fbpx
مقالات

الأزمة السورية؛ عقولها وحلولها

بقلم الباحث : سيهانوك ديبو

يعكس مفهوم الإدارة الذاتية الديمقراطية المؤسسة قبل أكثر من عامين في الشمال السوري- روج آفا ومن قبل عشرات الأحزاب السياسية العربية والكردية والسريان الآشورية وغيرهم كمدلول تاريخي جوانب متعددة لحياة المجتمعات الإنسانية – القوميات والمجتمعات العرقية.

وهو المدلول نفسه الذي يحاول من اجتمع في مدينة رميلان السورية في أواسط آذار العام الحالي بجعل هذا المشروع الذي أثبتت وفق التجربة بأنه ناجح وأنه يصلح أن يكون صيغة ومضمون النظام الفيدرالي الديمقراطي في عموم سوريا؛ وتجعلها كما كل الدول المعتمدة لصيغة الاتحادية أكثر متانة وأكثر التحاماً من ذي قبل.

من حيث أنها تخلق حالة مجتمعية تضمن وضعاً و نظرة و فعلاً مستقراً ثابتاً في نظام قانوني واحد وموحد. كما تعتبر الإدارات الذاتية ودلالاتها ذي تاريخ طويل في التفكير الإنساني والفلسفي، لا سيما في المجتمعات التي سبقت وجود الدولة القومية أو الدول ذات الصبغة الدينية، وما نقصده تحديدا المجتمعات والحضارات التي قامت على أسس تبتعد عن كل ظهور فرداني أو فئوي أو قومي أو ديني أو أي مظهر سلطوي يعمد على طمس معالم التكوين المجتمعي. هذا الأمر يكسبه شيئاً من السهولة و الوضوح والبساطة نتيجة للمعاني والأدوار التاريخية التي مر بها، وللازدواج في مدلولها بين الجانب السياسي كجانب أساسي والجانب القانوني كجانب ضامن، أي ليس حتى اللحظة مدلول قانوني في القانون الدولي ودساتيرها يستفرد على هذا المفهوم الجامع والذي سيحدث لحظة الأخذ به؛ عن طريق إداراته الذاتية الديمقراطية إلى المجتمع الديمقراطي؛ قطيعة ابستيمية لكل الجهات الاستبدادية ومنها المحلية وتقديمها قيوده بعد تحطيمها. يعتبر حل الإدارات الذاتية الديمقراطية كنه النظام الفيدرالي الديمقراطي لروج آفا- شمال سوريا كمفهوم سياسي – فلسفي مُحَددٌ بمنطلقات نظرية أهمها:

1- تمكين نظرية العقد الاجتماعي السوري في أن الاجتماع السوري بحاجة مستديمة إلى تفعيل السمة (القوية) التي يتمتع به من حالة التنوع القومي والمذهبي والاثني، مرجعٌ قوي وحالة أقوى تجعله بحاجة مستمرة بمفاد أن الإنسان السوري السويّ بحاجة قصوى إلى نظيره بغض النظر عن الجنس والدين والانتماء القومي، فالانتماء هنا مرتبط بالمرجعية العامة للاجتماع وهو الوطن والأمة، فيتخلى الفرد السوري وفق نظرية العقد الاجتماعي السوري عن كل نمطية وكل دواع التفتيت بعد حالتي التقسيم المؤسسة عن طريق الاستبدادين الخارجي والمحلي ولواحقهما من ظواهر غريبة كمثل داعش والنصرة وما يرتبط بهما، وهذا العقد هو عقد الأمة الديمقراطية بجميع ثقافاتها المؤدية إلى مثل هذا الاجتماع.

2- إعادة التوازن بين مكامن القوة المجتمعية السورية، والتوازن المتحقق في المجتمع الديمقراطي يسبب ضبطا مجتمعيا في الانسياب اللحظي والمحقق للذات المتوحدة مع الكل مما يسبب وبشكل أُنسي عدم الانزياح والتفرد والقوقعة؛ أي بمثابة السد في وجه تشكيل أو إعادة انتاج أي نظام نمطي مركزي جالب للاستبداد والأزمات كما حاله اليوم.

3- مأسسة المجتمع الاقتصادي الديمقراطي، بتحويل الفرد السوري الموجود المُعِّد للاستهلاك فقط إلى منتج ضمن تشاركيات اقتصادية من خلال المجتمع الزراعي العضوي، و تحويل الكومينات المتشكلة في روج آفا- شمال سوريا إلى أول خلية فاعلة تحقق للثقافة الشرقية “السورية أنموذجا” استقلالية اقتصادية وتكاملاً للأدوار بين المحلي والإقليمي والعالمي. تحقق هذه الخطوة توازنا ايكولوجيا مرتين: مرة بين المدينة والريف ومرة أخرى الحفاظ على الإيكولوجيا، فالبيئة والطبيعة حتى تكون في خدمة الأفراد/ المجتمع يجب أن يكون الأفراد خادمين للطبيعة وحاميين لها بإرادة.

4- المرأة هي العنصر الأكثر فعالية في مجتمع الإدارات الذاتية والأكثر قدرة على احداث التغيير الديمقراطي؛ كيف لا وهي المقيدة بسلاسل السلطة الذكورية منذ الانقلاب الجائر على الحق الأمومي وثقافة الإلهة الأم وحتى يومنا هذا. وحالات القمع المستديمة بحقها يستوجب رؤية ثورية في تولي مهامها والدفاع عن حريتها وفاعليتها في المجتمع جنباً إلى جنب الرجل والتشاطر العادل معه في جميع المجالات.

5- الشباب صانعي التغيير ومؤسسيه، وعلى عاتقهم يتم التغيير المنشود ومسائل التهميش له تنظر إليها مفهوم الإدارة الذاتية على أنه تحجيم للمجتمع ومنع أي تحول وتغيير ديمقراطي فيه. 6- كما أن الإدارات الذاتية ترى بأن حق الحماية الذاتية والدفاع المشروع مسألة أولية ونهائية، إذْ لن يكون لأي مجتمع قائمة متغيرة نحو التطور الحتمي لمسار الشعوب إذا ما لم يؤمن جميع أفراده أن مسألة بقاء الإنسان ودرئه من الفناء منذ تشكل المجتمع الزراعي الأول أي قبل أكثر من عشرة آلاف سنة كان أبرز عوامل استمراريته هو الحاجة والاقتناع أن الإنسان وفي كل المراحل كفرد وجزء مجتمعي يتوجب عليه ممارسة الحماية الذاتية الطبيعية وحق الدفاع المشروع الوطني.

حالة الدفاع المشروع المتحققة اليوم على يد قوات سوريا الديمقراطية ومن ضمنها وحدات حماية الشعب والمرأة في شمال سوريا أدت إلى نتيجتين في الوقت نفسه حماية جميع المكونات من داعش والنصرة إضافة إلى منع هذه المناطق أن تكون مَكبَّاً لبراميل السلطة السورية كما جرى في مناطق أخرى.

الهدف من تحرير منبج هو الهدف نفسه من تحرير بقية المناطق المحرَرة؛ تمكين الشعب وجميع المكونات من إدارتهم ذاتياً، ولا علاقة لتحرير منبج وبقية المدن التي يجب أن يتم تحريرها بِما يُثار من لغط أو تشويه من مصدر تركي وبعض المقايضين السوريين معها. كما أنه من الوهم الكبير أن يعيش الشخص الحي الحالي ويظهر اصراراً لا مبرر له في العيش متوحداً ضمن فترات تاريخية لم يكن فيها موجوداً بالأساس ولم يؤخذ رأيه في نمط ذلك العيش بالأساس ولا تلبي قيمة الإرادة الحرة بالأسِّ والأساس. كل المهم وكل الواجب -هذا ما ينطبق على مدينة منبج وتحريرها- أن نفكر للمستقبل ونؤسس له اليوم ونستفيد –سويّة كسوريين- من الأخطاء التي حدثت في التاريخ وخسر إثر هذه الأخطاء الجميع دون استثناء.

إن مشروع النظام الفيدرالي الديمقراطي لروج آفا- شمال سوريا؛ يعبّر عن حقيقة الماضي المغيّب في الشرق الأوسط ومشرقه، وهو نفسه بمثابة استنبات للقيم المنتجة من فعل العيش المشترك وأخوة الشعوب ووحدة المصير، وهو الرفض الأخير للدولة القوموية التي أَفُل نجمها أو في قيد الأفول؛ وما تقوم به مجموعات الظل وأسرى الوهم ومرتعبي التغيير وهي بطبيعة الأحوال مجموعة من خليط غير متجانس نظرياً وعملياً؛ قاسمهم المشترك الذهنية المتحجرة؛ تحجروا ولم يبدوا أي رفض إزاء ما قامت به داعش والنصرة ومن يرتبط بهما في كل بقعة سورية من قتل وتدمير وتهجير وتغيير لأسماء القرى والبلدات والمدن واستعاضتها بأسماء ثقافوية غريبة عن ثقافة المجتمع السوري بكل مكوناته، ونجد هؤلاء اليوم بأنهم يمارسون أفعالاً بمزاعم نسجوها من مخيلة ذهنيتهم غير المُعِّدة لأي تغيير يجب أن يحصل، ويدّعون أموراً لم تحدث ولا يمكنها أن تحدث كمحاولة تشويه الواقع كما في عملية تحرير ريف الرقة الشمالي أو ما يحدث في منبج هذه اللحظات. عملياً هناك من يسعى أن يُنَطِّق التاريخ ويعتقه من الصمم والشلل الذي استبد به في حاضره ومستقبله؛ وهناك من يبغي الاسْتِبقاء شبحاً في الحاضر والمستقبل.

بين هؤلاء معارك ميدانية وفكرية لا يمكن أن تنتهي بين لحظة وأُخراها. وكما العادة المنطقية المُحْكَمة: الاصطفاف للأفضل ومن يحمل أفضل المشاريع؛ للأهم ومن يحرص أن يكون مهماً ويُدرِك بأن القوة في الثورة ليس مجرد حديث إنما يكمن في امتشاق السلاح المدافع عن فكرة النهوض المجتمعي كما حال مشروع الفيدرالية الديمقراطية.. اليوم وغداً ومستقبلاً. وهذا أصل العراك والمعترك في الأزمة السورية بعقولها وحلولها.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق