fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

القوة الناعمة الدبلوماسية الايرانية أنموذجا

أعداد الباحث : حسن سعد عبد الحميد التحافي

المركز الديمقراطي العربي

تمهيد:
كانت القوة الناعمة ولا تزال وستظل احدى ابرز المتغييرات الهامة في حقل السياسة الدولية ومحور هام للصراع ، ولها القدرة في التأثير على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في اي مجتمع من المجتمعات ، وهي وسيلة هامة تلجأ اليها الدول لتحقيق اهدافها وتطلعاتها في البيئة الدولية.
ويشير لنا تاريخ العلاقات الدولية أن الدول في علاقاتها من حيث منطق القوة تسير في اتجاهين القوة العسكرية ، القنوات الدبلوماسية ،ففي السابق اعتمدت الدول على قدراتها وامكانياتها العسكرية لتحقيق اهدافها لكونها منخفضة التكاليف نسبياً آنذاك ،لكنها أضحت اليوم مكلفة جداً من حيث القدرة الاقتصادية والموارد البشرية وهذه التكلفة لم تعد مقبولة على الاطلاق ، هذا الأمر ادى الى حدوث تغيير جوهري في طبيعة القوة نفسها ، إذ وجد أن هنالك قوة اخرى تحقق نفس الاهداف التي تسعي اليها القوة الصلبة بأقل التكاليف وهي القوة الناعمة.
أن الذي يهمنا في هذه الورقة البحثية هو طبيعة الدبلوماسية الايرانية التي اصبحت مصدر هام في القوة الناعمة الايرانية خصوصاً بعد الاتفاق النووي الاخير ، فالدبلوماسية الايرانية اعلنت انها حاملة للواء القيم السامية والمشروعة للشعب الايراني ،فضلاً عن جملة الطروحات الايرانية على الساحة الدولية وعرضها على انها شرعية واخلاقية ، وهذا ما ستتناوله الورقة البحثية في المحاور التالية:-
مفهوم القوة الناعمة
يعد مفهوم القوة الناعمة من المفاهيم الحديثة في الحقل البحثي الاكاديمي ، حيث يعد جوزيف ناي أول من استخدم مصطلح القوة الناعمة من خلال كتابه وثبة القيادة الذي صدر في اواخر القرن العشرين ثم عاد واستخدمه مرة اخرى في كتاب مفارقة القوة الامريكية الذي صدر مطلع هذا القرن ، ثم توسع في استخدامه بكتاب خاص حمل عنوان القوة الناعمة وسيلة للنجاح في السياسة الدولية ، حيث عرفها انها القدرة على صياغة خيارات الاخرين والحصول على ماتريد عبر الجاذبية والسحر بدلا من الاكراه والقهر والدفع القسري
وبين جوزيف ناي أن القوة الناعمة تدعمها ثلاث مصادر هامة هي
الثقافة (العادات – التقاليد – السلوكيات – القيم المجتمعية ) –
القيم السياسية ( التطابق بين الداخل والخارج ) –
السياسة الخارجية ( الشرعية ) –
حيث بين أن الموارد التي تنتج القوة الناعمة لدولة ما تعبر الى حد كبير عن قيم وثقافة تلك الدولة وطبيعة ممارستها الداخلية والخارجية
ويرى أحد الباحثين أن القوة الناعمة هي القدرة على تحقيق الاهداف الدولية عن طريق الاقناع والتعاون بدلاً من استخدام القوات المسلحة أو العقوبات الاقتصادية وغيرها من اشكال الاكراه، فاستخدام القوة الناعمة يتم من أجل الوصول الى غاية مطلوبة من خلال جذب الاخرين وليس باللجوء للعنف والتهديد ، فالدولة المستخدمة للقوة الناعمة يجب ان تكون قادرة على
التفاعل والتواصل مع الاخرين وأن فشلت في ذلك فأن قوتها الناعمة ستكون دون تأثير،ويرى البعض انه على الرغم من الاستخدام الواسع لمفهوم القوة الناعمة الا انه لا زال مفهوما
معقداً ويفتقر الى الوضوح وان نهج جوزيف ناي
للقوة الناعمة لا يقدم اجوبة واضحة لبعض الاسئلة المثارة مثل اذا كانت القوة الناعمة تتسم بالجاذبية فما الذي يجعل من ثقافة ما جذابة ؟ كيف يمكن قياس القوة الناعمة ؟وغيرها من الاسئلة .
هذه الاسئلة جعلت البعض يشكك بجدوى القوة الناعمة وانها مجرد غلاف وردي للقوة الصلبة أن الذي يهمنا في هذا المحور هو تطبيق افكاره الاساسية على الواقع الايراني وهو ما سيتناوله المحور الثاني.

الدبلوماسية قوة إيران الناعمة :
الدبلوماسية بصورة عامة هي من ابرز وسائل السياسة الخارجية التي تؤثر على القوة الناعمة لجذب الاخرين في الاتجاه المرغوب به ، وازدادت اهميتها كثيرا بفضل التطور الكبير في وسائل الاتصال المختلفة والتي جعلت من المخاطبة والمواجهة أمراً ممكنا ، وهنا نجد ان الدبلوماسية الايرانية كان لها الفضل الاكبر في انتاج القوة الناعمة الايرانية من حيث
قدرتها على شرح قرارات السياسة الداخلية والخارجية الايرانية وتوضيحها للرأي العام الايراني والدولي لكونها اداة للتعامل مع الازمات
لها بعد استراتيجي من حيث التحشيد السياسي والاعلامي للهدف المرصود تحقيقه وهذا ما نجحت فيه ايران بعد توقيع الاتفاق النووي
ساهمت في تنمية العلاقات مع اللاعبيين الاساسيين في البيئة الدولية وخصوصا روسيا والصين
فالدبلوماسية الايرانية نشاط سلوكي مرتبط بهدف ومقترن بقدرة تأثيرية تتخذها ايران لمواجهة غيرها من وحدات النظام الدولي ، وغالباً ما يتم توظيفها بسلوك سياسي معين بغية تحقيق هدف صعب على صعيد سياستها الخارجية .
فهذه الدبلوماسية دبلوماسية ناعمة قائمة على اساس الاستماع للاخرين دون ملل والتشاور معهم في المؤسسات الدولية والعمل وفق قواعدها ، حيث تساهم هكذا نوع من الدبلوماسية بخلق بيئة مؤاتية للسياسة الخارجية الايرانية على انها ودية وشرعية وذات مصداقية وهذا بدوره ساعد الحكومة الايرانية على تحقيق اهدافها.
أن ما يميز السلوك الدبلوماسي لطهران أنها استخدمت قوتها الناعمة كي تعزز من فلسفة الشرعية الدولية أو كما اوحت هي بذلك والعمل في إطارها من حيث الحق في استعمال الطاقة النووية للاغراض السلمية ، فايران تعلم ان خروج قوتها الناعمة عن أطار الشرعية الدولية قد يقلل من جاذبية سياساتها الخارجية ويتم النظر إليها على انها عدوانية ، وهي بذلك استفادت من الدرس العراقي عام 1990م عندما لم يوظف قوته الناعمة بصورة جيدة ضمن أطار الشرعية الدولية واعتمد على القوة الصلبة .
وفي الحقيقة أن الحركة الدبلوماسية الايرانية تنطلق في عملها على الشرعية الدينية والشرعية القانونية وهذه الاخيرة نجدها في الدستور الايراني وفي الوثيقة الاستراتيجية التي تحمل عنوان ( إيران 2025 ) وهي وثيقة رسمت موقف إيران الاستراتيجي للمدة بين 2005 – 2025م والتي تعد أهم وثيقة استراتيجية ايرانية قد تم وضعها من قبل الايرانيين ، حيث رسمت تلك الوثيقة البعد المستقبلي للدور الايراني في المنطقة للمدة المذكورة أنفاً ، حيث تهدف هذه الوثيقة جعل إيران قوة متنامية في الشرق الاوسط وجعلها قوة دولية مؤثرة في مجمل القضايا العالمية ، وهذا ما حققتهُ الدبلوماسية الايرانية مؤخراً . حيث استطاعت تلك الدبلوماسية من صياغة اتفاق نووي لصالح ايران بعد مدة طويلة من المفاوضات الذكية من قبل المفاوض الايراني ، صحيح أن إيران تنازلت عن حقها في نسبة التخصيب من 20% الى 5% وعدم بناء اجهزة طرد مركزي جديدة ، لكنها في المقابل استطاعت الحصول على مكتسبات عديدة أهمها رفع العقوبات الاقتصادية التي تتعلق بقطاع الغذاء والدواء وصناعة السيارات والتحويلات المصرفية ، فضلاً عن ضمانها لنسبة التخصيب 5% داخل اراضيها بدلاً من المقترح الذي طرح سابقاً من ارساله للمفاعلات الفرنسية ليتم تخصيبه هناك ، وهذا الامر أدى إلى ادخال ايران في لعبة توازنات جديدة في المنطقة لم تكن متاحة لها سابقاً ، حيث تم الاعتراف رسمياً من قبل الادارة الامريكية بأن حل مشاكل المنطقة لن يتم دون أن يكون لايران دوراً فيه وخصوصاً الحالة السورية ، وهذا الأمر ما كان لينجح لولا الدبلوماسية الايرانية التي اتبعت نفس تكتيك الولايات المتحدة الدبلوماسي بأتباع سياسة الابواب المفتوحة لا الباب الواحد ، ودعمت موقفها الدولي بأوراق العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين .
أن هذا النجاح الدبلوماسي تحقق بفضل اعتماد جهاز السياسة الخارجية الايرانية على الكفاءات الجامعية الايرانية في ادارة علاقاتها الدولية ، ولعل من أبرز تلك الكفاءات ( محمد جواد ظريف ) الذي اتبع دبلوماسية ( باسمة ) في المحادثات النووية الايرانية الغربية ، حيث وصفته مؤسسة (كارنيجي للسلام الدولي) بأنه انجح دبلوماسي حظيت به ايران بعد الثورة ، حيث استطاع بوجه الباسم واتقانه للغة الانكليزية أن يبني علاقات وثيقة مع الدبلوماسيين الاجانب ولا سيما ( جون كيري ) الذي ينادي كل منهما الاخر بأسمه الاول ، فدبلوماسية (ظريف) تتصف بالصبر الطويل ولديه قدرة عالية على الاصغاء والمثابرة وعدم الاستسلام ، ولعل هذه الصفة الدبلوماسية ذكرها (ظريف) في مذكراته قائلاً (ينبغي ان تبتسم دوماً في المساعي الدبلوماسية لكن شرط ان لا تنسى أنك تحادث عدواً ) .
أن مايثير الاعجاب في هذه الدبلوماسية انها دبلوماسية متطورة وجاءت متزامنة مع التطور العسكري والاقتصادي والتكنولوجي الذي شهدته ايران ، والسؤال الذي يطرح نفسه هل تحققت هذه الدبلوماسية بالصدفة ؟
هذا النوع من الدبلوماسة مدروس بعناية من حيث تطوير العلاقات مع الاصدقاء الى مستوى التحالف الاستراتيجي والعمل على اكتساب شركاء جدد واستخدامهم كورقة ضغط اثناء الازمات ، فضلاً عن السعي لايجاد مناطق نفوذ وعلاقات جديدة مع الاطراف غير الصديقة وقد اجادت ايران ذلك بصورة كبيرة .

مستقبل القوة الناعمة الايرانية :
إذا ما حاولنا رسم مشاهد وسيناريوهات مستقبل دبلوماسية ايران الناعمة يتضح لنا أن رسم تلك المشاهد يمكن التنبؤ به من خلال الاعتماد على جملة من المؤشرات التي تشكل اللوحة المفتاحية التي من الممكن أن ترسم خارطة مستقبل تلك القوة ، لذلك نحن امام مشهدين :-
– مشهد استمرار نفوذ القوة الناعمة الايرانية
حيث ينطلق هذا المشهد من فرضية اساسية مفادهاأن القوة الناعمة الايرانية ستعاظم دورها بأستمرار بفضل استمرار تقدم طهران اقتصاديا ومعلوماتياً وعسكرياً وتكنولوجياً ، فضلاً عن قدرنها على التحكم واللعب بأوراق هامة في المنطقة (سوريا ، لبنان ، اليمن ، العراق …) وأجادة توظيفها لصالح تلك القوة ، فضلاً عن قدرتها الدبلوماسية على المناورة وتوظيف منجزات العولمة في تعظيم دورها الاقليمي والدولي ، وهذا الامر لا يقتصر على قوتها الناعمة فحسب بل الصلبة كذلك .
– مشهد تراجع القوة الناعمة الايرانية
هذا المشهد يرى ان ايران سيتراجع دورها تدريجياً كون ان الظاهرة السياسية بحد ذاتها هي ظاهرة متغييرة تتسم باللاانتظام والتغيير السريع ولا تثبت على حال ، حيث يفترض هذا المشهد حدوث تغيير مستقبلي في سلوك اللاعبيين الدوليين ازاء النووي الايراني ، وان ايران ستركز كل جهدها مستقبلاً على القوة الصلبة لضمان هيمنتها في المنطقة الاقليمية المحيطة بها ، وبالتالي فأن هذا الامر سينتج عنه بيئة اقليمية فوضوية مضطربة في المستقبل ستكون لها تداعياته الدولية والتي ستؤثر على استقرار النظام الدولي العام وبالتالي طغيان فكر القوة الصلبة وتراجع حاد للقوة الناعمة ، فقوة ايران الناعمة ما هي الا غلاف رقيق لقوتها الصلبة. وهذه القوة تحمل في طياتها جملة من التناقضات من حيث أنها تركز على التأثير والتواصل مع الاخرين ومن ناحية تركز على أطار الاستقطاب الطائفي في المنطقة والذي اضر كثيراً بقوتها الناعمة وافقدها الكثير من التعاطف الاقليمية .

ويفهم من كل ما سبق ان القوة الناعمة الايرانية لها العديد من الاذرع الداخلية والخارجية ، واقوى اذرعها الدبلوماسية الايرانية التي حققت لايران اهدافها الاستراتيجية المعلنة ، فضلاً عن قدرتها على مواجهة الحصار الغربي الامريكي وتقليص حجم اثاره السلبية على المجتمع الايراني ، وهذه الدبلوماسية قائمة على فكرة التعامل المدروس مع الاعداء والتعامل معه كصديق الى حد ما وكعدو الى حد .

المركز الديمقراطي العربي

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق