ذلك مكونات أخرى كالوطن.ويأتي ذلك في سياق مفاده أن الإسلام ،لا يقبل النظرية القائلة بفصل الدين عن الدولة ،لأن هذه الأخيرة ليست شيئا غير ممثلي الطائفة الإسلامية الذين ثم اختيارهم ليقوموا بتطبيق الأحكام الدينية

لقد ظل ارتباط المغاربة بشكل وثيق بالمؤسسة الملكية يحيل على الاستراتيجيات التي يعتمدها النظام لتأكيد شرعيته ومشروعيته في الحكم، الذي لايمكن أن يتحقق إلى بالمزج بين السلطة السياسية و السلطة الدينية و الإقرار بأحقية السلطان بها،كل ذلك وحدته المفاهيم التي سبق أن تحدثنا عنها من قبيل الشرف و البركة التي ظلت دائما تذكر بعالم المقدس ،ومما لاشك فيه أن العملية تستدعي باستمرار العودة لاستنباط الحجة و الدليل من الماضي من المرجعيات الدينية ،لا يمكن للملك من خلالها الاعتراف بقنوات منافسة تدعي الدفاع عن الدين لأن شرعيته في الحكم تقوم على أساس ديني وكل عملية اعتراف هي تهديد في الشرعية

كما نسجل أيضا استمرارية حضور المخزن كنمط سياسي من خلال الأنماط الثقافية و الاجتماعية المزودة له.لذلك إن التمثلات السياسية بصفة عامة مكون أساسي للأنساق السياسية وعاملا مساعدا على صياغة القاعدة الفكرية الناسجة لهذه الأنساق،فالمتمثلات السياسية و المعتقدات و المفاهيم السائدة بين الأفراد هي المدخل الرئيسي  لصياغة وتأطير المواقف السياسية ،لكن لبلوغ هذا الهدف لابد من دمقرطة أجهزة الدولة لكي تتحول من آليات تخنق أنفاس المجتمع وتكبت فعالياته إلى آليات لخدمة مختلف مكوناته وشرائحه،وهذا بالطبع لن يزيد إلى في تقوية الدولة في مواجهة التغيرات التي يعرفها المشهد الدولي و التكتلات الاقتصادية الإقليمية وهيمنة الشركات العالمية بسبب تنامي ظاهرة العولمة ،بل وفي ظل المكانة التي باتت تحظى بها المدن العالمية اليوم بسبب احتضانها لهذه الشركات التي ماهي إلى تعبير عن راساميل بشرية ومادية ،معلنة حضورها القوي فباتت تتحكم في فعالية الدول حتى تلك التي تحتويها ،ليصبح الرهان اليوم هو نحو المدينة كمؤسسة وليس فقط كمجال ،ويصبح الرهان الحقيقي هو انخراط الأفراد في نمط الحياة السريعة المسجلة بالمدن اليوم .

انطلاقا من كل ما سب لقد تبين لنا أن الدولة المغربية يمكن اعتبارها دولة الألفية ضاربة في القدم ،شهدت العديد من الظرفيات الاجتماعية و السياسية التي قدمتها بشكلها اليوم رغم غياب الإجماع العلمي عن محطة تاريخية محددة لنشأة الدولة المغربية وذلك ما تم تسجيله من خلال تصور المبحوثين كذلك ،إلا أن هذه الأخيرة عاشت العديد من الأحداث التي كشفت عن وجود الدولة،الشيء الذي يفند الفرضية التي وضعناها سابقا بأن الدولة المغربية نشأة مع اللحظة الاستعمارية ،بل إنها لحظة تاريخية كشفت عن وجود دولة

لقد تسجل أمامنا كذلك أن الفرد المغربي يرى في مؤسسات الدولة بما هي شكل حديث نوعا ما مجرد وعاء للمكون الديني ،الذي يعتبره أساس كل شيء ونقصد هنا الديني بمعناه الواسع ويعتبر الشرف و البركة السبيل للحديث عن الشرعية و المشروعية وذلك ما ترجمته حظوة المؤسسة الملكية بالمغرب ،حيث استطاعت استحضار النموذج النبوي لإضفاء شرعيتها ،كما لا بد أن نسجل أيضا أن التقليد بما هو قانون ثقافي يعايشه المغاربة بقوة يطغى على كل محاولات التحديث ويساوم من أجل المقاومة و البقاء كقانون اجتماعي بالأساس

  • [1] Léviathan. Première partie : DE L’HOMME Chapitres I à XVI disponibles. Traduction originale de M. Philippe Foliot, Professeur de philosophie au Lycée Ango, Dieppe, Normandie. 23 novembre 2002

[2] جون لوك .هشام الهداجي , باحث في الفكر السياسي – المغرب  مقال عدد 27 بمؤمنون بلاحدود.يونيو 2013 ¹

[3] جان جوك روسو ونظرية العقد الاجتماعي ,صباح الفلاوي ,الصدى نت 2016

  • ص122[4] مفهوم الدولة –عبد الله العروي _الطبعة التاسعة –المركز الثقافي العربي 2011
  • [5] Karl Marx. Critique de la philosophie de l’Etat de Hegel Costes. 1948

[6] سوسيولوجيا الدولة ،بيار برنبوم,ترجمة جوزيف عبد الله ,مركز الانماء القومي،1990  ص94

[7] أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة ’انجلز 1894

  • [8] Karl Marx Engels l’eidologie allemande Ed sociales premier partie 1965
  • [9] سوسيولوجيا ماكس فيبر تأليف جوليان فروند1998،ترجمة جورج أبي صالح،منشورات مركز الانماء القومي،الطبعة الأولى الصفحة54
  • ص107[10] مفهوم الدولة –عبد الله العروي _الطبعة التاسعة –المركز الثقافي العربي 2011

[11] السلطة عند ماكس فيبر ،حمام علي عواضة ،مجلة الأستاذ  العدد2007 .2012

[12] الدولة المغربية بين العراقة التاريخية و الادلجة السياسية ,محمد شقير مقال جريدة هسبرس

  • [13] الزاوية و الحزب –نورالدين الزاهي –افريقيا الشرق الطبعة التالثة 2011

[14] تطور الدولة في المغرب –محمد شقير –افريقيا الشرق –  2002

[15] حس قرةفل: أىل فاس الماؿ دالسياسة دار أبي رقراؽ، الرباط، ط2007 ،1ـ) ص5

[16]  محمد بزواي: دور الدعوة في نشأة الدولة المغربية (رسالة جامعية، كلية الآداب، الرباط، 1996م) ص :/296 344

[17] سوسيولوجيا الدولة بالمغرب اسهام جاك برك –عادل المساتي سلسلة المعرفة الاجتماعية و السياسية 2010 ص 23

[18] تطور الدولة في المغرب –محمد شقير –افريقيا الشرق –  ¹2002

[19] واتربوري، جون. أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة عبد الغني أبو العزم، عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق. مؤسسة الغني للنشر، الرباط، 2013 (الطبعة الثالثة).فصل المخزن

[20] الهادي الهروي، القبيلة، الاقطاع والمخزن. مقاربة سوسيولوجية للمجتمع المغربي الحديث: 1844-1830، ص 238)

 بداية الكتاب[21] ¹ الدولة والسلطة والمجتمع : دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب رحمة بورقية .دار الطليعة للطباعة و النشر بيروت 1991.³

[22] الدولة و السلطة و المجتمع:دراسة في الثابت و المتحول،دار الطليعة،بيروت 1991

[23] الملكية و الاسلام السياسي في الممغرب،محمد الطوزي ،نشر الفنك،1999ص6

[24] مقال لمراد العلمي،المغرب يتصدر الدول العربية في جودة الحياة، 2011 هسبريس

[25] معطيات البحث الميداني

[26] مؤسسة الزوايا بالمغرب ،مرجع سابق

[27] نظرية العقد الاجتماعي

[28] الدولة و السلطة و المجتمع   ،مرجع سابق

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق