fbpx
تحليلات

ثلاثة مشاهد لإستراتيجية اللعب في السياسة الدولية في إقليم الشرق الأوسط

الدكتور ميلاد مفتاح الحراثي
ثلاثة مشاهد لإستراتيجية اللعب في السياسة الدولية في إقليم الشرق الأوسط
( الجزء الثاني)
المشهد السوري / التركي وتعدد اللاعبين:
منذ سنتين والمشهد السوري يتخذ من المد والكر والفر سياسات يومية ، فلا منتصر أو مغلوب، في محاولة لإدخال الوضع السوري في أتون ثورات الربيع العربي بكل الطرق والوسائل. ويتمتع المشهد السوري بتعقد وتعدد اللاعبين فيه داخليا وخارجيا. فهناك الجيش العربي السوري، وقوات حماس الفلسطينية والاستخبارات التركية والأردنية والقطرية والسعودية، والتواجد الإيراني الداعم للجبهة السورية، إضافة إلي محاولات الجناح اللبناني المعارض لسوريا ودعمه للمقاتلين عبر الأراضي اللبنانية، واستغلال مدينة القصير- عرسال منفذا للدعم العسكري ، إضافة إلي التواجد الامريكى ألاستخباراتي والعسكري في الأردن، ونشر صواريخ الباترويت علي الحدود السورية الأردنية.
ويتكون المشهد الداخلي السوري المعارض من هيئة الثورة السورية والجيش الحر والمجلس العسكري السوري، جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويشكل الأجانب القوة الأكبر في القتال داخل المناطق السورية ومنهم كتيبة الفاروق، أنصار الشريعة وجبهة النصرة وكتيبة أبناء الله لواء وأنصار الحق وكتيبة ورجال الله ولواء أنصار الحق وكتائب أهل الأثر والصوفية الجهادية والسلفية الوهابية والي غيرها من الكتائب والمسميات والتي في عمومها متصلة بالاتجاهات الإسلامية.
من المفارقات الشرق أوسطية دعم حركة حماس الفلسطينية للمعارضة السورية بدون توفر مبررات لهذا الدعم. تركيا بادرت بفتح حدودها للمقاتلين الأجانب ومن مختلف الجنسيات بدء من الشيشان إلي ايرلندة وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وتونس والجزائر والسعودية ومصر، وذلك من خلال فتحها لمطار إنطاكيا التركي لعبور المقاتلين الأجانب.
والمفارقة الجديدة تتعلق بالدور والمواقف العراقية تجاه الأزمة السورية حيث جاهر العراق برفضه للتدخل الخارجي ودعمه للنظام السوري بالوقود والسلع وملاحقة المقاتلين الفارين من الحدود السورية إلي العراق. ومن المعروف إن العراق وسوريا تمران بموجة من العنف والإرهاب وبدرجات متقاربة حيث القتال في سوريا امتد إلي صحراء الانبهار والقبض علي مقاتلين في الأراضي العراقية قادمين من سوريا.
والمفارقة الأخرى تتعلق بالدور السعودي وانضمامه إلي المحور القطري، حيث الأولي تغذي القتال هناك من خلال إعفاء السجناء العرب بالسجون السعودية من عقوبة الإعدام والذين يصل عددهم إلي 2000 سجين عربي محكوم عليهم بالإعدام من قبل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مقابل سفرهم إلي سوريا للقتال. وكان الداعية السعودي محمد ألعريفي قد أصدر فتوى في وقت سابق بجواز جهاد المناكحة للفتيات المسلمات للمجاهدين في سوريا، وحدد ألعريفي سن 14 عاما كحد ادني للمجاهدات، هذا وكانت قد تحدث وسائل إعلام عن جهاد المناكحة بعد استغاثة أرسلها أب وأم تونسيان لابنتيهما يطالبانها بالعودة بعد أن غادرت المنزل وتركت لهم رسالة أنها في طريقها لسوريا لتجاهد جهاد المناكحة، الأمر الذي أنكرته المعارضة السورية وقيادات للمعارضة السورية ووصفت هذا النوع من إخبار بأنها تعمل علي تشويه المعارضة السورية، ولكنهم اليوم يعترفون أن مراسلة الجزيرة مارست جهاد المناكحة! ويذكر أن جهاد المناكحة يتلخص أن الفتيات يقدمن أنفسهن للمجاهدين ليمارسوا معهم الجنس بدون زواج وبدون عقد، علي سبيل الترفيه عن المجاهدين
إذا المشهد السوري يتصف بتعددية اللاعبين فيه والمشاركين في تغذيته سوي من الداخل أو الخارج، وتحت مظلة النظام الدولي والأمم المتحدة ، حيث لم نسمع من هولاء أي تدخل أو إدانة لأكلي لحوم البشر، ولعل موقف مجلس حقوق الإنسان وإعلانه الأخير الإدانة للنظام السوري مشهد أخر يوضح مدي تورط المنتظم الدولي في النزاع السوري الداخلي. وبالتالي فان المشهد السوري هو مشهد سوري إيراني تركي حيث المحور الإيراني مع النظام السوري ويبقي المحور التركي كأداة بالوكالة عن المحور القطري السعودي الغربي .
والأمم المتحدة في الأزمة السورية لم تبادر إلي الدعوة بالتحقيق في قضايا غاز السارين، سوى المقبوض عليهم في الأراضي التركية أو في الأراضي العراقية، وكذلك تجاهل استعمالات غاز السارين في الأراضي السورية.
المشهد الصيني الروسي:
كما اشرنا إن اللاعب الصيني والروسي لهما ما يؤثر في مجريات اللعب . تطابق المواقف الصينية والروسية حول الأزمة السورية يكمن في تمسكهما بمبادرة جنيف الأولي كأساس للحل، ويتولي الروس إدارة الموقف الصيني الروسي باستعدادات غير مسبوقة كتلك المواقف الداعمة للموقف السوري وإرسال المعونات الإنسانية والإفصاح عن تزويد سوريا بأنظمة صواريخ متطورة. لقد ذهب الروس أيضا إلي القبول بمحادثات أخري تحت مسمي جنيف 2 ، والتي أعلن عنها مؤخرا، ولكن معضلة المشاركين في جنيف 2 لا تزال غامضة.
لقد استعمل الروس أكثر من مرة حق الفيتو أو النقض ضد مشاريع قرارات من مجلس الأمن خصوصا المشاريع البريطانية والفرنسية، لإدانة سوريا. ليس ذلك فقط ولكن أيضا إرسال واستعمال سياسة القارب الدبلوماسي من خلال إرسال البوارج الحربية إلي منطقة شرق المتوسط وكذلك إرسال الغواصات النووية المضادة للغواصات. لقد رفضت سوريا اللاعب العربي مم3ثلا في جامعة الدول العربية باعتبارها طرفا في الحرب السورية عندما تم طرد سفير سوريا من مقعد الجامعة العربية وتجليس الجيش الحر، ومن هنا فان النظام الإقليمي ليس له مقومات اللاعب الإقليمي في الأزمة.
لقد ذهبت إستراتيجية اللعب الدولية في الإقليم الشرق أوسطي إلي تولي القطب الروسي إدارة الملف السوري في السياسة الدولية المدعوم بالمواقف الإيرانية والصينية ومجموعة البريكس الاقتصادية والتي تشمل جنوب إفريقيا والصين وروسيا والهند والبرازيل . ومن هنا يستمد القطب الروسي قوته واستمراره في تولي ملف الأزمة السورية، وكلاعب مهني في إدارة الأزمات.
المشهد الأمريكي والغربي:
الولايات المتحدة وأوروبا هما أول من هيج الأزمة السورية ودعم مناطق الاشتعال والاضطراب في الإقليم المتوسطي، وتحت غطاء الديمقراطية وحقوق الإنسان وثورات الربيع العربي، ترسيخا لنظرية التعطيل العربي ونظرية التفكيك الخلاق للانسجه السورية تحت ذريعة الأزمة المالية التي تمر بها أوروبا. وكل سياسات أوروبا نحو الأزمة السورية عبارة عن نسخة ثانية من السياسات الأمريكية تجاه سوريا. ومن هنا فوضت أوروبا الولايات المتحدة بإدارة الأزمة نيابة عنها.
اللاعبان الفرنسي والبريطاني اتبع سياسات التلويح بإجراءات قاسية ضد سوريا في خطوات متناسقة للمواقف الأمريكية، ويبقي الثقل الأمريكي طاغيا علي صوت أوروبا.
المشهد الأمريكي يبدوا انه يعاني من وحدة المواقف داخل أدرته، فهناك تغيرات كثيرة ومتعددة لتولي الملف السوري، مثلا تكليف مندوبة أمريكا في مجلس الأمن بتولي حقيبة الأمن القومي، واستقالة العديد من المستشارين الأمريكيين بالبيت الأبيض، أيضا استبدال الممثلين الأمريكيين في مؤتمر جنيف 2 أكثر من مرة.
لقد تأثر المشهد الأمريكي بكثير من التطورات في إقليم الشرق الأوسطي. ضعف الموقف المصري في التعاطي بالوكالة في الملف السوري، وإعادة سفيره إلي دمشق، تنامي التأثير الإيراني في مجمل المشهد السوري، انشغال تركيا بثورتها الداخلية والاحتجاجات والعصيان والاضطرابات والتي تطالب باستقالة حكومة أردوغان الداعمة للمعارضة السورية. إن الاضطرابات التي تشهدها تركيا من غير المعروف إلي أين يصل مداها وتأثيراتها، حيث المشهد التركي يذهب إلي المزيد من التصعيد الداخلي ضد سياسات حزب العدالة والتنمية مع دول الجوار خصوصا سوريا والعراق.
إذا تداعي المواقف التركية وانشغالاتها بملفها الداخلي سوف يؤثر بكل تأكيد علي طبيعة الدور التركي في سوريا، وكذلك علي مساندة المواقف الأمريكية في الإقليم. لقد أفصحت إحداث تركيا الأخيرة والانتصار في معركة القصير ضعف الإدارة الأمريكية في إدارة ملف الأزمة لمصالحها ومصالح إسرائيل ( دولة التهديد والوعيد)
الأمر الذي يفسح المجال واسعا إمام القطب الروسي لفرض رؤيته للحل في مؤتمر جنيف 2.
خلاصة التحليل: المشاهد السابقة وضحت لنا سيناريو جديد في إستراتيجية اللعب في السياسة الدولية تجاه إقليم الشرق الأوسطي. صعود الدور الروسي المدعم بمجموعة البريكس، وتشكل نظام جديد تحت مسمي نظام القطبية الثائية واندحار نظام القطبية الأحادية. إن العودة إلي نظام القطبية الثنائية أصبح يلوح في الأفق من خلال ضعف الادعاء الخارجي الأمريكي وعجزه علي إدارة أدواتها المكلفة بإدارة الأزمة في الإقليم، خصوصا الوكالات القطرية والسعودية والتركية. والجانب الأخر الذي أفصحت عنه المشاهد السابقة صعود دور حزب الله في الأزمة السورية وقتاله إلي جانب الجيش السوري.
أيضا التناقض في دور اللاعبان الفرنسي والبريطاني، من جهة هذه الدول تدعم المعارضة السورية المسلحة وهي في مجملها مقاتلين أجانب في سوريا تدير المعارك بالوكالة ، ومن جهة أخري تقاتل المتطرفين الإسلاميين في مالي والنيجر وفي جنوب ليبيا، الأمر الذي أسهم في طبيعة دورهما في إستراتيجية اللعب الشرق أوسطي وتأثيراته الضعيفة.
عموما، إن إستراتيجية اللعب في السيناريو السوري متعددة اللاعبين من الإقليم وخارجه، وهناك في الأفق سيناريوهات عديدة سوف تلقي بظلالها علي النظام الإقليمي العربي والأوسطي والنظام الدولي برمته، وإعادة تشكل توازن القوى بين لاعبين جدد ، ولكن الإحداث القادمة سوف تعزز وقد لا تعزز رؤيتنا.

Dr. Professor Milad M. ELHARATHI
Dr. Professor Milad M. ELHARATHI
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق