fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

تداعيات قرار إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل

اعداد : محمد طرايرة – كاتب وباحث سياسي

  • المركز الديمقراطي العربي

 

لقد صادق الكونغرس الأمريكي في 23 أكتوبر عام 1995 على قانون يسمح بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، والإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأعطى الحرية للرئيس بالتوقيع عليه لإقراره، وقد أعطى القانون الرئيس الأمريكي سلطة تأجيل تنفيذه لمدة 6 أشهر، وإحاطة الكونغرس بهذا التأجيل، وهذا ما دأب عليه الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون منذ عام 1998 .

هذا ولم يقم أي من الرؤساء الأمريكيون الذي تولوا الرئاسة الأمريكية على الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وبالتالي نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس إلا أن جاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والذي أقر الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبمجرد هذا الإعلان فقد لقي ترامب والإدارة الأمريكية رفضا دوليا وعربيا وفلسطينيا، فبعد وعد بلفور المشؤوم يأتي وعد ترامب الذي أدى إلى تدهور المنطقة العربية والفلسطينية خاصة، حيث خرجت المسيرات والإعتصامات في أغلب دول العالم المنددة بهذا القرار الجائر، وقد خرجت الجماهير الشعبية الفلسطينية إلى نقط التماس ومواجهة العدو الصهيوني، كما دعت الأحزاب السياسية الفلسطينية إلى التوجه والنزول للشوارع، وبصدور هذا الإعلان الذي أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة من جديد بعد أن كان الوطن العربي يعيش حالة من التخبط وهو ما كان يطلق عليه (الربيع العربي) .

لقد دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى عقد جلسات طارئة وخاصة بالقدس (مجلس الأمن، جامعة الدول العربية، منظمة المؤتمر الإسلامي) وكل هذه الإجتماعات من أجل التأكيد على موقف موحد بأن القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، إضافة إلى حث ترامب التراجع عن قراره لما لهذا القرار من تأجيج الصراع في منطقة الشرق الأوسط .

إن الإعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل يخالف كل القرارات والمواثيق الدولية، فكل دول العالم يجب أن تقف في وجه هذا القرار وعليها أن تأخذ مسارا جديدا لكيفية التعامل معه، خاصة وأن القدس بناءا على القرارات والمواثيق تعتبر عاصمة لدولة فلسطين .

إن هذا الإعلان يعتبر تطور خطير لأن فيه تشجيع لإسرائيل على المضي لمخطط تهويد القدس وطمس طابعها الديني والروحي، لما فيه إنتهاك صارخ لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن وخاصة القرار رقم (2253)، وأيضا فيه ضرب لكل التفاهمات التي كانت بين إسرائيل وباقي الأطراف، وفيه أيضا تهديد لكل عناصر الأمن والإستقرار وتغذية عناصر العنف في المنطقة، وفيه ضرب الإلتزامات لأن الإدارة الأمريكية إنخرطت في تشجيع وإحياء العملية السياسية فهي اليوم تقوض نهائيا عملية السلام المطلوبة، وأيضا فكما هو معلوم تعتبر قضية القدس هي من قضايا الحل النهائي من القضايا المتروكة للمفاوضات التي تتم في إطار الحل النهائي بين الدولتين .

إن هذا القرار نسف عملية السلام وبالتالي جعل الإدارة الأمريكية بدل أن تكون دولة راعية للسلام أصبحت شريكة لإسرائيل، وفي هذا محاولة لطمس هويتنا، وبالتالي يجب على العالم الإسلامي والعربي أن يطالب ببيانات أكثر من الإستنكار، وبالتالي يجب إتخاذ موقف جماعي بحجم الجريمة التي حصلت، وهذا الموقف له تأثير وصدى وتعاطف دولي خاصة إستمرار المحاولات لطمس هويتنا ونحن أصحاب الحق .

فالأنظمة العربية تجد نفسها اليوم مكبلة نتيجة علاقاتهم مع الكيان الصهيوني، حيث أن بعضهم سبق لهم التعامل والبعض الآخر متهيء للتطبيع مع الكيان الصهيوني، كما أن تركيز ترامب على الحق التاريخي لإسرائيل بإعتبار بيت المقدس عاصمة لها هو ضرب على وتر الدين، وهو يعمل على تحويل النزاع من سياسي إلى ديني .

ترامب يحاول أن يوجه رسالة للدول العربية بأن يسيروا على نهج إسرائيل بكيفية الأخذ بمبدأ الديمقراطية، ناسيا بأن إسرائيل اليوم تقدم نظام عنصري قائم على الأبارتهايد قائما على تبشيع العرب، مع العلم أن ترامب لا يمثل إلا جزءا ضئيلا من القرار الأمريكي ولا يمكن تصور بأي شكل من الأشكال أن الإدارة الأمريكية كلها موافقة على هذا القرار .

الموقف الدولي لقرار ترامب :

لقد رفضت كل دول العالم هذا القرار وأعتبرته قرار أحادي الجانب والمؤسف ولا يؤثر على موقف الدول الغربية ولا تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل لأن هذا يؤثر على العملية السياسية وعلى عملية تسوية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي أي أنه سيؤدي إلى تقويض حل الدولتين، إذ أن إدانة هذه الدول لهذا القرار غير كافي بل يجب العمل على أكثر من ذلك وممارسة كافة الضغوط على الإدارة الأمريكية من أجل التراجع عن هذا الإعلان، وبالتالي قد كان هنالك رد فعل عنيفة وإستنكارات من كل أطياف المجتمعات وعلى رأسها أعضاء مجلس الأمن بإستثناء الولايات المتحدة .

فقد شهدت أغلب دول العالم ولا زالت مظاهرات حاشدة  وغضب كبير تنديدا بإعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، حيث أنها لا زالت تمارس كل الوسائل للضغط على المسؤولين في حكوماتهم من أجل حث الإدارة الأمريكية وعلى رأسها ترامب من أجل التراجع عن القرار. وفي هذا الإطار فقد دعى مجلس الأمن إلى عقد جلسة طارئة خاصة بالقدس، وقد إستهجنت كل الدول هذا القرار وإعتبرته رفضا قاطعا بكل ما تحمله الكلمة من معنى .

فكان موقف الدول الغربية واضحا، حيث قوبل القرار بالرفض لأنه خرق لكل المعاهدات الهشة لتسوية النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي وبدوره سيفجر الوضع في منطقة النزاع، أي أنه سيؤدي إلى أعمال عدائية جديدة، وبذلك سيسهم في زيادة عدم الإستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فقد دعت هذه الدول إلى إحترام الوضع القائم في القدس لأن هذا الصراع سيلهب صراعات جديدة ليس في المنطقة وحسب بل في كل دول العالم .

الموقف العربي لقرار ترامب :

فعلى الرغم من ما تعانيه الأنظمة العربية من ثورات متعددة ومتوالية تحت ما يسمى بالربيع العربي، فاليوم نجد أن قضية القدس وحدت الشعوب العربية، حيث عمت البلاد العربية تضامنا شعبيا لم يسبق له مثيل، فتارة نجد رفضا رفض رسمي يستنكر ويندد بهذا القرار وأنه يحول المنطقة إلى صراع ديني لأن القدس القبة الأولى للمسلمين ومسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن القدس خط أحمر للمسلمين ولا يمكن المساس بها بأي شكل من الأشكال، كما أن أمريكا خرقت القانون الدولي والقرارات الدولية، فالقدس هي الأساس الذي لا بديل عنه لإنهاء الصراع التاريخي، ويعتبر هذا القرار من أخطر القرارات لأن إنعكاساته تهدد الأمن والإستقرار  ويحبط الجهود لإستئناف عملية السلام، كما أن محاولات تهويد مدينة القدس وتغيير هويتها العربية والإسلامية والمسيحية سيفجر المزيد من العنف والتطرف .

إن الشعوب العربية خرجت بمسيرات مليونية ردا على قرار دونالد ترامب وإيصال رسالة إلى العالم أجمع بأن القدس هي عروبة الدول العربية، وكسب كل التعاطف مع القدس والقضية الفلسطينية، وقد عقد وزراء الخارجية العرب قمة طارئة في جامعة الدول العربية تستهجن هذا القرار وتطالب الإدارة الأمريكية بالتراجع عن قرارها، وإعتبرت الدول العربية أن الإدارة الأمريكية بقرارها هذا لم تعد راعية للسلام بل شريكا لإسرائيل في كل المخططات وخاصة تهويد القدس وبناء المستوطنات، حيث طالبت واشنطن بضرورة الإلتزام بقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بمدينة القدس وقواعد القانون الدولي، وعلى الدول العربية والإسلامية لا بد لها من العمل بيد واحدة لحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية والتصدي لمحاولات فرض واقع جديد، وحماية حق الشعوب في العيش بأمن وسلام، إضافة إلى أنه يجب العمل على ترتيب المشهد العربي على قاعدة التوحد في مواجهة العدوان .

كما عقد قمة إسلامية عاجلة في منظمة المؤتمر الإسلامي بدعوة من الرئيس التركي أردوغان والتي عقدت في تركيا إستنكرت وبشدة القرار الأمريكي ودعت الأطراف الدولية إلى وضع آليات قانونية وسياسية جديدة للتعامل مع هذا القرار، وقد أكد المؤتمر في كلمته النهائية إلى أن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية وذلك وفق قرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية للسلام عام 2002، كما أن الشعب الفلسطيني ينتظر من الأمة العربية والإسلامية مقاطعة الإدارة الأمريكية ووقف كافة أشكال التطبيع مع الإحتلال الصهيوني .

الموقف الفلسطيني من قرار ترامب :

إن القضية الفلسطينية تمر بأصعب مراحلها، فهي بحاجة إلى تكاتف الجهود وإنجاز المصالحة الوطنية الفلسطينية والوحدة الوطنية الفلسطينية التي طالت لسنوات طويلة، حيث أن المصالحة هي أفضل طريقة للرد على قرار ترامب والعمل على إعادة منظمة التحرير الفلسطينية بإعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن يتم بنائها على أساس أن تشمل الكل الفلسطيني دون إستثناء وخاصة حركتا حماس والجهاد الإسلامي، وترتيب الأطر القيادية الفلسطينية لكي يتم وضع إستراتيجية التعامل بل المواجهة مع الإحتلال الصهيوني والإدارة الأمريكية وسياساتها داخل فلسطين .

فالقيادة الفلسطينية عليها أن تتخذ قرارات هامة ورسم سياسات ووضع إستراتيجية لمواجهة المؤامرة الجديدة على القدس ردا على القرار الأمريكي، ومنها سحب الإعتراف بإسرائيل، والخروج من نفق إتفاقية أوسلو، وأن تقوم بالإنضمام إلى كافة الإتفاقيات والمواثيق الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني الغير قابلة للتصرف ومنها حق تقرير المصير وحق العودة، والإنضمام إلى محكمة الجنايات الدولية لمحاكمة قادة الإحتلال الصهيوني على جرائمه المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني وخاصة مجازره إبان حرب غزة عام 2014 .

لقد سعت القيادة الفلسطينية وكافة الأحزاب والمؤسسات المدنية منذ الوهلة الأولى لإعلان ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل إلى إجراء كافة الإتصالات مع كل الأطراف الدولية والإقليمية لحث ترامب للتراجع عن قراره لما لذلك من إنتهاك صارخ لكافة المواثيق الدولية، كما دعت الجماهير الفلسطينية إلى الخروج بميسرات سلمية في كافة أنحاء الوطن للدفاع عن القدس، حيث إندلعت مواجهات أدت إلى وقوع مئات الإصابات وسقوط الشهداء وإعتقال عدد كبير من الأطفال والشباب، فالهبة الشعبية الفلسطينية كان لها دور كبير وبارز أثناء وضع البوابات الإلكترونية أمام المصلين في المسجد الأقصى، فقد كان لها أثر بارز في الدفع بحكومة الإحتلال إلى إزالة تلك البوابات وكان هذا تحدي كبير للإحتلال الصهيوني نتيجة صمود المرابطين في المسجد الأقصى .

إن القضية الفلسطينية بحاجة إلى تفعيل الدبلوماسية بشقيها الرسمي وغير الرسمي بشكل جدي لإيصال رسالة إلى كل دول العالم للتأكيد على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، فالمخططات الصهيونية والأمريكية هدفها تهويد المدينة المقدسة وتكثيف بناء المستوطنات وإقامة الجدار العازل لفصل القدس عن باقي الأراضي المحتلة، وبالتالي فحماية القدس يجب أن تكون بقرارات ومشاريع تستطيع إبقاء أهلها على قيد الحياة .

هذا فقد دعت كافة الأحزاب الفلسطينية إلى المقاومة الشعبية السلمية من أجل كسب الرأي العام العالمي والإقليمي وكسب التعاطف مع الشعب الفلسطيني لأنه صاحب حق. فالقضية الفلسطينية تشهد دعم ومساندة من كافة الدول وخاصة أنه توالت الإعترافات البرلمانية بالدولة الفلسطينية وهذا نتيجة الدبلوماسية الفلسطينية الحثيثة التي إجتاحت أغلب دول العالم .

يعتبر القرار الأمريكي مخالف لإتفاقية أوسلو الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، ومخالف للمعاهدات العربية الإسرائيلية، كما أن هذا القرار يعزز السيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية والغربية وذلك بناءا على قرار الكنسيت الإسرائيلي بضم المدينة بصفتها العاصمة الأبدية لإسرائيل، كما يخالف هذا القرار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويحول دون تمكينه من حق تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، كما أن هذا القرار يفتح المجال لكافة الدول المساندة لإسرائيل بإتخاذ مواقف مماثلة من موقف الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه مخالف لقرار التقسيم 181 الصادر عام 1947 والذي يقضي بإقامة دولتين (فلسطينية ويهودية) ومنح القدس وضعا قانونيا خاصا تحت وصاية الأمم المتحدة، كما أن هذا القرار فيه إنتهاك صارخ لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، ومن بين تلك القرارات القرار رقم 2253 الصادر عام 1967 والذي ينص على دعوة إسرائيل إلى إلغاء التدابير المختلفة لتغيير وضع مدينة القدس .

فقد أقدمت القيادة الفلسطينية بتقديم طلب لرفض وإبطال إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمجلس الأمن والذي صوتت لصالحه 14 دولة ولكن نتيجة إستخدام الفيتو الأمريكي والذي بدوره أوقف مشروع القرار حول القدس، كما أكدت كافة الدول على مبدأ حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، حيث أنه لا يمكن الحديث عن سلام بالمنطقة والعالم دون حل عادل للقضية الفلسطينية لأن هذا القرار مناقض لكل قرارات الأمم المتحدة .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق