fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

وزير أول جديد على رأس الحكومة الجزائرية: تداول أم تدوير للسلطة؟!

اعداد : د. عبد المجيد رمضان  – أستاذ باحث في العلوم السياسية – الجزائر

  • المركز الديمقراطي العربي

 

اعتقد كثير من المراقبين في الجزائر، أن تعيين عبد المالك سلال مجددا لتولي الوزارة الأولى في الحكومة الجزائرية أمر مسلّم به، بعدما كلفه الرئيس الجزائري بإجراء مشاورات سياسية مع قادة أحزاب سياسية للمشاركة في الحكومة الجديدة، في أعقاب الانتخابات البرلمانية التي شهدتها الجزائر مطلع شهر مايو الجاري.

لكن ارتأت أعلى سلطة في البلد، تكليف عبد المجيد تبونوزير السكن سابقا المنتمي تنظيميا إلى حزب جبهة التحرير الوطني، بمنصب وزير أول خلفا لسلال، قبل الكشف بيوم واحد عن تشكيلة حكومة جديدة تضم في تشكيلتها أسماء غير معهودة مع الاحتفاظ ببعض الوزراء السابقين.

تنحية سلال من أجل مهمة جديدة؟..

أنهي الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة،بهذا التعيين الأخير، خمس سنوات من احتكار سلال لمنصب الوزير الأول الذي باشره شهر سبتمبر 2012، وانقطع عنه فترة قصيرة حتى يقود الحملة الانتخابية لرئيس الجمهورية في انتخابات ربيع 2014، وخلفه بالنيابة آنذاك وزير الطاقة الأسبق يوسف يوسفي.

وخلال الخمس سنوات الأخيرة، شهدت الحكومة خمسة تعديلات، اثنان منهما جزئيان، مع بقاء عبد المالك سلال دوما في منصبه، حيث كان يعد من رجال الثقة للرئيس بوتفليقة والفريق الحاكم، إذ كلف بالترويج للدستور الجديد، والنزول إلى الولايات لمعاينة المشاريع ومقابلة ممثلي المجتمع المدني نيابة عن الرئيس، وتمثيله في عدة محافل دولية.

حافظ سلال على منصبه رغم الأخطاء التي ارتكبت في عهده، كسوء تسيير الاحتجاجات الشعبية ضد استكشاف الغاز الصخري بعين صالح جنوب الجزائر، والأحداث الدموية المأساوية التي شهدتها منطقة غرداية، إلى جانب غياب التنسيق بين أفراد الطاقم الحكومي وخرج إلى العلن من خلال التصريحات والتصريحات المضادة، وبات الأداء الحكومي محل انتقادات حادة من طرف دوائر مختلفة.

ورغم اشتداد الطوق على سلال خصوصا بسبب أسلوبه الخطابي الهزلي في كثير من المناسبات، فإنه تمكن من تحقيق نوع من الإجماع. وترك عبد المالك سلال انطباعا في رسالة وجهها للرأي العام، بعد إنهاء مهامه، أنه مرتاح لما قدمه في مساره الإداري والحكومي وفي “عمل الخير والبعد عن الكراهية لتقريب القلوب”؛ شاكرا الرئيس بوتفليقة على ثقته به، منوها بخليفته في الوزارة الأولى (عبد المجيد تبون) وتوقع له النجاح بالنظر إلى قدراته.

ويفتح خروج سلال من الحكومة باب التوقعات والتخمينات على مصراعيه حول مصير هذا الرجل، إذ يذهب أغلب المراقبين إلى الاعتقاد أن عبد المالك سلال لن يتم التخلي عنه بهذه السهولة وقد كان وفيا طيلة مساره للرئاسة.

أما قرار تنحيته فهو ينبع من رغبة السلطة في تجديد واجهة الحكم بعد أن أعرب المواطنون في الجزائر عن تذمرهممن الوضع الراهن عبر مقاطعتهم الواسعة للانتخابات البرلمانية الأخيرة.

كما يكون القرار قد صدر لحاجة السلطة لسلال في مهام أخرى، قد يكون تحضيره كبديل من البدائل المحتملة طرحها لقيادة البلاد في الانتخابات الرئاسية بعد أقل من سنتين من الآن. بينما يعتقد بعض الملاحظين، أن تنحيته جاءت تبعا لفشل مشاوراته في تشكيل حكومة ائتلافية تضم أيضا الأحزاب ذات التوجه الإسلامي.

تبون .. رجل المرحلة الحرجة

ينحدر الوزير الأول عبد المجيد تبون (72 سنة) سياسيا من حزب جبهة التحرير الوطني، خريج المدرسة الوطنية للإدارة سنة 1969، وشغل عدة مناصب إدارية وحكومية. وتعلل بعض القراءات تعيين تبون وزيرا أول في هذه المرحلة الحرجة إلى كونه من أكثر الوزراء الذين برزوا في حكومة سلال في الفترة الأخيرة.

ويحظى بثقة الرئيس بوتفليقة الذي راهن عليه في عدة ملفات هامة، أبرزها نجاحه في فك عدة مشكلات في قطاع السكن، وإعادة بعث مشروع بناء مسجد الجزائر الأعظم الذي سحبته السلطة من صلاحيات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف.

ويعد تبون الوزير الوحيد في تاريخ الجزائر الذي حظي بوسام الاستحقاق الوطني بدرجة عشير، أسداه له الرئيس منتصف يونيو 2016، تقديرا للجهود التي بذلها من أجل القضاء على مشكل السكن على المستوى الوطني.

كما تولى تبون باقتدار وجرأة مهمة تسيير قطاع التجارة وزيرا بالنيابة، حيث أطلق سلسلة من الإجراءات للتقليص من حجم نفقات الاستيراد من الخارج. وباشر حملة تطهير واسعة في قطاع التجارة الخارجية والداخلية الذي تحكم قبضتها عليه جماعات المصالح والنفوذ. وساهم في تبني سياسة التقشف المالي إزاء واردات البلاد، وأوقف استيراد كثير من المواد والسلع والحد من عمليات التوريد العشوائي، وحماية الإنتاج الجزائري خاصة المنتجات الزراعية.

تساؤلات حول طبيعة التعديل الحكومي

الحديث عن هذا التعديل الحكومي الأخير بدأ، في الواقع، قبل الانتخابات البرلمانية بأسابيع عدة. وكان يبدو أن عبد المالك سلال سيظل ثابتا في مكانه، لكن الشكل الذي انتهت به الانتخابات البرلمانية والمقاطعة القياسية للناخبين استدعت ضرورة إجراء بعض التعديلات في الأسماء، والانتقال إلى مرحلة أكثر حزما وانضباطا في التسيير الحكومي في ظل استمرار تراجع أسعار النفط مع متطلبات ترشيد النفقات، وهي الإجراءات التي أبان عبد المجيد تبون عن قدرته في انتهاجها والعمل وفقها.

وبما أن كل تغيير لا يفضي حتما إلى النتائج المرجوة، فإن الأحزاب السياسية المعارضة – خصوصا حركة مجتمع السلم التي رفضت المشاركة في الحكومة الجديدة – تعتبر أن هذا التعيين لن يقدم إضافة حقيقية للبلاد، من منطق تدوير السلطة لا التداول عليها، بنفس الذهنية والآلية والأساليب والأشخاص.

وأبدت الحركة عدم تفاؤلها بهذا التغيير، معتبرة أن الخروج من الأزمة الحالية يتطلب إعادة النظر في طريقة الحكم وبوجود رؤية قادرة على تحقيق الانتقال الاقتصادي والتحول الديمقراطي، وليس الاكتفاء بتبديل الأشخاص.

وشكك ملاحظون في استطاعة الحكومة الجديدة على مواجهة المرحلة الراهنة ومخاطر المرحلة القادمة، واعتبروها مجرد امتداد لنفس منظومة الفشل السابقة، ولا يمكن في زمن الانحسار المالي، صنع معجزات بنفس السياسات أمام توترات اجتماعية متصاعدة.

ويعتبرون أن هذا التغيير وقبله،يتم وفق توازنات أجنحة السلطة، ولم يتم في النهاية إلا تدوير المناصب والمهام بين وجوه النخبة الحاكمة. وعندما يتم الاستغناء عن البعض في الحكومات السابقة، يتم تحويلهم إلى الغرفة الثانية للبرلمان ضمن حصة الثلث الرئاسي، أو إلى السلك الدبلوماسي.

أما الجهات التي تتعاطى إيجابيا مع هذا التغيير من أحزاب الموالاة بدرجة خاصة، فإنها تؤكد على قدرة الوزير الأول الجديد على تفعيل دور الحكومة والوصول بها إلى مستوى طموحات الشعب الجزائري. وسيعمل على تحريك جميع الدوائر الوزارية الراكدة، وسيتعامل بنجاح مع تداعيات الأزمة الاقتصادية.

أي رهانات للوزير الأول في ظل الأزمات الراهنة؟

يباشر عبد المجيد تبون مهامه كوزير أول، بعد أن تسلم المهام من الوزير الأول السابق، بتنسيق عمل الحكومة، وتوزيع الصلاحيات بين أعضاء حكومته. وسيسهر على تنفيذ القوانين والتنظيمات، ورئاسة اجتماعات الحكومة، وتوقيع المراسيم التنفيذية. كما من صلاحياته التعيين في وظائف الدولة بعد موافقة رئيس الجمهورية، وفق المادة 99 من الدستور، ويسهر على حسن سير الإدارة العمومية.

وسيقدم الوزير الأول خلال الأيام المقبلة مخطط عمل حكومته للغرفة الأولى للبرلمان للموافقة عليه بعد مناقشة عامة. ويمكن للوزير الأول أن يكيف هذا المخطط على ضوء المناقشة بالتشاور مع رئيس الجمهورية. كما سيقدم عرضا حول نفس المخطط أمام أعضاء الغرفة الثانية للبرلمان الذي بإمكانه أن يصدر لائحة.

وفي حال عدم موافقة الغرفة السفلى على مخطط عمل الحكومة، وهو أمر مستبعد وغير ممكن الحصول في ظل المعطيات الراهنة، فإن الوزير الأول يقدم استقالته، وفق المادة 95 من الدستور، ويعين رئيس الجمهورية من جديد وزيرا أول باتباع نفس الإجراءات. أما إذا رفض أعضاء الغرفة الأولى المخطط ثانيا، فإنه ينحل وجوبا، وتستمر الحكومة القائمة في تسيير الشؤون العادية إلى غاية انتخاب مجلس جديد في أجل أقصاه ثلاثة أشهر.

ووصف الوزير الأول حكومته، في أول تصريح له، بأنها حكومة “رفع التحديات”، وذلك بالنظر إلى الملفات العالقة التي تنتظر الحكومة معالجتها، خصوصا ما يتعلق بملف الأزمة الاقتصادية وشح الموارد المالية المطلوبة لدفع وتيرة التنمية الاقتصادية للبلد.

وينتظر أن تعترض الجبهة الاجتماعية طريق حكومة تبون، لما تشهده من احتجاجات أخذت في التوسع عدديا والانتشار جغرافيا من أبرزها مسيرات مشطوبي ومعطوبي الجيش. وتعد مسألة التشغيل أيضا في مقدمة التحديات التي تهدد استقرار البلاد، إلى جانب الحرص على كسب رهان الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن المنهارة باستمرار في ظل القوانين والممارسات التي تحمل في طياتها سياسة تقشفية صعبة التحمل.

ومن التحديات الكبرى التي تواجه الحكومة الجديدة، التفكير في وضع حلول جدية لإرساء القطيعة مع التبعية شبه المطلقة لقطاع المحروقات، وبعث حركية اقتصادية في جميع المجالات خصوصا الصناعة والفلاحة والسياحة، وتهيئة مناخ ملائم يشجع الاستثمارات وينهض بالاقتصاد الوطني ويعزز الثقة بالمؤسسات العمومية والخاصة.

ومن أجل كسب هذه الرهانات ورفع كل التحديات، تمالتخلي عن 13 وزيرا من الحكومة السابقة وتجديد الثقة في 12 وزيرا. وتم تعيين وزراء جدد يُلتمس فيهم الكفاءة، ينتمون إلى أربعة أحزاب سياسية، ويتعلق الأمر بحزب جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي الذين استحوذا على جل الحقائب الوزارية، ويشكلان معا الأغلبية في البرلمان.

أما الحزب الثالث الذي سجل دخوله في التشكيل الحكومي الجديد هو تجمع أمل الجزائر بحقيبة البيئة والطاقات المتجددة للوزيرة فاطمة زرواطي مهندسة التكوين وصحافية المهنة، وحزب الحركة الشعبية الجزائرية الذي مُنحت له وزارة السياحة والصناعات التقليدية التي سيتولى زمام أمورها مسعود بن عقون أصغر الوزراء سنا (35 سنة).وشملت قائمة الحكومة استوزار شخصيات غير متحزبة، منهم أربعة ولاة للجمهورية ومدراء لمؤسسات عمومية.

ويبقى على حكومة عبد المجيد تبون، فوق هذه الرهانات، التطلع إلى إعادة بناء الثقة بين السلطة وشعبها، وترسيخ قيم الديمقراطية الهادئة، وإقامة مجتمع متماسك يسوده العدل والإنصاف والقانون، ويعيش في كنف الانسجام والأمن.

الوسوم:

الوزير الأول –الدستور – الحكومة الجزائرية – عبد المجيد تبون – عبد المالك سلال – تداول السلطة– تدوير السلطة

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى