الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

نحو إنشاء منظمة دولية مستقلة للسلم والأمن مع إعادة حصر وظائف الأمم المتحدة في المجالين الإنساني واللوجستي

إعداد: عمرو سليم – باحث دكتوراه في العلوم السياسية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

1.5 مليون، 122 مليون.. هذا الرقمان ليس لمبالغ مالية أو تكلفة رحلات وسفريات حول العالم بل هما لأشخاص قتلوا وشردوا بسبب الصراعات والنزاعات المسلحة خلال أخر عشر سنوات، فخلال العقد الأخير انتشرت الحروب وأعمال القتال بين الدول بعضها البعض، وأصبح العالم كغابة كبيرة يؤكل فيه الضعيف ولا يجد من ينقذه، وغاب السلم وحل محله السلاح، وأصبح التفاخر بسباق التسلح وتكديس الأسلحة شيء طبيعي بين الدول، وانتشرت الفيروسات القاتلة المجهولة بجميع مناطق العالم، وسط ذلك المشهد الأليم نجد أن الأمم المتحدة تُسارع من خلال مسؤوليها أصحاب الياقات البيضاء والبدل الأنيقة للأعراب عن قلقها واستنكارها وعميق أسفها، كأن تلك المنظمة تعيش في عالم أخر أو تغمض عينيها عن الحقيقة التي وصل إليها العالم، أو ربما لعجزها وضعفها الشديد الذي وصلت إليه.

صراعات عالمية لم يسبق لها مثيل

عرض تقرير مؤشر السلام العالمي لعام 2025 الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام (IEP) تحليلاً شاملاً لحالة السلام في 163 دولة ومنطقة مستقلة، تغطي 99.7% من سكان العالم، ووجد أنه قد تراجع متوسط مستوى السلام العالمي بنسبة 0.36% في عام 2025، وهو العام السادس على التوالي من التدهور، ليصبح العالم أقل سلمية بنسبة 5.4% منذ انطلاق المؤشر في عام 2008، واتسعت الفجوة بين الدول الأكثر والأقل سلمية بنسبة 11.7% خلال العقدين الماضيين، كما بلغت التكلفة الاقتصادية العالمية للعنف 19.97 تريليون دولار (تعادل القوة الشرائية) في عام 2024،  يمثل هذا المبلغ 11.6% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أو ما يعادل 2,455 دولاراً لكل فرد، حيث وصل الإنفاق العسكري العالمي إلى مستوى قياسي بلغ 2.7 تريليون دولار في عام 2024، بزيادة قدرها 9% عن العام السابق، وهو ما أدى لزيادة التكاليف المرتبطة بقتلى النزاعات بنسبة 421% منذ عام 2008.

يوجد حالياً 59 نزاعاً نشطاً بين الدول، وهو أعلى عدد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشارك 78 دولة في نزاعات خارج حدودها، بزيادة قدرها 175% في النزاعات الداخلية “الدولية” منذ عام 2010، انخفضت النزاعات التي تنتهي بانتصار حاسم من 49% في السبعينيات إلى 9% في العقد الأخير، الإنفاق على بناء السلام وحفظ السلام يمثل 0.52% فقط من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي، وقد انخفض عدد قوات حفظ السلام بنسبة 42% خلال العقد الماضي رغم تزايد النزاعات، كما أن هناك 17 دولة يعيش فيها أكثر من 5% من سكانها كلاجئين أو نازحين داخلياً.

 تزايد نفقات الأمم المتحدة واختفاء دورها الأساسي

يعتبر حفظ السلم والأمن الدوليين عبر منع النزاعات وقمع العدوان وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية وفق القانون الدولي، وتعزيز العلاقات الودية بين الدول على أساس المساواة، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، من أهم مبادئ الأمم المتحدة وميثاقها، الذي وقعت الدول الأعضاد وقبلت به، إلا أن الوقع والأرقام المذكورة – في الأعلى – عن الصراعات المتزايدة وانتشار العنف واستعمال القوة يشير إلى فشل المنظمة الأكبر عالميًا في تحقيق أهم أهدافها، وهو ما يثير التعجب وعلامات الاستفهام على الرغم من ارتفاع عدد موظفيها ليصل إلى 60 ألف شخص بالأمانة العامة والمنظمات الفرعية والمكاتب حول العالم، لتتخطي ميزانيتها بالإضافة لميزانية حفظ السلام مبلغ 9 مليارات دولار سنويًا، وذلك مع المزايا والرواتب التي يحصل عليها موظفيها، وهو ما يثير الدهشة من تحول المنظمة إلى وسيلة للمناشدة ومكان للمؤتمرات والجلسات والصخب الإعلامي، بدون تحقيق أهدافها الرئيسية بل يعتقد البعض أنها تحولت لعبء عالمي من نفقات وموظفين في تزايد وعالم يتجه للأسوأ يومًا بعد يوم.

مشهد الفشل العالمي جعل المنظمة تفقد قوتها وبريقها العالمي أمام البعض، وهو ما كان له بالغ الأثر في انصراف بعض الدول والقوى الكبرى عن التوجه للأمم المتحدة كوسيط دولي في النزاعات، واستبدال ذلك بالتحرك الفردي أو التوجه لتكوين تكتلات تحالفات دولية، ليخرج الأمين العام للأمم المتحدة مؤخرًا يحذر من أن السيولة النقدية لدى المنظمة قد تنفد بحلول شهر يوليو، وذلك في الوقت الذي تواصل فيه المنظمة التصدي لأزمة مالية تفاقمت بشكل كبير بسبب تأخر المدفوعات الأمريكية، وهو ما جعل الهيئة الأممية تواجه “انهياراً مالياً وشيكاً”، وأنه إذا استمرت الاتجاهات التاريخية على ما هي عليه، فإن ميزانيتها العادية قد تُستنزف بالكامل خلال الأشهر الستة المقبلة.

 غياب الإصلاح الحقيقي

تحدث الأمين العم للأمم المتحدة عن إصلاح الأمم المتحدة أكثر من مرة، خلال السنوات العشر الأخيرة، تظل أحاديث لم يظهر منها تحرك فعلي له نتائج ملموسة على أرض الواقع، الغريب في الأمر أنه بدلًا من الاكتفاء بالعديد من المنظمات التي تعمل في مجال السلم وألاف الموظفين العاملين بها، والعمل على تفعيل دورها وإصلاحها، إلا ان الأمم المتحدة كان لها وجهة نظر أخري لتقرر في عام  2020إنشاء إدارتين جديدتين، الأولى إدارة “الشؤون السياسية وبناء السلام”، والثانية “إدارة عمليات السلام”، لتقول المنظمة في تقرير رسمي أن الإدارتين الجديدتين ساهمتا في تحقيق تقدم ملحوظ بعدد من الملفات الساخنة في بوركينا فاسو، حيث حدث استجابة أسرع وأكثر تكاملاً لمنع النزاعات من خلال إنشاء مكاتب متكاملة خارج العاصمة واستخدام التحليل المشترك، وفي جمهورية أفريقيا الوسطى تم دعم اتفاق السلام بمرونة أكبر وتنسيق أفضل مع الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، أما في هايتي والسودان، إدارة أكثر سلاسة لانتقال البعثات (من حفظ السلام إلى بعثات سياسية أو العكس) بفضل الهيكل الموحد، مما قلل التنافس الداخلي.

إلا أنه في البحث عن تأثير تلك الإنجازات على أرض الواقع، خاصة بعد صدور التقرير بما يقارب 6 سنوات – وجد أنه  في عام 2026، صنف العديد من الجهات الدولية بوركينا فاسو ضمن الدول المُعرضة لمخاطر أمنية عالية جدًا، أما جمهورية أفريقيا الوسطى الوضع الأمني لا يزال الوضع هشًا جدًا بسبب نزاعات مسلحة متعددة السِنوات بين جماعات متمردة وقوات حكومية وتحالفات قبلية، ومازالت تحدث عمليات خطف واعتداءات على المدنيين، مع إمكانية توقّف حركة المرور على الطرقات وحدوث تعطيل للمطارات وحدود البر دون سابق إنذار، أما هايتي والسودان الوضع الأمني في هايتي يُعد من بين الأسوأ في نصف الكرة الغربي، البلاد تشهد منذ سنوات نفوذًا واسعًا لعصابات مسلحة قوية تسيطر على أجزاء كبيرة من العاصمة ومناطق أخرى، وتُرتكب جرائم عنيفة تشمل القتل والاختطاف والسرقات المنظمة، أما في السودان تقول تقارير أن عدد القتلى قد وصل إلى ما يزيد عن 150 ألف مواطن، فضلًا عن تشريد ما يقرب من 30 مليون شخص كنازحين ولاجئين.

 سيناريوهات مستقبلية

أصبح الوضع العالمي يثير العديد من التساؤلات عن جدوى استمرار الوضع الحالي للأمم المتحدة بنفس الوتيرة التي تسير بها، من ضعف وتحول دورها لتقديم المساعدات بعد اشتعل الأزمات بدلا من منع النزاعات من الأساس قبل تحولها لصراعات، قد يبرز مجموعة من التوقعات المستقبلية التي قد تثار خلال الفترة المقبلة أمام الرأي العام الدولي:

١- قصر دور الأمم المتحدة على تقديم المساعدات الإنسانية وتنسيق الجهود الاقتصادية والمدنية المختلفة، وبحث إنشاء منظمة جديدة تختص بأمور حفظ السلم والأمن الدوليين.

٢- إجراء إصلاح بتشكيل هيكل مجلس الأمن، بما يضمن تمثيل دولي عادل، وإلغاء حق الفيتو واستبداله باتخاذ القرار بمبدأ تصويت الأغلبية.

٣- استمرار الوضع الحالي للمنظمة كما هو عليه، وهو ما يهدد بمزيد من الصراعات والانقسامات حول العالم.

أتذكر مناقشتي مع أحد أساتذتي العظماء بمجال القانون الدولي خلال مرحلة الدكتوراه، وهو يسأل عن وجهة النظر في مدى فعالية الأمم المتحدة على الرغم من انتشار الصراعات حول العالم واشتدادها خلال السنوات الأخيرة بدون تحرك قوي فعال من المنظمة الأممية، ليشير إلى من انتقد الحال الذي وصلت إليه المنظمة، أننا لا يجب أن ننسى أيضًا دورها الهام في العديد من مجالات حياتنا اليومية وتسيير العديد من الخدمات اللوجستية حول العالم.

الوضع الذي وصل إليه العالم ربما يجعلنا نطرح فكرة قصر عمل المنظمة الأممية على تقديم المساعدات الإنسانية والأمور اللوجستية، وبحث إنشاء منظمة جديدة قوية تختص بتحقيق الأمن والسلم الدوليين، وتتدخل في الصراعات بسرعة وحسم وقت الحاجة لذلك.

المصادر:

  1. Central African Republic, the Department of State – Bureau of Consular Affairs, 15 January 2026
  2. Conflicts worldwide 2025 – statistics & facts, Statista, 17 Dec 2025
  3. Explainer: Organized crime and gang violence in Haiti, United Nations Office on Drugs and Crime, 21 January 2026
  4. Global Peace Index 2025, the Institute for Economics & Peace (IEP), 2025
  5. Magdalena Del Valle, UN Says It Could Have Zero Cash by July as US Withholds Dues, Bloomberg, 30 January 2026
  6. S. Pluzhnik, Individual risks of death in armed conflicts in the regions of the world (2015–2024), Medico-Biological and Socio-Psychological Problems of Safety in Emergency Situations, January 2026
  7. Review of the implementation of the peace and security reform, A/75/202, United Nations, 20 July 2020
  8. Venezuela Joins Iran, Belarus, Burkina Faso, Lebanon, Russia, Afghanistan, and More as US Issues Do Not Travel Advisory Due to Political Instability, Armed Conflict, Violent Crime, and Terrorism, Travel and Tour World, 3 February 2026
5/5 - (1 صوت واحد)

المركز الديمقراطي العربي

مؤسسة بحثية مستقلة تعمل فى إطار البحث العلمي الأكاديمي، وتعنى بنشر البحوث والدراسات في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم التطبيقية، وذلك من خلال منافذ رصينة كالمجلات المحكمة والمؤتمرات العلمية ومشاريع الكتب الجماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى